يبدو أن فترة 132 سنة من الاستعمار الفرنسي للجزائر ستبقى آثارها ممتدة لمئات السنين، وقد تلقي بظلالها على مستقبل ومصير كل من البلدين بشكل أو بآخر، وإن كان التأثير الأكبر يكون بجانب القوة المستعمِرة فرنسا، والتأثير الأضعف للجزائر بطبيعة الحال، بعد خضوعها لهيمنة فرنسا عقودًا طويلة.

فمن التأثير الاقتصادي المتبادل واعتبار السوق الجزائرية سوقًا فرنسية بامتياز، إذ تشير الإحصائيات لتواجد أكثر من 500 مؤسسة وشركة فرنسية بالسوق الجزائرية، توفر أكثر من 10 آلاف منصب شغل؛ إلى التأثير الثقافي باعتبار اللغة الفرنسية من اللغات شبه الرسمية والتي تفرض نفسها بقوة في المشهد الثقافي والإعلامي والسياسي والفكري الجزائري، رغم غالبية المتكلمين بالعربية لدى عامة المجتمع، إلى التأثير الاجتماعي حيث يشكل الجزائريون الجالية الأكبر في فرنسا بتعداد تجاوز خمسة ملايين جزائري.

ويبقى التأثير السياسي، هو الفاعل والقوي في كل الجوانب تقريبًا، فلطالما كانت لفرنسا والموالين لها داخل السلطة الجزائرية اليد الطولى في مختلف القرارات الهامة والمصيرية، ابتداء من التدخل لإيقاف المسار الانتخابي في الجزائري عام 1992، بعد نجاح التيار الإسلامي في الفوز بالانتخابات. إلا أن الجانب المغفول عنه لدى الكثيرين هو التأثير العكسي للجزائر، على السياسة الفرنسية، فلا تمر أي انتخابات في الجنوب الأوروبي، دون وجود انعكاس او تأثير ممتد من الطرفين، وأمامكم اهم الملفات المؤثرة في الرئاسيات الفرنسية القادمة.

ماضٍ مؤلم: الاستعمار بين التجريم والتحريم

«زيارة الجزائر أمر لا غنى عنه»، هكذا عبر ماكرون، أحد المرشحين الأوفر حظًا في الاستحقاق الرئاسي الجاري، ليضيف قائلًا: «من البديهي أن أقوم بهذه الزيارة بالنظر إلى دور الجزائر في تاريخنا وفي بلادنا وفي مستقبلنا وفي مستقبل المغرب العربي، وهذه الزيارة أمر لا غنى عنه أثناء حملة انتخابية رئاسية فرنسية». ووصفت مختلف الجرائد الفرنسية تصريحات ماكرون، حول تجريم الاستعمار في القرن الماضي، بمحاولة النبش في الماضي المؤلم، وإعلان توبة غير مطلوبة.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=” https://twitter.com/EmmanuelMacron/status/832245777984520193″ ]

ماكرون الذي أحدثت تصريحاته ضجة واسعة لدى الرأي العام الفرنسي، حيث تعرض لهجوم قوي من اليمين المتطرف وحتى من اليسار بمختلف ألوانه، يضيف كذلك أن «الزيارة ضرورية لندرك في كل لحظة حجم ثقل الماضي ولاعتماد خطاب تفاهمي حول أهمية المستقبل» وهي تعابير يوضح حقيقة أن الرئيس الفرنسي الذي يريد أن يصل إلى الرئاسة لابد له وأن يثبت تقديره للمستعمرة القديمة الجزائر، وأنه يضعها في أولى الأولويات وعلى رأس الاهتمامات، وهو ما يفعله أغلب رؤساء ومسؤولي فرنسا قبل أو بعد توليهم المسؤولية.

كما شكلت صوره مع مختلف المسؤولين الجزائريين، جدلا واسعًا لدى الجزائريين، حيث اعتبرها الكثيرون إهانة للموقف الرسمي الجزائري، عبر وضع يده على كتف وزير الخارجية رمطان لعمامرة، وهو السلوك البروتوكولي الذي يعني وجود قوة ونفوذ وتحكم في الهيئة التي يمثلها هذا الشخص الخاضع.

الشعار المستهلك: «أمن الجزائر من أمن فرنسا»

ويعتبر الفرنسيون الجزائر – الدولة الأكبر في إفريقيا مساحة – استمرارًا لنظرتهم الاستعمارية المتوارثة أن هذه البلاد هي الحديقة الخلفية لفرنسا والنافذة الواسعة المطلة على مناطق نفوذهم في الساحل الإفريقي، وكل ما يحدث من اضطراب على المستوى الأمني العسكري، سيكون له الأثر المباشر على مصالح فرنسا الحيوية، بخاصة في مجال الطاقات والمعادن.

ولهذا الاعتبار يسعى كل مرشح للانتخابات إلى امتلاك زمام القوة فيه وإثبات اطلاعه وتحكمه فيه بما يوحي للفرنسيين أن القادر على حماية أمنهم في الداخل، بناءً على قدرته في فرض هيمنته على الخارج المحيط أو المستعمر السابق، حيث تملك الجزائر كل خيوط اللعبة الأمنية في المنطقة نظرًا للمساحة الشاسعة لها، وما ينبني عليه من حدود تعتبر الأطول مع أغلب دول الساحل الإفريقي.

تعتبر الجالية الجزائرية القوة الأولى مقارنة بمختلف الجاليات الأخرى المقيمة في فرنسا، حتى الأوروبية نفسها، بتعداد 5.5 مليون جزائري في فرنسا وحدها والكثير منهم يمتلك الجنسية المزدوجة مما يحقق لهم حق الانتخاب، ومع أي استحقاق انتخابي، يظهر الجدل بخصوص الجالية الجزائرية والمغاربية بشكل عام إلى السطح، الا أن أغلب الأرقام التي تقدمها المعاهد الحكومية في فرنسا تحاول التقليل من شأن الجاليات، فقد نشرت مؤخرًا رقمًا لا يتجاوز 2 مليون نسمة من الجزائريين بفرنسا، يقيمون بطريقة شرعية.

وعبر العقود الأخيرة، تحاول الأوساط السياسية في فرنسا، جلب ود الجاليات من خلال الاعتماد على امتيازات تقدمها برامجها الانتخابية، خاصة وأن المجتمع الفرنسي بمختلف تياراته والجاليات المرتبطة به، يعتبر ضعيفًا وغير قادر على إنجاح عملية الاندماج التي سعت إليها الحكومات الفرنسية لزمن طويل، وأحداث العنصرية والاعتداءات بين أوساط المغتربين والفرنسيين، مرتفعة مقارنة بدول أوروبية أخرى.

وأوردت صحيفة لوفيجارو الفرنسية تواجد الجزائر ضمن أفضل عشر بلدان يرغب الفرنسيون في العيش بها، قبل هولندا وأستراليا والصين، وهي إحصائية غير متوقعة، الا أن حجم الاستثمارات والعلاقات الموجودة بين الفرنسيين (الجزائريين الأصل) يدفع بهذا الاتجاه، حيث لدى الكثير من الجزائريين المغتربين والمولودين في فرنسا، رغبة في العودة إلى بلادهم الأصلية، إذا ما توفرت نفس الظروف الموجودة في فرنسا. وتشير الإحصائيات إلى وجود حوالي 32 ألف فرنسي مقيم على الأراضي الجزائرية.

الطاقة الجزائرية حاضر ومُستقبل فرنسا

وتعد الطاقة ووسائل الحصول عليها رأس أولويات أي مسؤول فرنسي، وتعتبر الجزائر ذلك البلد الزاخر بالطاقة البترولية والغازية والطاقة الشمسية الكبيرة، التي يمكن الحصول عليها والاستفادة منها في الصحراء الجزائرية، حيث صرح مؤخرًا ماكرون بأن فرنسا تسعى لريادة العالم في مجال الطاقة المتجددة، لاعتبار الصحراء الكبرى في الجزائر، وما توفره من عائدات في الطاقة الشمسية. وهو التصريح الذي يعتبر أن فرنسا هي المستفيد الأول من الاستثمارات المتاحة في بلاد المليون ونصف المليون شهيد.

كما تعتبر الجزائر الحديقة المثلى لفرنسا باعتبارها سوقًا اقتصاديًا هامة لها سيطرتها على نسبة كبيرة من الاقتصاد في مجالات الزراعة والفلاحة والصناعة والخدمات. وفي السنوات الأخيرة بلغ التبادل التجاري أكثر من 10.5 مليار يورو لتأتي في المركز الثاني من التبادلات التجارية مع إفريقيا والاستثمار هناك عامة، بعد الصين. هذا ويصل الاستثمار الفرنسي المُباشر في الجزائر مع نهاية 2016 إلى 2.% مليار يورو.

فرنسا بلا الجزائر.. تصبح من دول العالم الثالث

وعليه يُمكن القول إن وجودها على الخارطة الانتخابية مهم، بما توفره من دخل للفرنسيين وللشركات الفرنسية، فحتى الشركات المفلسة والتي قاربت على الإفلاس تكون الجزائر بمثابة قبلة الحياة لها، وهو ما حدث مع كثير من الشركات التي شارفت على الانهيار والإفلاس، على غرار رونو وبوجو الفرنسيتين لصناعة السيارات، لولا أن أُحيَت في الجزائر باستعمال النفوذ الفرنسي.

وشكلت رسالة سُرّبت مؤخرًا حول مطالبة مسؤول منطقة «آلب» الفرنسية، للوزير الأول الفرنسي بالتدخل لدى السلطات الجزائرية، من أجل رفع الحظر عن استيراد التفاح الفرنسي، لغطًا وجدلاً واسعًا كذلك بهذا الاتجاه، خاصة وأن الرسالة تحمل أسلوب الأمر والتنفيذ تجاه السلطات في الجزائر.

وتبقى الجزائر إحدى الدول والمجتمعات التي يضعها السياسيون الفرنسيون ضمن تكتيك وحسابات الوصول لقصر الإليزيه، ولم يكن إيمانويل ماكرون هو الأول من نوعه، فقد سبق وصول آلان جوبييه للجزائر، قبل خسارته للسجال الانتخابي لصالح فراسوا فيون، كما شكلت منذ أشهر قليلة تصريحات ساركوزي تجاه الجزائر حدثا بارزًا في العلاقات الفرنسية الجزائرية. وكما قال الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، فإنّ «فرنسا بلا الجزائر، تصبح من دول العالم الثالث».

عرض التعليقات
تحميل المزيد