مضى خمس سنوات على سقوط نظام القذافي بعد اندلاع 17 فبراير، ولاتزال ليبياغارقة في الفوضى والتفكك والحرب الأهلية

مضت خمس سنوات على سقوط نظام القذافي بعد اندلاع ثورة 17 فبراير، ولا تزال ليبيا غارقة في الفوضى والتفكك والحرب الأهلية، ورغم كل المحاولات التي قام بها المجتمع الدولي من أجل لم شمل الفرقاء الليبيين، فإن وقف إطلاق النار بين الجهات المتصارعة لم ينفذ حتى الساعة.

اتفاق هش

بدأ المبعوث الأممي الخاص برنارد ليون طوال عام محادثات التوفيق بين الفرقاء الليبيين المتنازعين؛ بغاية وقف فوضى الصراع المسلح، وانتشار الميليشيات المزدهرة بليبيا، لكن انتهى به الحال إلى إقراراه بفشل في مهمته، ليقدم استقالته بعد شبهات حامت حول انحيازه لبعض الأطراف.

خلفه المبعوث الجديد الألماني مارتن كوبلر الذي استكمل رعاية مفاوضات الصخيرات بالمغرب بين الجهات الليبية المتشاحنة، فكان التوصل لوفاق ليبي ليبي، يوم 17 ديسمبر الماضي، بمثابة بادرة أمل لتأسيس حكومة وفاق وطني، تنهي حالة التسيب وتبدأ في بناء مؤسسات الدولة المنهارة.


لكن الطريق لم يكن ممهدا بأية حال؛ إذ بمجرد توافق المؤتمر الوطني المتمركز في طرابلس، ومجلس النواب المتمترس بطبرق، حتى ظهرت من جديد الخلافات الحادة بينهما إلى السطح، بما ينبئ بانهيار الاتفاق والرجوع إلى مربع الصفر مرة ثانية.

شكلت المادة الثامنة من الاتفاق الخاصة بالجيش نقطة تعارض بين الفريقين المتناحرين، ففي حين يرى مجلس النواب، المتواجد بطبرق والذي يحتضن قوى علمانية وعسكرية، أن وزارة الدفاع ينبغي أن تكون تحت سيادة الحكومة كما هي محددة في الاتفاق، ترى قوى المؤتمر الوطني المسيطرة على طرابلس، وهي تضم مجموعة من المجموعات الإسلامية المتفاوتة في التشدد، أن منصب رئيس وزارة الدفاع ينبغي أن يكون تحت إمرة شخصية «غير جدلية»، مشيرين إلى اللواء خليفة حفتر الذي يشغل المنصب الآن، الأمر الذي لا يتقبله الطرف الآخر.

أما النقطة التي أفاضت كأس الاتفاق، فهي إقالة المؤتمر الوطني المسيطر عل طرابلس 10 من أعضائه، كانوا من المشاركين في توقيع الاتفاق بالصخيرات، من بينهم صالح مخزوم، نائب رئيس وفد المؤتمر الذي يشارك في المفاوضات مع وفد مجلس النواب حول الأزمة الليبية برعاية الأمم المتحدة منذ عام في الصخيرات المغربية. وقال نائب رئيس المؤتمر عوض عبد الصادق في مؤتمر صحافي يوضح قرار الإقالة: «تم طرح إقالة بعض الأعضاء الذين شاركوا في التوقيع على الاتفاق السياسيفي الصخيرات، هذا الاتفاق الباطل الذي لم يشارك فيه المؤتمر، ولم يخول فيه أحدا بالتوقيع بدلا عنه».

بيد أن هناك محاولات حثيثة تجري الآن بالصخيرات؛ لإنقاذ الاتفاق من الانهيار قبل فوات الأوان.

تخضع الحكومة المتوافق عليها بحسب الاتفاق إلى نظام المحاصصة السياسية والقبلية، مما يعني أنه في الغالب لن تصمد جراء الخلافات الحادة بين الأطراف السياسية والقبلية المتنازعة، والتي ربما يتبع بعضها إملاءات أجنداتها الخارجية، مما قد يضع الاتفاق الهش في مهب الريح في أي لحظة.

تضخم داعش بليبيا

و كأن ليبيا لا تكفيها خلافاتها السياسية و القبلية، إذ برزت داعش بالأراضي الليبية في الفترة الأخيرة، وأصبحت تمثل قوة عسكرية لا يمكن الاستهانة بها بأية حال.

فوفقا لوزارة الدفاع الأمريكية فإن تنظيم داعش استفاد من تراجع قواه بعد ضربات التحالف الدولي الجوية، ليتضخم في ليبيا، وصرح أحد المسئولين بالوزارة أن أعداد عناصر داعش في ليبيا تقدر بـ 5000 مقاتل بعدما كانت لا تتجاوز 3000 سابقا، ويواصل استقطابه للعناصر المتطرفة بالبلدان المجاورة.

ويسيطر تنظيم داعش حاليا على سرت المتموقعة على بعد 450 كلم شرق طرابلس العاصمة، كما أن هناك ميليشيات إسلامية متشددة في كل من بنغازي ودرنة كـ« أنصار الشريعة » تشاطره الفكر الأصولي ورؤيته لطبيعة الدولة.


وأكثر ما يخشاه المجتمع الدولي هو استيلاء تنظيم داعش على آبار النفط في ليبيا، حيث يقول في هذا الصدد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري: «آخر ما نريد أن نرى في العالم هو خلافة زائفة تملك مليارات الدولارات من عائدات النفط».

وبسبب خطر تعاظم قوة التنظيم المتطرف في ليبيا، بحثت الأطراف الدولية الثلاثاء الماضي الأزمة الليبية في روما، في محاولة منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انزلاق ليبيا نحو الفشل المحتوم، وإن استدعى ذلك تدخلا عسكريا، إذ أصبحت ليبيا، كما صرحت الحكومة الليبية المعترف بها، «ملاذا للإرهاب ولجماعاته ووكرا للمجرمين القادمين من مختلف أصقاع الأرض».

وأمام تهديد داعش بتفجير العملية السياسية في ليبيا برمتها وتحويل البلاد إلى مرتع للصراعات المسلحة، فإن عددا من الدول الغربية، من بينها إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، بالإضافة إلى روسيا وبريطانيا، تتحضر إلى فتح جبهة جديدة مع التنظيم في ليبيا حسب تقارير إعلامية.

ومن المرجح، إن حدث هذا التدخل، فإنه سيكون على غرار ما يجري في سوريا و العراق: حيث سيقتصر الأمر على الغارات الجوية، وبعض العمليات الخاصة المحدودة، وكذا إمداد الحكومة الليبية المتوافق عليها بالسلاح لمحاربة التنظيم المتطرف، بهدف إضعافه، دون أن يعني ذلك وصول ليبيا إلى بر الأمان، حيث لا تزال هناك مشكلات أمنية وسياسية واقتصادية عويصة تواجه الحكومة الليبية غير مشكلة داعش.

وفي ظل تنامي قوة داعش وانتشار الميليشيات المسلحة، وهشاشة توافق الأطراف السياسية الليبية، وكذا انهيار الاقتصاد الليبي، فإن ليبيا تحتاج إلى شبه معجزة للسير في السكة الصحيحة ومنعها من الانزلاق في هاوية «الصوملة»، ما قد يخلف تداعيات خطيرة على أمن البلدان المجاورة في حالة لم تتحرك لاتخاذ إجراءات تعزز حدودها.

ويبقى المواطنون الليبيون الضحية الأولى لهذا الواقع المأزوم، في غياب أجهزة حقيقية للدولة، تسهر على رعاية احتياجاتهم الأمنية والاقتصادية والخدماتية، كما تتحول ليبيا ـ أيضا، كما يبدو حاليا ـ إلى معقل آمن للإرهابيين، وتجار البشر والأسلحة والهاربين من العدالة، وكذا نقطة انطلاق للمهاجرين السريين نحو السواحل الأوروبية القريبة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد