ربما يحظى المغرب باستقرار سياسي، نسبيًا، عن العديد من الدول العربية الأُخرى، حيث تغيب فيه الاضطرابات السياسية، كما أنه لا يعاني من تهديد الجماعات المُسلحة، إلا أنّه يعرف حالة من عدم الأمان في المجتمع، على إثر تفشي الجريمة في مدنه بشكل مرعب.

وقاد استفحال الجرائم في المغرب عددًا من نشطاء مواقع التوصل الاجتماعي، مؤخرًا إلى شن حملة دعائية ضد الجريمة، تطالب السلطات بتوفير الأمن للمواطنين، والتخلص من المجرمين الذين يروعون حياة الناس بالسيوف والسكاكين.

«زيرو كريساج».. حملة شبابية ضد الجريمة

بعد أن دشنت الحكومة المغربية قبل أسابيع حملة «زيرو ميكا»؛ للقضاء على الأكياس البلاستيكية في البلد، وهي الحملة التي لاقت سخرية لاذعة من المواطنين المغاربة، قرر بعض النشطاء على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تحديد أولوياتهم بأنفسهم، ودشنوا حملة «زيرو كريساج» بهدف تنظيف البلاد من الجريمة.

بدأت الحملة قبل أسبوع من الآن، من قبل إحدى الصفحات المغربية على فيسبوك، تدعى «شارلي بالدارجة»، وسرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتفاعل معها الكثير من الشخصيات الفنية والإعلامية المؤثرة بالمغرب، عبر وسم (هاشتاج) «#زيرو_كريساج».

https://twitter.com/GuzelAman/status/755884424345124868

 

وتقدم ناشطون بعريضة احتجاج على موقع «آفاز»، المتخصص في الحملات الإلكترونية ذات الطابع الاحتجاجي، لجمع 20 ألف توقيع، تأييدًا لرسالة رمزية موجهة إلى الملك محمد السادس، مفادها: «بعد سلسلة من الجرائم الشنيعة التي عاشت على وقعها جل المدن المغربية مؤخراً، خصوصاً بعد أن توالت السرقات تحت التهديد بالسلاح الأبيض. أجمعنا كشباب مغربي على إطلاق حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومراسلة المؤسسة الملكية من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لإيقاف هذا الزحف الشنيع». واستطاعت الحملة الاحتجاجية جمع ما يقارب 14 ألف و306 توقيع، منذ انطلاقها قبل أسبوع.

تفاعل واسع مع «زيرو كريساج»

فاجأ التجاوب الفعال مع حملة «زيرو كريساج» السلطات الأمنية نفسها، إذ ضجت الصفحات الاجتماعية المغربية بقصص ضحايا الجريمة، والصور الدامية التي تسببت فيها الحوادث الإجرامية، وتعليقات المغردين الساخطة من الوضع الأمني المزري.

ولا يبدو غريبًا التفاعل الكبير مع هذه الحملة في وقت قصير للغاية، إذ تؤرق الجريمة جزءًا كبيرًا من سكان المغرب، لدرجة أن بعض المناطق تخضع لسيطرة تامة من قبل قطاع الطرق، الذين لا يترددون في استعمال السيوف والسكاكين، من أجل إخضاع ضحاياهم من المواطنين لسلبهم أموالهم، أو لمجرد الاعتداء عليهم. أما الخروج ليلًا في كثير من المناطق فيعتبر من باب المخاطرة.

وكرد فعل لاستياء الرأي العام المغربي من استفحال الجريمة، أعلنت مديرية الأمن، التي يرأسها عبد اللطيف الحموشي، أنها قامت، في إطار مجهوداتها لمكافحة الجريمة، بتوقيف ربع مليون مجرم خلال النصف الأول فقط من السنة الجارية، وذكرت في بيانها أن عدد الأشخاص الموقوفين في الستة أشهر الماضية ارتفع بشكل كبير مقارنة مع نفس الفترة في العام الماضي، بحوالي 1340 شخصًا، كما ازداد عدد الأشخاص المبحوث عنهم، الذين تم ضبطهم، بما مجموعه 15 ألفا و511 شخصا، أي بنسبة إضافية ناهزت %32.

ويعيب العديد من المغاربة عجز السلطات الأمنية عن تقويض الجريمة، في الوقت الذي فيه تنجح بشكل كبير في القضاء على «الخلايا الإرهابية» حتى قبل تنفيذ مخططاتها على أرض الواقع.

بيئة منتجة للعنف والجريمة

يكشف تقرير وزارة الداخلية المغربية، الصادر قبل أيام، الحجم الحقيقي لانتشار الجريمة بالبلد، حيث يورد أن أكثر من 256 ألف شخص، تم توقيفه على خلفية ارتكاب جرائم مختلفة في ستة أشهر فقط، وهو ما يعني أن ما يقارب %1 من سكان المغرب متورطون في الجريمة، خلال فترة لا تزيد عن نصف عام، بمعدل 46 ألف جريمة تقريبًا في كل شهر.

هذه الأرقام الصادمة، علاوة على الجرائم التي لم يتم التبليغ عنها، تعكس صورة مفزعة لحالة الجريمة بالمغرب، بحيث أصبحت تهدد السلم الاجتماعي، ويلمسها الناس واقعا، مما يضع المواطنين في شبه حالة دائمة من التوجس.

أرجعت مديرية الأمن الوطني بالمغرب استفحال الجريمة بهذا الشكل، إلى الأقراص المهلوسة، التي اعتبرتها أكبر المسببات في ارتفاع الجرائم الموسومة بالعنف بالرغم من حملاتها الوقائية لمكافحة هذا النوع من المخدرات، حيث تقول إنها حجزت أكثر من 384 ألفا قرصا مخدرا خلال النصف الأول من السنة الجارية فقط.

أما بالنسبة للباحثين، فتعود جذور المشكلة إلى أبعد من ذلك، فبحسب عبد اللطيف كـداي، يرى أن الظلم الاجتماعي هو المولد الرئيس للجريمة بالمغرب، وآثاره المظهرية من فقر وبطالة وتدني مستوى الثقافة والتربية والهدر المدرسي، وفشل أنظمة التعليم، والأسر غير المستقرة، والهوة الواسعة بين الطبقات الاجتماعية.

في حين، يعتقد المتخصص في علم الاجتماع، رشيد الجرموني، أن سبب ارتفاع نسبة الجرائم في المجتمع المغربي راجع بالأساس إلى ما أسماه  تصدع  لحمة المنظومة القيمية التي تجمع العلاقات الأسرية والعائلية في المجتمع، فيما يشبه «انهيارًا أخلاقيًا قيميًا» في المجتمع المغربي.

لكن ما يجمع حوله الباحثون كسبب لارتفاع وتيرة الإجرام، هو بالأساس وجود خلل في المنظومة الثقافية الكلية للمجتمع المغربي، مسؤول عن شيوع العنف، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية تؤجج القابلية للإجرام، بفعل الإقصاء والتهميش الذي تعاني منه فئات واسعة.

وبالتالي فإن الاعتماد على الحل الأمني يبقى قاصرًا لمحاصرة الجريمة في المغرب، وطالما لم يتم خلق أسس سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية سليمة تساوي بين الناس أمام القانون، فإن الشباب المغربي سيجد نفسه في بيئة مولدة للعنف والغرائز البدائية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد