في مشهدٍ يليق أكثر بأفلام الأنمي اليابانية التي تتناول قصص العوالم السفلية والسحر الأسود، نظر الحشد المشدوه إلى أعلى بعيونٍ مسحورةٍ، نحو بدرٍ خرافي يخطفُ الأبصار والعقول في قلب السماء، لكن لماذا يكاد سنا هذا البدر يذهب بالألباب؟ ببساطة لأنه لم يكن البدر المعتاد في السماء في منتصف الشهر، إنما كانت سماء تلك الليلة بها بدران!

وبإزاء هذا الحشد من الأتباع المسحورين، وقف الرجل منتصبًا على تبةٍ مرتفعةٍ، وفي أجواءٍ سينمائية بامتياز، انعكست الأضواء الخافتة على قناعه الذهبي الذي يُداري به وجهَه، والذي يُعطيه نوعًا من الكاريزما الخاصة التي تفعل فعلَها في قلوب أعدائه قبلَ أنصاره.

فقد كان إظهار بدر في السماء معجزة خارقة اشتُهر بها المُقنَّع الخراساني، والذي عُرف عنه إتقانٍ فنون السحر والخداع والتأثير، والقدرة البارزة على حشد الأتباع. ويذكرُ المؤرِّخون أنَّ بدرَ المُقنَّعِ الذي أظهره لأتباعه في السماء رآه المسافرون من مسافاتٍ بعيدة عن «قلعة المقنع».

أَفِــقْ إِنَّــمَــا الْــبَــدْرُ الْــمُــقَــنَّــعُ رَأْسُــهُ …… ضَــلَالٌ وَغَــيٌّ مِــثْــلُ بَــدْرِ الْــمُــقَــنَّــعِ

أبو العلاء المعري يستخدم البدر الذي أظهره المقنَّع لأتباعه في صورةٍ شعرية بأحد أبياته، بعد قرونٍ من حياة المقنَّع الخراساني.

ظهور المقنَّع الخراساني.. سد فراغ أسطورة

«وَرَبطَ النَّاسَ بِالخَوَارِقِ وَالأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَالإِخبَارِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّبَاتِ، حَتَّى ضَلَّ بِهِ خَلاَئِقُ مِنَ الصُّمِّ وَالبُكْمِ»*الحافظ الذهبي يصف أتباع المقنَّع الخراساني بالصم والبكم في كتابه «سير أعلام النبلاء»

تحتلُّ فكرة «المهدوية» مساحةً لا يُستهان بها في تاريخ الأمة الإسلامية، وتوجد بدرجاتٍ متفاوتة لدى معظم الفرق والمذاهب المنتسبة للإسلام بشتَّى تنويعاتها، ولدى العديد من الشعوب والثقافات غير الإسلامية، ويختلط بها فكرة عاطفية جامحة عن خلود الأبطال والشخصيات الاستثنائية، وأنَّهم سيعودون في آخر الزمان للانتقام من الأعداء، ولملء الكونَ بالعدل بعد محو مظالم الخصوم.

وكان لشخصية القائد الفارسي الشهير أبي مسلم الخراساني، والذي قاد الثورة العباسية ميدانيًّا ضد الأمويين حتى سحق دولتهم عام 132هـ، أثرٌ كبير في وجدان مئات الآلاف من الفرس الذي عاصروا صعود نجمه العسكري والسياسي إلى عنان السماء، بعد أن كان خادمًا ذليل الشأن.

إذ رأى الفرس فيه تجديدًا لعصر الأكاسرة العظام، وانتصافًا لهم من الأمويين الذين اضطهدوهم لعقود، ولذا كانت الصدمة مضاعفة عندما هوى نجمه من حالق، بعد تخلص الخليفة العباسي الداهية أبو جعفر المنصور منه بقتله غدرًا بعد أن طغى نفوذه وسلطانه على سلطان الخليفة نفسه.

لم يصدق الكثير من الفرس من الجيل الذي عاصر تلك النهاية المؤلمة، والذي تلاه، أن قصة أبي مسلم قد انتهت، فأحيوه في عالم الأسطورة، وجعلوه رمزًا متجددًا لا يفنى، وقد أجاد «المقنَّع الخراساني» استغلال تلك الهالة النفسية والوجدانية حول شخص أبي مسلم الخراساني ليحظى بتأييد الآلاف، لاسيَّما من الفرس.

اسمه على أرجح الروايات عطاء، وذهب بعض المؤرخين إلى أن اسمه كان هاشم بن حكيم، وكان في بداية حياته شابًا مغمورًا، يعمل في مهنة صبغ الملابس والأقمشة في إحدى قرى منطقة مرو الواقعة في أراضي دولة تركمانستان الحالية، لكنه كان حاد الذكاء، وكثير الاطلاع، لاسيَّما على كتب السحر والشعوذة والنبوءات وتواريخ الأمم والملاحم، فأخذ يلفت الأنظار شيئًا فشيئًا بنبوغه في تلك الموضوعات التي كانت تثير فضول الكثيرين ورهبتهم.

موقع منطقة مرو في دولة تركمانستان الحالية

«وَهُوَ رجل سَاحر خيل للنَّاس صُورَة قمر يطلع وَيَرَاهُ النَّاس من مَسَافَة شَهْرَيْن وَكَانَ مُشَوه الصُّورَة أَعور قَصِيرًا فَاتخذ وَجهًا من ذهب وتقنع بِهِ فَسُمي الْمقنع وَادّعى مَعَ ذَلِك الربوبية»*القلقشندي متحدثًا عن المقنَّع الخراساني في كتابه «مآثر الإنافة في معالم الخلافة»

في أحد أيام عام 161هـ جهر بدعوته الغريبة، التي ادعى فيها الربوبية وفق عقيدة التناسخ التي كان يؤمن بها العديد من الشعوب الآسيوية القديمة، وذكرت مصادر أخرى أن ذلك حدث عام 159هـ، فقد شرح لأتباعه أن «الله قد حَّل في آدم أبي البشر، ولذا سجدت له الملائكة، ثم انتقل من آدم إلى نوح عليهما السلام، ثم إلى الأنبياء وكبار الحكماء واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى أبي مسلم الخراساني» وفق ما روج في ذلك الزمان.

وكان المقنَّع الخراساني يمجَّد أبا مسلم كثيرًا، حتى كان يعده أفضل من النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ثم انتهت رحلة الحلول أخيرًا إلى «المقنَّع الخراساني» نفسه وفق معتقده، بل أصبح في أعين مؤيديه «ربًّا»، فكانوا يستنصرون باسمه في المعارك، ويدعونه أن يمنحهم النصر، وفق معتقدهم.

وهكذا التفَّ حول المقنَّع الخراساني الآلاف من الفرس، وقد أخذ بألبابهم بألاعيبه السحرية المتميزة مثل واقعة البدر المشهورة، والتي لا يُعرف حتى اليوم كيف فعلها، وأعلن التمرد في خراسان (تتقاسمها إيران وأفغانستان وتركمانستان الحالية) ضد الدولة العباسية، وبدأت ثورته تتفاقم، وتنتشر شيئًا فشيئًا في الأقاليم الفارسية، ووصله بعض الدعم من القبائل التركية الوثنية التي كانت في حربٍ مع العباسيين، فأخذت حكومة بغداد تجهز الجيوش لقمع ثورته وللقضاء عليه.

أما قصة القناع، فقد ادعى أنه يرتديه لأن العيون لا تتحمل النظر إلى النور المُشع من وجهه، لكن السبب في حقيقة الأمر كان إضفاء الغموض والكاريزما التي كان يفتقدها، فقد كان قصيرًا أعورَ دميم الوجه كما يذكر المؤرخ الشهير ابن كثير الدمشقي، ووافقه في كيل تلك الأوصاف إلى المقنَّع الخراساني العديد من المؤرخين السابقين واللاحقين، مثل خليل بن أيبك الصفدي في موسوعته «الوافي بالوفيات». 

وكان له في البداية سيطرة هائلة على عقول أتباعه وقلوبهم، فحاربوا معه بشراسة ضد القوات العباسية المحلية، وضد طلائع القوات التي أًُرسِلت لقمع ثورته، مما رفع أسهمه كثيرًا، وأقبل عليه المزيد من الأتباع، واستفحل شأنه أكثر، ورأت فيه خلافة بغداد خطرًا متفاقمًا لا بد من جعل القضاء عليه أولوية أمنيَّةً عاجلة.

ويبدو أنَّه لم يكن على دراية كافية بفنون الحرب مثل درايته بالسحر، فعجز عن مواصلة التمدد والانتصارات، وسرعان ما انتقل من حالة الهجوم إلى الدفاع، وضاق عليه وعلى دعوته الخناق عسكريًّا وسياسيًّا شيئًا فشيئًا.

مشهد النهاية الصادم.. انتحار وتسميم للأسرة

«وَلَمَّا اسْتفحَلَ البَلاَءُ بِهَذَا الخَبِيْثِ، تَجَهَّزَ الجَيْشُ إِلَى حَرْبِه، وَحَاصَرُوْهُ فِي قَلْعَتِهِ بِطَرَفِ خُرَاسَانَ»*الحافظ الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء»

كما خطف المقنَّع الخراساني الأَضواء إبان صعوده بأفكاره وخطبه وسحره وشعبذته وتحديه للسلطات العباسية، فإنه أصرَّ أن يكون مشهد النهاية لحياته ولثورته الغريبة أكثر إبهارًا، فعندما ألحت الجيوش العباسية في مطاردته والتضييق عليه، ومنع وصول المال والرجال والأسلحة إليه، لجأ إلى آخر معاقله، قلعة «كش»، شمالي إيران الحالية على مقربةٍ من بحر قزوين، وهناك فرض عليه الجيش العباسي حصارًا خانقًا استمرَّ أشهرًا طويلة نظرًا إلى مناعة القلعة بين الجبال، وقالت بعض المصادر إن الحصار وصل إلى عاميْن كامليْن.

موقع قلعة منطقة كش التي شهدت مشهد النهاية للمقنع الخراساني

وعندما نفدت المؤن والذخائر في القلعة، وأصبح سقوط المقنَّع الخراساني مسألة وقت، لاسيَّما وقد تفرَّق عنه معظم أتباعه، قرَّر ألا يظفر به أعداؤه حيَّا، فتعاطى السم، بعد أن أعطى نساءه جميعًا ومن بقي معه من أهله وخاصته السم، فلما اقتحمت القوات العباسية القلعة، وجدتهم جثثًا هامدة، فقطعوا رأس جثته وأرسلوها إلى الخليفة العباسي المهدي لتكون علامةً قاطعة على النصر الحاسم ضد العدو الذي أرهقهم لثلاث سنوات، وتلاعب بعقول آلافٍ مؤلفة من البشر وقلوبهم وعقائدهم، أما من وقع في الأسر من أتباعه وداعميه، فقد ضُربت أعناقهم جميعًا.

وبعد القضاء على تلك الثورة المؤرقة، واطمئنانه إلى عودة الاستقرار الداخلي، حشد المهدي العباسي جيوشه، وشنَّ غزواتٍ قوية ضد الدولة البيزنطية التي كانت تمثل آنذاك الخصم الخارجي الأبرز لدولة الخلافة العباسية.

ما بعد النهاية.. الزندقة باقية 

لم تنتهِ الحركات الثورية الموسومة بالزندقة بمصرع «المقنَّع الخراساني»، فقد شهدت خراسان بعد عقود ثورة أشدَّ عنفًا اختلط فيها الأبعاد العقائدية بالسياسية بالعنصرية هي ثورة «بابك الخُرَّمي» التي قمعها بصعوبةٍ بالغة الخليفة العباسي المعتصم بالله العباسي في العقد الثالث من القرن الثالث الهجري.

وعلى الرغم من هزيمتها الساحقة، وسرعة محوها من ساحة الفعل السياسي والحربي، فإن ثورة المقنَّع الخراساني تركت آثارًا نفسيةً وثقافية بعيدة المدى في تلك البلاد، وإن كان الكثير منها أثارًا رمزية وشكلية، فمثلًا في القرن السادس الهجري – بعد أكثر من أربعة قرونٍ من مقتل المُقنَّع – استخدم ابن سناء المُلك، أحد أبرز شعراء الدولة الأيوبية، قصة البدر الذي أظهره المقنَّع في السماء، في صورةٍ شعرية يُعبِّر بها عن مدى سحر وجمال عيون حبيبته، التي فاقت سحر بدر المقنَّع:

إِلَيْكَ فَمَا بَدْرُ المُقَنَّعِ طَالِعًا … بِأَسْحَرَ مِنْ أَلْحَاظِ بَدْرِي المُعَمَّمِ

كما أشاد بـ«المقنع الخراساني» الموصوم بالإلحاد في العصر العباسي، ابن الرواندي، والذي كان أيضًا من أصولٍ فارسية، ويُذكَر أيضًا أن حمزة بن علي، الداعية الشيعي الإسماعيلي المعروف، الذي يُنسَب إليه تأسيس المذهب الدرزي مطلع القرن الخامس الهجري، قد تقاطعت أفكاره مع الكثير من أفكار المقنَّع الخراساني.

تاريخ وفلسفة

منذ 4 سنوات
أبو مسلم الخراساني.. الخادم الفارسي الذي أقام دولةً فقتلته!

المصادر

تحميل المزيد