يبدو أن السماء أبت هذا العام إلا أن تحبس قطراتها عن المغرب، فبعد أن عرف العام الماضي تساقطات مطرية مهمة أنعشت القطاع الفلاحي بشكل جلي، يتهدد الفلاحون المغاربة هذا العام بكساد محاصيلهم الزراعية بسبب الجفاف.

الموسم الأبيض الذي يقبل عليه المغرب سيؤثر سلبا لا محالة بالاقتصاد الوطني ككل، كما قد يلهب جيوب المغاربة.

اقتصاد الأمطار

بعد انحباس الأمطار طيلة الشهور الفلاحية، لم يبق أمام المزارعين المغاربة سوى الاستعداد لموسم شحيح، حيث تعتمد معظم الأراضي الزراعية المغربية على تساقطات الأمطار، ما يجعلها رهينة لتقلبات الطقس والظواهر الطبيعية.


وقد نبهت المندوبية السامية للتخطيط، على لسان رئيسها أحمد الحليمي، إلى التأثيرات السلبية المنتظرة للجفاف على المغاربة، محذرة: «نتوقع أن تكون 2016 سنة صعبة».

ويتوقع نتيجة الجفاف تضرر القطاع الفلاحي وكذا تراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به مثل الصناعة الغذائية والتجارة المتعلقة بالمواد الزراعية، وبالتالي الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، واستفحال البطالة في البوادي والمناطق الزراعية ككل.

ومن ثم دعا المندوب السامي الحليمي الحكومة إلى وضع خطة استعدادا للموسم القاحل، قائلا: «ينبغي مواجهة 2016، ويجب على الجميع أن يعلم أن 2017 ستكون أصعب من سابقتها، حتى ولو كانت الظروف المناخية ملائمة؛ لأنها ستلي السنة الصعبة التي يمر منها القطاع الفلاحي المغربي في العام الحالي».

في حين يأخذ اقتصاديون على المغرب ارتهان قطاعه الزراعي بتساقطات الأمطار، وينصحون بمراجعة سياساته الزراعية، وإدخال إصلاحات لعصرنة القطاع وميكنته بقصد تجاوز حالة الارتهان، وبالتالي ضمان الأمن الغذائي للبلاد.

وبالرغم من أن القطاع الزراعي في المغرب لا يشكل سوى 15% من الاقتصاد الكلي للبلد، إلا أن الرمزية الثقافية التي يضفيها المجتمع المغربي على الجفاف، تجعل انحباس المطر يؤثر فعلا بشكل أكثر مما هو مفترض، بل تتسع دائرة الأضرار لتشمل قطاعات غير معنية بالتساقطات بشكل مباشر.

المغرب يواجه الجفاف بصلاة الاستسقاء

وأمام تأخر تساقط الأمطار، لم تتردد السلطات الرسمية في إعلان تنظيم صلاة الاستسقاء بكافة المساجد للمرة الثانية في هذا العام بالمملكة، داعية الناس إلى التضرع إلى الله لإنزال الغيث.

وتملك صلاة الاستسقاء حضورا قويا في الثقافة الشعبية والرسمية للمغرب، تصف الدكتورة فرانسوا ليجي هذا الحضور في كتابها «نصوص من الفلكلور المغربي: معتقدات وتقاليد شعبية»، الذي صدر سنة 1926، تقول فيه: «إن هذه الصلاة تقام بأمر من السلطان لاستدرار المطر عندما يكون هناك جفاف كبير، ولأدائها على المؤدين لها أن يصوموا اليوم كله، وأن يخرجوا حاسري الرؤوس وحافيي القدمين، وعندما ينتهون منها يقومون بلباس “جلابيبهم” بالمقلوب للإشارة إلى السماء بأن الطقس يجب أن يتغير».

إحدى صور لطقس صلاة الاستسقاء الأسبوع الماضي، و التي أثارت جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تظهر طبقية فجة بين النساء المصليات


وتنقل جريدة لوموند الفرنسية عن الرئيس الفرنسي فرانسو هولاند، أنه حين زار المغرب عام 2013 وكان الجو ممطرا، أسر له أحد أفراد الأسرة الملكية في أذنه بمقولة منسوبة إلى أول مقيم عام فرنسي في المغرب الجنرال اليوطي (1912 – 1925)، ومفادها أن تحكم في المغرب فهو أن تسقط الأمطار.

وذكرت الجريدة ـ في نفس الإطار ـ أنه في عهد الراحل الحسن الثاني كان يتم استعمال طائرات خاصة مزودة بتقنيات أمريكية من أجل استحلاب الغيوم، وفي نفس الوقت الدعوة إلى إقامة صلاة الاستسقاء.

تحتل صلاة الاستسقاء رمزية شديدة لدى المغاربة، ولاسيما القرويين منهم، يبينها الباحث السوسيولوجي محمد الطوزي في كتابه: «الملكية والإسلام والسياسة» بقوله: «إن صلاة الاستسقاء هي أصل من أصول الإسلام الشعبي المغربي .. وإقامة صلاة الاستسقاء لا تعني تساقط المطر كنتيجة حتمية، فإذا لم يسقط المطر فذلك يعني أن الأمة لم تكفر عن كل ذنوبها حسب المعتقدات السائدة».

وهكذا فإن صلاة الاستسقاء في المغرب هي أكثر من مجرد استراتجية لمواجهة الجفاف، بل تتعدى ذلك إلى أبعاد رمزية وثقافية وسياسية.

سدود كثيرة لكن بدون جدوى

فطن المغرب مبكرا إلى فكرة بناء السدود لضمان أمنه المائي، حيث تبنى الراحل الحسن الثاني هذه السياسة خلال سنوات الجفاف آنذاك، وخلف وراءه تركة وافرة في هذا الصدد، بلغت أكثر من مائة سد موزعة بمختلف مناطق البلاد.

وتدعي السلطات أنها لعبت دورا حيويا في إبعاد شبح العطش وندرة مياه الصالحة للشرب، وبأنها ساهمت في الحفاظ على المخزون المائي السطحي للبلاد وفي نفس القوت إبعاد خطر الفيضانات عن البلدات والقرى، علاوة على سقي المساحات الزراعية.

بيد أن المؤشرات في هذا السياق لا تؤيد النظرة المثالية للسدود في البلد، حيث تحذر العديد من المنظمات الدولية المغرب من أزمة المياه التي تتهدده مستقبلا، منها تقرير اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة، الذي نبه إلى أن المملكة تتوفر على«موارد مائية محدودة»، مقدرا ضياع 35 % من المياه العذبة بالمغرب، مثلما أن العديد من الدواوير والقرى لا تزال تعاني لحد الآن نقصا في المياه الصالحة للشرب، ناهيك عن أن هذه السدود ليست لها أي فعالية في مواجهة الجفاف وتخفيف أضراره.

ويرجع ضعف جدوى سياسة السدود بالمغرب، إلى ضعف التدبير وسوء إنفاق المياه أساسا، بالإضافة إلى استئثار الفلاحين الكبار من الطبقة البورجوازية بحصص مياه السدود، في حين يحرم فلاحي البوادي و القرى من حصص كافية للري أراضيهم الزراعية.

ومن خلال ما ورد يتبين أن مشكلة الجفاف التي تتهدد المغرب هذا العام، تطرح على المسئولين إعادة النظر في السياسات الفلاحية المتبعة، وصياغة سياسات أكثر واقعية وأفضل تدبيرا في مواجهة الجفاف وشح السماء، بغاية فك ارتهان الاقتصاد الزراعي للبلاد بأحوال الطقس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد