«من المعروف أن المستعمر لا يحكم ولا يتم له قيادة من يستعمرهم، إلا عندما يجعل من طاعته الواجب ومن قوته الحق ومن سياسته القانون»، وهكذا كان دأب وديدن الاستعمار الأوروبي للمناطق الإفريقية والآسيوية والأمريكية في القرون الثلاثة الأخيرة.

كانت فرنسا بوصفها دولةً استعمارية، أكثر من تطرَّفَ وغالى وبالغ في هذه الممارسات، ويعد المؤرخون سياستها الاستعمارية أحد أسوأ أنواع النماذج المحتلة، وذلك لانتهاجها الإبادة وسيلة إخضاع وبسط للنفوذ، وعندما نتحدث عن الإبادة هنا، لا نقصد بها تلك الإبادة المادية والجسدية عبر تدمير المدن، وتخريب العمران، وتقتيل البشر، بل أكثر من ذلك وتتعداه إلى ممارسة الإبادة الحضارية.

وارتكزت السياسة الاستعمارية على محق وسحق وتغييب كل ما هو معبر عن هوية الشعوب المستعمرة وداع إلى بقاء ثقافتها وامتدادها التاريخي والحضاري، وقد كان احتلالها للجزائر خير معبر وأقوى دليل على ذلك طيلة 132 سنة من الزمن، وقد سنّت وأصدرت لذلك العديد من القوانين التي بقيت شاهدة على سياسة الاستئصال والإبادة الممارسة، التي نحاول من خلال هذا التقرير كشف بعض الجوانب المرعبة منها.

ربط ألقاب الجزائريين بالحيوانات والعاهات

صدر قانون الحالة المدنية في 23 مارس (آذار) 1882، والذي يطلق عليه كذلك تسمية «قانون الألقاب»، ليضع لقبًا لكل فرد بعد أن كان النظام السائد هو النظام الثلاثي عبر تسمية الابن والأب والجد، وقد يصل إلى الخُماسي.

وكان الهدف من هذا الإجراء هو فصل الفرد عن التجمع والقبيلة والنسب، ليسهل بعدها الاستيلاء على ممتلكاته بعيدًا عن حماية القبيلة ومنعة العرش. وبهذا القانون أصبح عدد كبير من الجزائريين معزولين ومبتورين عن أصلهم ونسبهم الحقيقي.

مع هذا التغيير وإمعانًا في إذلال السكان، استُبدلت بكثير من الأسماء ألقابٌ نابية ومشينة ونسبتها إلى العاهات الجسدية كالأعرج أو العاهات العقلية كبن مجنون أو لأدوات الفلاحة كبو منجل أو للحيوانات كبومعزة وبوبقرة وبوبغلة وكلاه النمر، ولا تزال إلى اليوم بعض العائلات الجزائرية تعاني من هذا الإجراء، وتتجول في أروقة المحاكم لتغيير ألقابها ومحاولة استعادة ما قبل الماضي.

قانون الأهالي (الأندجينا) سنة 1871

عرف مصطلح «القابلية للاستعمار» الذي جاء به فكر مالك بن نبي ضجةً حين تم التطرق إليه في أوساط الستينيات من القرن الماضي، على اعتبار أن بعض المثقفين اتهموا الرجل بتبرير الاستعمار الفرنسي من جرائم التخلف التي استوطنت المجتمعات العربية في ذلك الوقت.

ومع ذلك عملت فرنسا في الجزائر على تجسيد قابلية الأهالي الجزائريين للمستوطنين الفرنسيين والأوروبيين على أنهم أسياد الأرض الجزائرية، وجب طاعتهم وخدمتهم، وتقديم ممتلكاتهم إليهم في حال طلبهم ذلك، في أي مكان وزمان كان. وعمم هذا القانون على كافة المستعمرات الفرنسية في إفريقيا وآسيا ابتداء من عام 1889.

جاء قانون الأهالي المعروف بالأنديجينا عام 1871، ونصت بنوده على إظهار الجزائريين الطاعة العمياء للمستوطنين، ومحاولة إذلال الأهالي، وجعلهم خدمًا لدى المستعمرين القادمين من أوروبا في ذلك الوقت، حيث عرفت الجزائر موجات من انتقال الأوروبيين إلى الجزائر، عبر مجموعة من الإعلانات والأمريات الحكومية الأوروبية لتعمير الأراضي المستعمرة.

وكان وراء هذا القانون هدف هو الحد قدر الإمكان من حرية الجزائري، ومراقبته وتكبيل حركته حتى يفسح المجال للمستعمرين من استغلال ثروات البلد. وأقرت الإدارة الفرنسية مثلًا قانونًا فرعيًا في قطاع الزراعة، يهدف إلى تطوير الزراعات الصناعية الاستعمارية، وسعت إلى تلقين الفلاحين الجزائريين طرق ووسائل الفلاحة الاستعمارية، بشريطة أن يكون المردود لصالح المستعمر، أي استغلال أرض غير أرضه بأيادٍ غير أياديه.

وأدى هذا القانون ومختلف الإجراءات الاستعمارية الأخرى، إلى فقدان الجزائريين لـ58% من عدد السكان في إحصائيات (1830 – 1872) أي خلال أربعين سنة من دخول فرنسا إلى الجزائر، وتراجع عدد السكان من 5 ملايين نسمة، إلى أقل من 2.1 مليون نسمة عام 1872.

هكذا تحالف الفرنسي واليهودي على الجزائري

جاء هذا القانون المعروف بـ«كريميو» والذي أصدره وزير العدل اليهودي في حكومة الدفاع الوطني، أدولف كريميو، ليجعل من يهود الجزائر مواطنين فرنسيين لهم كامل حقوق المواطنة، وقد صدر هذا القرار في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1870، وقُصِدَ به التجنيس الجماعي ليهود الجزائر.

ومن المعروف أن اليهود في الجزائر والمغرب العربي بشكل عام، انتقلوا مع المسلمين من إسبانيا، بعد المجازر التي عرفها أهل الأندلس في محاكم التفتيش التي قادتها القوات الإسبانية في ذلك الوقت، وبقي المسلمون الجزائريون، أو «الأهالي»، كما اصطلح على تسميتهم، الوحيدين دون سواهم منعدمي الصلاحيات، ليفصل بين اليهود والمسلمين في إطارٍ قانوني واضح، وتحويل الجزائريين المسلمين إلى فئة العبيد والخدم للمستعمرين الفرنسيين.

وبموجب هذا القانون انضم السكان اليهود إلى «فئة الأسياد» على السكان الأصليين للجزائر، وأصحاب الممتلكات والمعمرين، ويقول المؤرخون إن هذا القرار جاء مكافأةً من الإدارة الفرنسية على التأييد الذي التزمت به الطائفة اليهودية بعد عقود من التواجد الفرنسي، ليصبح من كان بالأمس القريب في نفس المرتبة، فرنسيين مثلهم مثل المستعمرين الأوروبيين، مشاركين في إدارة البلاد والجرائم التي لحقت بالجزائريين المسلمين.

كيف شارك الجزائريون في حروب لا تعنيهم؟

مع بداية الحرب العالمية الأولى تسابقت الدول الاستعمارية والقوى الكبرى في العالم على التسلح، وابتكار الأدوات والوسائل التي بإمكانها خوض حروب على أكثر من جهة، ومن بين الأدوات التي كانت تعتبر هامة في بداية القرن العشرين، هو عدد أفراد الجيوش التي كانت ترعب الخصوم مع أي حرب بين طرفين.

ومن سوء حظ فرنسا الاستعمارية، أنها كانت على الحدود مع دولة استعمارية أخرى، تفوقها عددًا وقوة، وهي الإمبراطورية الألمانية، التي تطورت بشكل سريع في وقت قصير، وعرفت الحدود بينهما عدة حروب ومعارك في أزمنة مختلفة، ولعل فقدان منطقتي الألزاس واللورين، أحد المشاهد التي تعكس ضعف الدولة الفرنسية، باعتبارها كانت تعاني كذلك من نسبة المواليد المتدنية، والذين تعوض بهم خسائرها في الموارد البشرية مع كل حرب قائمة.

https://youtu.be/f3MFpAQE0uQ

ولهذه الأسباب وأخرى، قررت فرنسا في الثالث من فبراير (شباط) من عام 1912 إصدار قانون التجنيد الإجباري، لتطعيم الجيش الفرنسي بالشباب الجزائري، ولم تتوقف عند هذا الأمر، بل حولت أراضيهم ومواردها لصالح الفرنسيين في الأراضي الفرنسية، وسنت الإدارة الاستعمارية هذا القانون ليجبر الجزائريين على الانخراط في الجيش الفرنسي، والمشاركة بالنيابة عن الفرنسيين في حروبهم الاستعمارية فكانوا المستعمَرين الذين يساهمون في استعمار غيرهم لحساب من يستعمرهم.

وتواصلت مشاركة الشباب الجزائري في الحرب العالمية الثانية، بعد أن فقد عشرات الآلاف منهم في الحرب العالمية الأولى، لتكافئ فرنسا الأهالي الجزائريين بمجزرة في يوم واحد، فاق عدد الضحايا 45 ألفًا كما وثقت الصحف الدولية هذه الحادثة، يوم الثامن من مايو (أيار) 1945.

حظر اللغة العربية

في الثامن من مارس (آذار) 1938، أعلنت الإدارة الفرنسية عن قانون حظر استعمال وتعليم اللغة العربية، وجاء هذا القانون بعد سنوات قليلة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، والوعي الجماهيري الذي صاحب السنوات التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى، كما أشارت إحصائيات لوجود 55% من الجزائريين القادرين على الكتابة.

وركزت فرنسا منذ القرن الذي قامت فيه باحتلال الجزائر، على السياسة التعليمية في البلاد، حيث قامت في 14 يوليو (تموز) 1850 بتأسيس مدارس فرنسية علمانية، مع الإبقاء على المدارس الإسلامية العربية، والتي خضعت للتوجيه الحكومي المباشر أو ما يعرف بالفرنسية في ذلك الوقت «les medersas».

إلا أنه مع الحراك السياسي الذي عرفته الأحزاب والشخصيات الوطنية، وفي مقدمتها جمعية العلماء المسلمين، التي توجهت إلى العمل التربوي والتعليمي بالأساس، قررت فرنسا العمل على اجتثاث واستئصال لغة الجزائريين، عبر قانون المنع والحظر، وجعل اللغة الفرنسية لغةً رسميةً وحيدةً للدولة.

وأصدر رئيس وزراء فرنسا، «كاميي شوطون – Camille Chautemps»، بذلك قانونًا يحظر استعمال اللغة العربية ويعتبرها لغة أجنبية، ويمنع المدارس وخاصة تلك التي تملكها جمعية العلماء المسلمين من مزاولة نشاطها إلا برخصة، وفي الوقت ذاته امتنعت عن إصدار الرخص رغم الطلبات الهائلة والكثيرة لها.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد