في الآونة الأخيرة ظهرت بعض التحليلات التي تؤكد أن ما يشهده العالم العربي اليوم هو بداية النهاية للدولة القومية الحديثة، وقد شهدت بعض الدول بالفعل حالة من سقوط الدولة ومؤسساتها، حتى صارت أشبه بـ “اللا دولة”، فيما تعرضت بنية بعض الدول الأخرى لتهديد صريح بما جعلها تبالغ باستخدام القمع والاستبداد من أجل الحفاظ على وجودها.

وإن كنّا نتحدث عما تتعرض له الدول العربية الحديثة اليوم من تهديد صريح لبنيتها، أو لوجودها، ففي هذا الصدد ينبغي الإشارة إلى أن الدول العربية ليست دولًا قومية حديثة بمعناها العالمي المعروف، بل هي نموذج مشوّه منها، فمنذ بداية الدولة الحديثة في العالم العربي وقد عُرِفت بخلل في بنيتها، يجعلها في دائرة “الفشل” مقارنة بالمعايير العالمية للدولة الحديثة.
فصراع السلطات الحاكمة اليوم إن كان من أجل الحفاظ على بنية الدولة من السقوط، فهو صراع للحفاظ على النموذج المشوّه للدولة.

فما هي الدولة القومية الحديثة؟ وكيف نشأت الدولة العربية؟ وما هي مواطن الخلل في بنيتها؟

1- الدولة العربية الحديثة صناعة الاستعمار

تقسيم المشرق بين المحتلين حسب اتفاقية سايكس بيكو

ثمة تفسيران حول نشأة الدولة الحديثة في العالم العربي، الأول: يرى أن الدولة العربية الحديثة وُجِدَت بفعل القوى الاستعمارية، التي قامت برسم الحدود وصناعة مؤسسات الدولة بعد تجزئتها بما يخدم مصالحها في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا التفسير يُقابل بالرفض ممن يرى أن جذور الدولة الحديثة كانت قبل مرحلة الاستعمار الأوروبي في المنطقة، فهناك ما يقارب خمس عشرة دولة عُرِفت باستقلاليتها مثل: مصر وتونس والجزائر المغرب، وهذا هو التفسير الثاني.

وإن كان هذا التفسير منطقيًا، إلا أنه لا يمكن اعتباره معارِضًا للتفسير الأول، وهو ما جعل بعض المفكرين يرون أن التفسيرين يكمل كل منهما الآخر؛ فاستقلال الدولة ليس المعيار الوحيد لشكل الدولة الحديثة، فكل من الدول التي عُرِفت باستقلالها قبل الاستعمار، أو وُجِدت بعد الاستعمار مثل سوريا والعراق وفلسطين والأردن، قد تعرّضت للاستعمار بشكل أو بآخر، وهو ما أثر بالضرورة على شكل الدولة، نتيجة الخضوع للاستعمار، وسعيه الدائم لتحقيق مصالحه الاستعمارية في المنطقة حتى بعد الاستقلال.

فحتى بعد استقلال بعض الدول العربية مثل: العراق ومصر، أو الدول التي كانت مستقلّة أصلًا مثل اليمن والسعودية، ظل نموذج الدولة العربية الحديثة نموذجًا مشوهًا، لا يستطيع محاكاة النموذج الغربي للدولة الحديثة، فالدول العربية كانت ولم تزل دولًا غير ديمقراطية، ولا تستطيع تمثيل شعبها تمثيلًا حقيقيًا، وبالرغم من ذلك وَجَد نموذج الدولة قبولًا شعبيًا حتى وقت قريب، ففي نظر البعض كانت الدولة تمثل الاستقلال والمناهضة ضد السيطرة الأجنبية، وتحافظ على الدين والقيم، حتى وإن لم ترضِ شعبها بالحد الأدنى المُنتَظرَ، فكانت بالنسبة لهم صورة الخلاص من الاستعمار ومناهضته في الوقت نفسه.

ظلّت الدولة العربية الحديثة في الانحطاط، ولم تستطع الخروج من كونها “عالمًا ثالثًا”، بل أدنى من ذلك مقارنًة بدول أخرى غير عربية من دول العالم الثالث، مثل كوريا وماليزيا، فهي ليست “دولة حديثة” بمعاييرها المعروفة في الغرب، بل “دولة فاشلة”.

وقد أُطلِق عدّة مفاهيم تعبّر عن طبيعة الدولة العربية الحديثة، مثل: دول ما بعد الاستعمار (الكولونيالية)، الدولة الرخوية، الدولة الريعية، الدولة التسلطية، الدولة التابعة، الدولة البيروقراطية… وغير ذلك.


2- الخلل في بنية الدولة العربية الحديثة

يرى مفكرون أن من أهم أسباب الخلل في بينة الدولة الحديثة يرجع للتعارض بين نشأتها الناتجة من الغرب الاستعماري، وثقافة العالم العربي ومعطياته التاريخية والجغرافية والثقافية والاجتماعية، أو للتناقض بين “الشكل” و”المحتوى”.

فعلى سبيل المثال بعض الدول العربية يغلب عليها انتماءات ما، قبلية، طائفية، دينية، وبعضها قد يتعارض مع الدولة القومية الحديثة، وقد أدى لظهور بعض المشكلات مثل مشكلة الاندماج الوطني والإقليمي والاجتماعي داخل الدولة الواحدة، فضلًا عن مشكلات الحدود بين الدول وبعضها، وتدخل الدول في سياسات الدول الأخرى نظرًا للروابط الطائفية أو الدينية لبعض شعبها، مثل مشكلة الأكراد في سوريا والعراق وإيران، والتدخل الإيراني في الدول ذات الوجود الشيعي، وفي دول مثل سوريا والعراق كانت الطائفية هي الحاكمة لا الدولة الحديثة.

يقودنا هذا إلى السبب الثاني للخلل في بنية الدولة العربية الحديثة، وهو تعدد مصادر التشريع، وصعوبة الجمع بينها، في الوقت الذي تكون فيه الانتماءات قبل الدولة، فيما يرى بعض المفكرين أن هناك بعض الانتماءات التي إن تم الاعتماد عليها كمصدر رئيسي للتشريع، ستعارض وبشكل صريح طبيعة الدولة الحديثة.

ساهمت هذه الأسباب في ضعف البناء المؤسسي للدولة، وضعف قدرة استقلالها عن الحكام، فصارت الدولة العربية الحديثة وسيلة لخدمة مصالح الأنظمة الحاكمة، فلم تشهد تداولًا حرًا ديمقراطيًا أو اجتماعيًا للسلطة.

أدّى استبداد السلطات الحاكمة بالحكم في العالم العربي، وصعوبة استقلالها عن الحكام، لوجود أزمة في الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية، وقام الحكام بالسيطرة على مؤسسات الدولة، بدءًا من المؤسسات السيادية كالجيش والأمن والتمثيل الدبلوماسي، أو المؤسسات الإنتاجية كشركات القطاع العام والمشاريع الاقتصادية، والمؤسسات الخدمية كالتعليم والصحة والإسكان والإدرات المحلية، هذا فضلًا عن أزمة العلاقة بالعالم الخارجي، وضعف قدرتها على تحقيق الاندماج السياسي والاجتماعي والتنمية الاقتصادية، فصار الخلل في بينة الدولة العربية خللًا داخليًا وخارجيًا.

هذا فضلًا عن انتشار الفساد، وعجز الدولة عن تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع، وعدم قدرتها على تحقيق الاستقلال الوطني والدفاع عنها نظرًا لضعفها.

ولإحكام قبضة السلطات الحاكمة، وتأكيد تفردها بالحكم؛ منعت الدولة وجود أي تنظيمات قادرة على منافستها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، أو تهدد وجودها، وذلك إما بالقمع، أو بإضعاف هذه التنظيمات والمؤسسات وحتى الأفراد.

بهذا، لم تستطع الدولة العربية الحديثة أن تحقق الحد الأدنى لمقاصد الفرد الكبرى في الحرية والعدالة والمشاركة وتحقيق الاستقرار والأمن، وهي المنوطة بذلك، إلى أن جاءت ثورات الربيع العربي.

3- هل قامت ثورات الربيع العربي ضد “الدولة”؟

 

لا يمكن الجزم بأن ثورات الربيع العربي قامت ضد بنية الدولة العربية الحديثة ذاتها، فقد كانت ثورات عفوية قامت ضد “الخلل” في هذه الدول، بدءًا من الاستبداد والديكتاتورية والتفرّد بالحكم، حتى غياب الحد الأدنى لمقاصد الإنسان الكبرى، وهو ما عبّرت عنه بجدارة هتافات: “عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية“.

هذه الجموع الثائرة العفوية لم تكن تتوقع، بمطالبها الإنسانية؛ أنها تقوم بتهديد بنية الدولة العربية الحديثة بشكل صريح، بل أنها قد تؤدي لسقوط الدولة تمامًا !

كانت الدولة العربية كلّما شعرت بالتهديد، كلّما قامت بنشر وسائل القمع الدموية والسيطرة القهرية، وبالرغم من أنه قبل الربيع العربي لم تشهد الدولة العربية الحديثة تهديدًا صريحًا لبنية الدولة نفسها، ولم يكن كيان الدولة محل جدل، بل كانت انتفاضات قصيرة ومحدودة، أو انقلابات عسكرية، أو انتقالات من نظام حكم لآخر، فقد شهدت حالات من القمع القهري الدموي منذ ثمانينات القرن الماضي في دول مثل سوريا والعراق والجزائر.

وإن كانت غالبية أو كل الدول الحديثة تمارس قدرًا من القهر على شعوبها، في حال شعورها بالتهديد، إلا أن هذه الأنظمة تتمتع بقدر ما من الشرعية يجعلها أقل ميلًا لاستخدام وسائل العنف مع شعوبها، فخطاب الدولة وسياساتها الأمنية أحد أهم وسائل تعزيز الشرعية عند الدول العربية، وهو ما لا يحدث في الدولة العربية الحديثة، فبنيتها والحفاظ على وجودها يتطلبان وجود مفاهيم وأدوات القمع والكبت والقسر والعنف.

وهو ما يفسّر حالة القمع الدموية، والصراعات المستمرة بين الثورة والثورة المضادة، التي شهدناها السنوات الماضية في كل من سوريا والعراق ومصر واليمن وليبيا، وتونس.

4- كيف أثر الربيع العربي على الدول العربية؟

قبل الربيع العربي، واجهت الدولة العربية عدّة تحديات أثرت على استقرارها، لكن كما قلنا سلفًا أنها لم تكن تهدد بنيتها بشكل صريح، إلا في بعض الحالات التي تسببت مشكلاتها الداخلية في تهديد الدولة، مثل ما حدث في السودان وانتهى بالانفصال.
إلا أن موجة الربيع العربي قد أثرت على المنطقة بأكملها، إما بالسقوط الكامل للدولة مثل سوريا والعراق، إما غلبة الطبيعة القبلية على طبيعة الدولة الحاكمة مثل ليبيا واليمن، أو التهديد الصريح لبنية الدولة مثل مصر وتونس، ودول أخرى.

توضح الخريطة الفارق بين حالة استقرار الدول العربية ومدى اقترابها من حالة السقوط، والتهديد الذي تواجهه في عامي 2010 و2012، أي قبل الربيع العربي وبعده.

في سوريا:

تعتبر الدولة السورية أكثر الدول العربية التي شهدت حالة غياب تام للدولة بعد الربيع العربي، نظرًا لما تعرضت له من “دمار”، لا لمؤسسات الدولة فحسب، بل للبنية التحتية والمجتمع السوري نفسه.
لم يعد هناك سلطة مركزية، حيث تقع المحافظات السورية إما تحت سيطرة النظام أو المعارضة أو تنظيم الدولة الإسلامية، وكل منهم يعمل على إحكام قبضته على المناطق التي يسيطر عليها، ويسعى للتمدد والسيطرة على مناطق أخرى.
توصَف المعركة السورية بأنها –حتى الآن- معركة صفرية، تتساوى فيها جميع القوى، هذا فضلًا عن الطبيعة الحرجة للأزمة السورية والتدخلات الخارجية فيها التي انتهت بتدخل قوات التحالف الدولي عسكريًا لمواجهة تنظيم داعش.
عُرِف النظام السوري بكونه نظامًا طائفيًا، كما عُرِف بدمويته واستخدامه للقمع أمام ما يهدد وجوده، وإن كانت الدولة في سوريا نموذجًا مشوهًا للدولة الحديثة، إلا أنه يمكن القول أن المعارك الضارية الأخيرة قد أدت لسقوط الدولة السورية تمامًا.

في العراق:

على خلاف بقية الدول العربية التي شهدت تهديدًا لبنيتها بعد الربيع العربي، فقد شهد العراق سقوط الدولة منذ الغزو الأميركي عام 2003م.
كانت الطبيعة الطائفية هي المسيطرة على الحكم في العراق قبل وبعد الغزو الأميركي، وبعد الغزو الأميركي شهد العراق حالة من الاضطرابات والصراعات الطائفية التي أودت بحياة مئات الآلاف، والتي تصاعدت حدتها بعد الربيع العربي وانتشار الاحتجاجات ضد حكومة نوري المالكي، وسياساته الاستبداية ضد السنة في العراق.
خرجت بعض المناطق عن سيطرة السلطة المركزية في العراق بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام –داعش- عليها، وإعلان الخلافة الإسلامية، ولم تستطع المؤسسة العسكرية أن تواجه تمدد التنظيم إلى داخل الدولة. يشهد العراق حالة غياب تام لمؤسسات البنية التحتية التي تلبي الحد الأدنى من احتياجات المواطن نظرًا لحالة التوتر والصراعات المستمرة.
تعتبر العراق من أكثر الدولة المهددة بالتقسيم، الدولة الكردية التي شهدت استقلالها عن الحكومة العراقية منذ سنوات، والدولة السنية التي يقع بعضها تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، والدولة الشيعية.

في اليمن:

أدت الأحداث الأخيرة في اليمن، وسيطرة الحوثيين على السلطة الحاكمة لوصف ما حدث بأنه “سقوط للدولة”، فقد سيطر الحوثيون على مؤسسات الدولة السيادية، كما أفادت بعض التقارير أنه لم يعد هناك جيش وطني نتيجة ما تعرض له من استنزافات في مواجهة الحوثيين وبعض عناصر القاعدة.
نتيجة لحالة عدم الاستقرار في اليمن، ضعفت قدرتها على تلبية حاجات المجتمع الرئيسية، وأثرت الحالة السياسية على جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والأمنية.

يُذكر ها هنا أن اليمن من أكثر الدول التي واجهت تحديات ومعوقات أمام الدولة اليمنية الحديثة، فعُرِف اليمن بحالة مستمرة من عدم الاستقرار السياسي إلا في فترات تاريخية محددة، فالدولة اليمنية لم تكن دولة مؤسسات بمعناها المعروف، ولم تورث تشريعات وقوانين معتدلة، ولم تستطع التخلص من موروثات العصبية القبلية والتي كانت تمثل أكبر تحدٍ لبناء الدولة الحديثة.

في ليبيا:

منذ سقوط القذافي، تشهد ليبيا حالة من التوتر وعدم الاستقرار ومحاولات الانقلاب والصراعات الدائمة التي جعلت نداءات التحذير من سقوط الدولة أمرًا اعتياديًا بالنسبة لليبيين، بدأت الأزمة في ليبيا تأخذ منحنى تصاعديًا بعد أن قامت الجماعات المسلحة بفرض رأيها على الحكومة وسعيها للتأثير في صناعة القرار، حتى وصلت الأوضاع إلى اقتتال ظهرت فيه تدخلات الدول الأخرى.
ساهم في ذلك طبيعة ثورة ليبيا المسلّحة، فقد اتخذت صورة “حرب أهلية” فضلًا عن تدخلات قوات الناتو.

عُرِفت الدولة الليبية بكونها دولة زعامية، تغيب فيها البنية السياسية التحتية للدولة الحديثة، سواء كانت مؤسسات عسكرية أو سياسية، فقد جعل القذافي المؤسسة العسكرية الليبية أشبه بحالة الميليشيات الشعبية، لأنه كان يؤمن بأن السلاح يجب أن يكون في يد الشعب.
كما أدت الطبيعة القبلية والفئوية والجهوية، على سبيل المثال، في مرحلة من مراحل ما بعد الثورة الليبية إلى ولادة برلمانين وحكومتين، كل منهما يدعي الشرعية.

في مصر:

تعتبر المؤسسة العسكرية “دولة فوق الدولة”، فالمؤسسة العسكرية المصرية تسيطر على الدولة منذ إعلان الجمهورية وسقوط الملكية، وتسعى بصورة دائمة لترسيخ حكمها السلطوي والوقوف أمام ما يهدد مصالحها.
وقد كانت الثورة المصرية من أكبر التهديدات التي واجهت المؤسسة العسكرية في مصر، فبالنظر لحالة القوات المسلحة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وبداية من عام 1991م، قامت المؤسسة العسكرية بالتوغل التام في كل المجالات، بدءًا من مؤسسات الدولة السيادية، إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وصار لها نفوذ سياسي متغلغل حتى بعد سقوط مبارك على كافة المستويات.

وبعد وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر بقيادة محمد مرسي، والذي يعتبر رئيسًا مدنيًا يواجه صلاحيات المؤسسة العسكرية التي تحكم قبضتها على كل ما لها من سلطات، مستخدمة شبكاتها المتغلغلة لإعاقة كل ما يهدد مصالحها، لينتهي الأمر بانقلاب عسكري دموي، عادت فيه مصر مرة أخرى تحت القبضة العسكرية، ودولتها.


المصادر

تحميل المزيد