ما كاد يصدق الليبيون بسقوط نظام القدافي، الذي كان لا يتورع عن وصف شعبه بـ "الجرذان"، حتى وجدوا أنفسهم في مستنقع حرب أهلية مستعرة

ما كاد يصدق الليبيون بسقوط نظام القدافي، الذي كان لا يتورع عن وصف شعبه بـ “الجرذان”، حتى وجدوا أنفسهم في مستنقع حرب أهلية مستعرة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت طلقات الرشاشات المتبادلة بين الفرقاء الليبيين الأعداء، الذين كانوا في يوم ما يقاتلون في خندق واحد من أجل الإطاحة بصاحب الكتاب الأخضر.

وطوال خمس سنوات، بذلت جهود إقليمية ودولية حثيثة بهدف التوصل إلى خارطة طريق متوافق عليها تقي البلاد شبح سيناريو “الصوملة”، فعقدت مفاوضات ماراثونية تحت الرعاية الأممية في كل من المغرب والجزائر ومصر وجنيف، بيد أنه لم يثمر كل ذلك حلا سياسيا ينهي الأزمة الليبية.

وفي بادرة أمل جديدة أعلن عن اتفاق مبدئي بين فرقاء ليبيين بتونس بشكل مفاجئ، استقبله البعض بترحاب، بينما واجهته تحفظات من أطراف محلية ودولية، فما مدى فرص نجاح هذا الاتفاق إذن؟

ما طبيعة هذا الاتفاق؟

بدون سابق إنذار، تم إعلان اتفاق مبدئي الأحد 6 ديسمبر 2015 بتونس، بين مجلس النواب الليبي المتمركز في طبرق والمؤتمر الوطني العام المسيطر على طرابلس، تمهيدًا للخروج من دوامة الحرب الأهلية التي تمزق ليبيا.

يومان فقط من المحادثات المباشرة بين الإخوة الأعداء، كانت مدة كافية لفرز هذا الاتفاق الليبي، حيث أجريت المفاوضات تحت إشراف تونسي وفي سرية تامة بعيدًا عن كاميرات الإعلام كما حدث في باقي المبادرات.

وينص الاتفاق الموقع بين رئيس وفد مجلس النواب إبراهيم فتحي عميش، ورئيس وفد المؤتمر الوطني العام عوض محمد عبد الصادق على ثلاث نقاط كمخرج للمأزق الليبي، الأولى تحث على العودة والاحتكام للشرعية الدستورية المتمثلة في الدستور الليبي السابق (الملكي) والعمل به لمدة عامين من أجل فض نزاع السلطة التشريعية بين حكومة طرابلس الإسلامية وحكومة طبرق المدنية.

أما النقطة الثانية فتهم تشكيل حكومة وفاق وطني في ظرف أسبوعين، بحيث تضم عشرة أعضاء مقسمين بالتساوي بين المؤتمر العام ومجلس النواب، مهمتهم فرز رئيس حكومة انتقالية متوافق عليه ونائبين له، سيعمل الأخير على تهيئة الظروف لإقامة انتخابات تشريعية في مدة لا تتجاوز سنتين.

و أخيرا النقطة الثالثة تفيد بتشكيل لجنة من عشرة أعضاء مقسمين بالتساوي بين برلمان طبرق والمؤتمر الوطني العام، يعملون على تنقيح الدستور وحل النزاع التشريعي بما يتوافق وطبيعة المرحلة الخاصة.

و قد عبر الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عن دعمه للاتفاق المبدئي الذي احتضنته بلاده كحل لتسوية خلافات الفرقاء الليبيين، كما رحبت منظمة التعاون الإسلامي، بيد أنه لم يلق قبولا لدى الجميع.

ما هي التحفظات التي واجهت الاتفاق؟

تشير التصريحات المبدئية إلى أن الاتفاق المبدئي المعلن عنه في تونس، لم يتم بالتشاور مع جميع الأطراف الداخلية، كما أنه تم بعيدًا عن مظلة الأمم المتحدة، فقد أعلن نائب رئيس مجلس النواب بطبرق محمد عيل شعيب رفض أعضاء البرلمان الاتفاق الليبي الأخير المبرم في العاصمة تونس، ووصفه بـ”غير الأخلاقي وغير القانوني”، معتبرا إياه “تصرفات شخصية” من قبل من مثلوه.

أما بالنسبة للأمم المتحدة فلم تولي اهتماما مرحِّبا بالاتفاق، إذ أعلن مبعوثها الخاص الألماني مارتن كوبلر الذي تسلم مهامه في نوفمبر/تشرين الثاني خلفا لبرنارد ليون، أن الاتفاق الذي ترعاه بعثته “هو الطريق الوحيد للمضي قدما نحو السلام والوحدة”.

المتحدثة باسم خارجية الاتحاد الأوروبي


من جانبها كاترين ري المتحدثة باسم خارجية الاتحاد الأوروبي شددت على أن أي اتفاق بين الفرقاء الليبيين يجب أن يكون شاملاً ويقر بالدور الإيجابي للمنظمات الإقليمية والمجتمع الدولي، ونفس الشأن مع السفير الأمريكي الذي قال إن بلاده تدعم الاتفاق السياسي الليبي بتسهيل من الأمم المتحدة.

ويبدو أن الاتفاق الليبي الجديد لم يحظ بترحيب بعض القوى الإقليمية أيضا، وهو ما أشار إليه الناطق الرسمي باسم الحكومة المصرية أحمد أبو زيد في تصريح له، دعا فيه إلى “بذل المزيد من الجهود من أجل التوصل إلى التوافق المطلوب بشأن اتفاق سياسي، يحظى بدعم جميع القوى السياسية والمناطق الجغرافية في ليبيا”.

عراقيل ستواجه أي اتفاق ليبي

إضافة إلى غياب ما يكفي من الترحيب الدولي بالاتفاق، تتهدد ليبيا مخاطر السقوط في بئر الدول الفاشلة التي لا ينفك منها شبح الحروب الأهلية، وحتى لو تمكن الفرقاء الليبيون من الوصول بطريقة ما إلى اتفاق يثمر حكومة وفاق وطني، فستجد هذه الأخيرة، إذا ما تمت، أمامها ثلاثة عراقيل أساسية قد تهدد وجودها.

أول هذه الأخطار تهديدات الجماعات “المتطرفة” بنسف أي اتفاق يخص ليبيا، إذ أن تنظيم داعش يسيطر على سرت ويتوسع شيئا فشيئا، بالإضافة إلى أن هناك جماعات أخرى، كأنصار الشريعة المتمركزة في بنغازي والجماعة الإسلامية المقاتلة، بالتأكيد لن تستطيع أي حكومة ليبية أن تفرض أي اتفاق سياسي حول هذه الجماعات.

تواجه ليبيا أيضًا عقب أي اتفاق مشكلة نزع الأسلحة، فقد أدى الفلتان الأمني المطلق بعد انهيار نظام القذافي إلى انتشار السلاح بين أيدي المواطنين والمليشيات المتعددة، مما قد يشكل تهديدًا أمنيًّا لاستقرار ليبيا، ومهمة تطهير المجتمع من السلاح وتركيزه في يد السلطة ليست بالأمر السهل لدولة بالكاد تخرج من حرب أهلية.

أما العائق الثالث الذي قد يقف حائلا دون الوصول إلى أي اتفاق تام بين الفرقاء الليبيين، فيتجسد في الأجندات العربية والدولية التي تحاول تغليب كفة الجهات الموالية لها، وهي نفسها التي تعمل كما تفيد تقارير إعلامية على مد فرقائها بالسلاح والمال في غفلة من الرقابة الأممية على ليبيا.

وحاليا تتجه الأنظار إلى روما الإيطالية، حيث سيعقد في 13 من ديسمبر الجاري الاجتماع الدولي حول الأزمة الليبية، للوصول إلى خارطة طريق تكفل للفرقاء الليبيين الوصول إلى اتفاق ينهي حالة الانقسام والاقتتال، بالاستناد إلى مخرجات حوار الصخيرات المغربية، في انتظار ما يمكن أن يسفر عنه من نتائج.


عرض التعليقات
تحميل المزيد