تقع مصر اليوم ومنذ أكثر من خمسين عامًا تحت الحكم العسكري، فيما تعتبر المؤسسة العسكرية المصرية من أكثر المؤسسات نفوذًا وتوغلاً في الدولة المصرية في كافة المجالات.

من محمد علي وبداية الجيش المصري الحديث، مرورًا بعبد الناصر وبداية الحكم العسكري لمصر، إلى السادات ومبارك وانكفاء المؤسسة العسكرية للداخل على حساب الخارج، حتى اليوم، صارت المؤسسة العسكرية في مصر دولة فوق الدولة، لا تقبل أي تهديد يمس وجودها ونفوذها.

  • 1- محمد علي باشا وبداية الجيش الحديث

محمد علي يتفقد الأسطول الحديث


بالرغم من أن مصر قد شهدت وجودًا للقوى العسكرية فيها منذ قديم الأزل، إلا أن الجيش المصري لم يأخذ طابعه النظامي الحديث إلا في عهد محمد علي، في بداية القرن التاسع عشر.

بعد الحملة الفرنسية، كان بمصر ثلاث قوى عسكرية، قوات المماليك والبدو في الصعيد، وقوة الأتراك العثمانيين، وقوة الألبان (الأرناؤط)، وهي مجموعات متفرقة يُطلَق عليها “الجنود غير النظاميين”، وكان تنظيم هذه القوات خاضعًا لحالة الاضطراب التي تعاني منها الولايات العثمانية، والمعارك التي ألفتها حياة المماليك في القرن الثامن عشر.

جاء بناء الجيش المصري الحديث كجزء من حملة التحديث التي بدأها محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فارتبطت الدولة المصرية الحديثة بوجود الجيش وطبيعة علاقته بالمجتمع المصري التقليدي.

اختلفت الآراء حول أسباب محمد علي لبناء الجيش الحديث، قيل إنه تأثر بنابليون وحملاته العسكرية؛ فقد تركت قوة الجيش الفرنسي أثرًا ملحوظًا في مصر وعلى المصريين، وقيل إنه بسبب محاولات السلطان سليم لإقامة جيش نظامي سماه “نظام جديد”، وقد أتيحت لبعض قوات الجيش الجديد أن تأتي إلى مصر كجزء من القوات العثمانية لطرد الفرنسيين من البلاد.

تركت قوة “النظام الجديد” في المصريين أثرًا ملحوظًا، ففي الوقت الذي عجزت فيه آلاف مؤلفة من القوى غير النظامية عن الصمود أو تحقيق أي انتصار، استطاع الجيش النظامي أن يقاتل ببسالة ولم يُشاهد أيًا منهم يهرب من ساحة المعركة.

بعد ذلك أمر محمد علي بإعداد مسودة لهيكل تنظيمي جديد للجيش، على أن يكون على نمط جيش السلطان سليم، بالرغم من أنه قبل ذلك قد رفض خطة سليمان أغا بتنظيم جيش على نمط الجيش الفرنسي.

عرِف الجيش المصري نظام “التجنيد الإجباري” لأول مرة مع جيش محمد علي الحديث، كما عرِف أيضًا سياسة تابعية قوات الجيش للحكومة المركزية، والاعتماد عليها في التسليح والإمدادات والغذاء.

ولتأمين قوى الجيش المصري الحديث، كان ينبغي على محمد علي أن يتعامل مع القوى العسكرية الأخرى الموجودة في البلاد، لا سيما مع علمه بالمقاومة المتوقعة من هذه القوى أمام أية محاولات لإدخال تكتيكات وتدريبات حديثة على نظام الجيش.
فبدءًا من المماليك، الذين كانوا أمراء البلاد العسكريين لقرون مضت؛ تخلص الباشا من نفوذهم بقتل قادتهم في ما عُرِف بـ “مذبحة المماليك”، ثم لاحق الجنود ومن استطاع الفرار منهم في أنحاء البلاد من خلال الحملات العسكرية والتي أسفرت عن مقتل ما يقارب الألفي مملوك.
ثم جاءت مرحلة التعامل مع الألبان الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لقوته العسكرية، ففرض عليهم الباشا النظام بالقوة، وحين فشل في فرض القوة عليهم قام بإرسالهم إلى الصحراء العربية لقتال الوهابيين في شبه الجزيرة العربية، وهناك وفي خلال صراع سبع سنوات مع الوهابيين، لاقى الألبان حتفهم.

لجأ محمد علي في بناء جيشه إلى السودانيين الذين تم استعبادهم إبان الحملات التي أرسلها للسودان بقيادة ابنه إسماعيل باشا وزوج ابنته محمد بك الدفتردار، ثم لجأ بعد ذلك إلى تجنيد الفلاحين المصريين.
سعى محمد علي لبناء الجيش المصري في وجود خبراء عسكريين، منهم فرنسيين ومدرسين ومهندسين للمدارس العسكرية، كان هدف محمد علي هو النهوض بمصر واللحاق بركب التقدّم الحضاري في العالم الغربي، فبناء الجيش المصري الحديث لم يكن بدافع الدفاع عن مصر، بل بناء مصر الحديثة.

  • 2- جمال عبد الناصر، ووصول العسكر إلى سدّة الحكم:

عدد من الضباط الأحرار

ساهمت حركة الضباط الأحرار، والانقلاب العسكري على الملك فاروق في يوليو 1952م، في وصول المؤسسة العسكرية لمصر، وتعزيز حكمها، بل وتحويل مصر إلى “مجتمع عسكري”، ومن يومها حتى يومنا هذا ظلت مصر تحت “حكم العسكريين”.

أٌلغي النظام الملكي، وأٌعلِن النظام الجمهوري في يونيو 1953، وصار اللواء محمد نجيب، قائد تنظيم الضباط الأحرار؛ رئيسًا للجمهورية، لكن نشبت الصراعات بينه وبين جمال عبد الناصر بسبب رغبة نجيب في تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، لينتهي الأمر بعزل محمد نجيب وتحديد إقامته، وتولي ناصر رئاسة البلاد، وفي عام 1966 تم تثبيته رئيسًا للبلاد من خلال استفتاء شعبي.

تحت حكم عبد الناصر، زاد نفوذ المؤسسة العسكرية ولم تعد تحت المساءلة، كما سيطر العسكريون على أغلب الوظائف السيادية وأرقى المناصب الوزارية والدبلوماسية والإدارية في البلاد، منذ عام 1952م حتى عام 1967م.

لم يغب عن ناصر أن توسّع نفوذ الجيش قد يمثّل تهديدًا صريحًا لحكمه، فعمل على ربط الجيش المصري بنظامه، وعوّل على علاقته المتينة بصديقه المشير عبد الحكيم عامر، الذي عيّن قائدًا للقوات المسلحة ووزيرًا للحربية، ثم مشيرًا بعد قيام الوحدة مع سوريا، ثم نائبًا لرئيس الجمهورية.

في عام 1956، تعرّضت مصر لهجوم العدوان الثلاثي، بعد تأميم قناة السويس، ونتيجة لدعم مصر فلسطين في حربها ضد إسرائيل، وهو ما أدّى لاستعانة عبد الناصر بالاتحاد السوفيتي، لتنتهي الحرب بنصر سياسي ظاهري لعبد الناصر، ونشر العدوان لقوات دولية في سيناء.
كان الجيش المصري في الفترة منذ عام 1955م، وحتى عام 1966م في أضعف حالاته، بالرغم من محاولات عبد الناصر لتزويده بالأسلحة والإمدادات، بالإضافة إلى مساعدات وإمدادات الاتحاد السوفيتي.

كلّف عبد الناصر عبد الحكيم عامر بمهمة زيادة كفاءة الجيش العسكرية ودعمه بالإمدادت اللازمة، ساهمت هذه المحاولات في جعل المؤسسة العسكرية دولة داخل الدولة، حتى لاحظ عبد الناصر خطورة التكتيك الذي اتبعه في الاعتماد الكلّي على صديقه عبد الحكيم عامر، وبأنه قد صار مصدر تهديد له شخصيًا، نشبت بعض الخلافات بينهما، حاول فيها ناصر عزله عام 1961م، لكن لم ينجح في ذلك لما قد يسبب عزله من حالة تمرد في الجيش.

انتهت هذه الاستعدادات والخلافات مع عامر بنكسة 1967، ودُمِرَت طائرات عبد الحكيم عامر وهي ما تزال رابضة في القواعد العسكرية والمطارات المدنية، وبعد إعلان عبد الناصر تنحيه عن رئاسة الجمهورية تنحى عبد الحكيم عامر، ثم وصلت الأنباء لعبد الناصر أن عامر يحاول القيام بانقلاب العسكري، ففرضت الإقامة الجبرية عليه، وأعلن موته منتحرًا عام 1967، ليلتحق به عبد الناصر عام 1970م.

  • 3- محمد أنور السادات، الحرب الأخيرة للجيش المصري وبداية الانكفاء للداخل:

محمد أنور السادات قبل اغتياله

واجه السادات في بداية حكمه العديد من التحديات، حالة الجيش المتدهورة بعد النكسة، الحالة الاقتصادية للبلاد، واستمرار احتلال إسرائيل لأجزاء من سيناء، وكانت أكبر التحديات التي واجهت السادات هي حالة المؤسسة العسكرية بعدها، وما التكتيك الذي يجب اتباعه مع الوضع الحالي لها ليعمل على تعزيز حكمه ولا يمثل أي تهديد له؟

اتبع السادات تكتيك الاستبدال السريع لضباط الجيش، هذا التعاقب السريع بين الضباط ساهم في احتدام الصراع بين الضباط الطامحين لقيادة الجيش، كما عمل السادات على تقليل الحضور العسكري في مجلس الوزارات، وفتح باب الاقتصاد الوطني أمام تدخلهم فيه، أدى ذلك إلى لجوء القادة العسكريين إلى تقديم الولاء لمؤسسة الرئاسة لأنها الضامن الوحيد لبقائهم السياسي، وبذلك استطاع السادات أن يمسك بخيوط المؤسسة العسكرية.

بعد الوصول للحكم، بدأ السادات في الإعداد لحرب 1973م، وساهم تحقيق الانتصار الجزئي في الالتفاف الشعبي حول السادات وتعزيز حكمه، إلا أنه يمكن القول إن هذه الحرب كانت نهاية الدور الخارجي للجيش المصري في الدفاع عن الأمن القومي، وبداية الانكفاء الداخلي، كما بدأت مصر في الانتقال من المعسكر السوفيتي إلى المعسكر الغربي، والاعتماد على الدعم الأمريكي.

ففي منتصف السبعيات، انطلقت انتفاضة الخبز في مصر احتجاجًا على ارتفاع أسعار السلع الغذائية نظرًا لتدهور الحالة الاقتصادية للبلاد، تدخل الجيش المصري لقمع هذه المظاهرات ومواجهة المدنيين، وأعلنت حالة طوارئ.

لم تتوقف حالة الانكفاء الداخلي للجيش على قمع مظاهرات المواطنيين المصريين، بل ساهمت سياسات السادات بعد ذلك في إعادة الدور الاستراتيجي للجيش المصري، من خلال ما عُرِف بسياسة “الانفتاح”، وأثرها على السياسة الخارجية والأمن الوطني.

رأى السادات أن مصر بعد حرب 1973 لن تكون قادرة على خوض حرب جديدة، في الوقت الذي ما زالت إسرائيل تمثل تهديدًا ما للأمن القومي، كان الجيش المصري في حالة يرثى لها.

في عام 1977، قام السادات بزيارة الكنيست الإسرئيلي، وتلا ذلك مفاوضات سلام بين الطرفين المصري والإسرائيلي، نظمها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والتي انتهت باتفاقية كامب ديفيد، والتي تعهد الطرفان بموجبها على عدم صدور أي فعل من أفعال الحرب أو العنف أو التحريض على نحو مباشر أو غير مباشر.

انتقلت حالة الانكفاء صوب الداخل إلى الجنود المصريين، وبدلاً من الطموح الناصري بقيادة العالم العربي، والدفاع عن الدول العربية، غلبت القومية المصرية على العروبة داخل الجيش المصري، وانطلقت الأصوات التي تنادي بالتوقف عن التضحية بالمصريين من أجل الفلسطينيين والعرب.

“نحن نضحي بدمائنا من أجل الدفاع عن أوطاننا، لكننا قد ضحينا بما يكفي من أجل الفلسطينيين، ولن نموت من أجلهم مجددًا. أنا مصري أولاً، وعربي ثانيًا”.  *قائد في الجيش المصري

  • 4- محمد حسني مبارك، ودولة الجيش


بعد اغتيال السادات على يد خالد الإسلامبولي، كان على مبارك أن يواجه نمو الجماعات الإسلامية في مصر، واحتمالية توغلها لمؤسسات الدولة، لا سيما أكثرها حساسية وأهمية، المؤسسة العسكرية.

أدى ذلك إلى فرض العديد من الإجراءات الاحترازية داخل المؤسسة العسكرية التي تضمن عدم تسلل الجماعات الإسلامية إليها، وذلك بالبحث عن انتماءت الجنود وعائلاتهم، وعلاقتهم بالجماعات الإسلامية، وما زالت هذه الإجراءات أساسية في الجيش حتى اليوم.

في عهد مبارك تم دمج القوات المسلّحة ضمن نظامه، من خلال نزع الصبغة والدور السياسي عنها في مقابل التمتع بالنفوذ والمحسوبية. وبدايةً من عام 1991، وسّعت القوات المسلحة توغلها في كل مجالات نظام مبارك، فكان يتم تعيين الضباط الكبار بعد التعاقد في مناصب رئيسة في الوزارات والهئيات الحكومية والشركات المملوكة للدولة. ساهمت هذه الحالة في خلق “جمهورية الضباط” التي صارت أداة أساسية للسلطة الرئاسية، واستطاعت الاحتفاظ بنفوذها السياسي حتى اليوم.

صار الدخل السنوي للمؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش المصري مليارات الدولارات، وهي مؤسسات غير خاصة للرقابة من أي جهة مدنية، باعتبار أن نشاط القوات المسلحة الاقتصادي يدخل في نطاق “الأمن القومي” المصري.

تعامل الجيش المصري مع وجوده في الحياة المدنية باعتباره هبة وصدقات للمصريين وفق تقدير ومزاج القادة، في حين أن الموارد المستخدمة في خدمات بناء الجسور والطرق والمخابر ومحلات الجزارة، تأتي من المال العام، وينبغي لها أن تدخل خزينة الدولة.

أمّا عن حالة الجيش المصري كقوة عسكرية فقد وصفها الخبيران في الشأن المصري كليمنت هنري وروبرت سبرنغبورغ بأنها:

“الجيش المصري ليس قوة محترفة منيعة كما يصوره الكثيرون. فهو مترهّل وتتكون نواته من ضباط مدللين تم تسمينهم ضمن نظام المحسوبية الذي أقامه مبارك. أما تدريبه فيتسم بعدم الانتظام، في حين تعاني معداته من افتقار شديد إلى الصيانة، كما يعتمد على الولايات المتحدة للحصول على التمويل والدعم اللوجستي”.

  • 5- ثورة يناير، وتهديد دولة الجيش:


بعد ثورة يناير والإطاحة بمبارك في فبراير 2011م، وتسلّم المجلس العسكري مقاليد الحكم، صار المجلس أكثر قوة بعد أن قذفته الثورة إلى الصدارة السياسية، كما صار أكثر عرضة للتهديدات بعد سقوط نظام مبارك، وخسارة شبكة العلاقات السياسية التي تعمل على الحفاظ على نفوذه ومصالحه.

كان المجلس العسكري عاجزًا عن تصور أي سياسة تطلب إصلاحًا جوهريًا أو تغييرًا هيكليًا لا يمثل تهديدًا ضمنيًّا له، فكانت سمة المرحلة الانتقالية بقيادة المجلس العسكري هي الحفاظ على مصالحه من خلال اللجوء إلى سياسة الأبوية والسلطوية، واللجوء إلى العنف والقمع.

يذكر أن المجلس العسكري لم يحذو حذو نظيره الجيش التونسي، ورفض أن يسلم السلطة للمدنيين، وصارت سلطاته مبادئ “فوق دستورية”، بعد أن شوّش على العملية الدستورية، كما أعلن الإعلان الدستوري المكمل في يونيو 2012م.

وبعد وصول الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم، بدا وكأن الإخوان يسعون لمد الجسور مع المؤسسة العسكرية، وكأن الرئيس المعزول محمد مرسي قد استطاع أن ينسج علاقات طيبة مع وزير الدفاع، في الوقت نفسه الذي كانت تسعى فيه المؤسسة العسكرية في تعزيز نفوذها بحصانات قانونية رسمية، وبفرض الوصايا العسكرية.

لم تكن المؤسسة العسكرية لتسمح بأي تهديد يمس وجودها ومصالحها المتوغلة في مؤسسات الدولة المصرية، وهو ما أكده الانقلاب العسكري، وأحداث يوليو 2013، بعد الاحتجاجات ضد سياسة محمد مرسي، وعزله من قبل قيادات الجيش، وتعيين عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا للبلاد، ثم عادت المؤسسة العسكرية لسدّة الحكم، برئاسة عبد الفتاح السيسي.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد