جاء خطاب العرش ليؤكد فعلًا ما راج على صفحات الإعلام حول توتر العلاقة بين القصر، ورئيس الحكومة.

لطالما يختزل رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران علاقته بالعاهل المغربي محمد السادس، بالقول عن نفسه إنه مجرد «موظف في حكومة الملك»، في إشارة منه إلى أن القصر هو من يحكم المغرب، وأنه يسعى جاهدًا لنيل رضاه.

وللوهلة الأولى يظهر من خلال طريقة تصرف عبد الإله بنكيران، مع الملك محمد السادس، بأنه لا يشكل أي تهديد لنفوذ المؤسسة الملكية، إلا أن اللعبة السياسية في المغرب، بعناصرها الغامضة وقواعدها المبطنة، تخبئ صورة أخرى لطبيعة علاقة الحكومة الحالية بالقصر.

غضبة الملك

في منتصف يوليو (تموز) الماضي، نشرت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، المعروفة بقربها من دوائر القرار في المغرب، خبرًا في نسختها الورقية، تقول فيه عن مصدر مقرب من القصر إن الملك محمد السادس غاضب من رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، مضيفة بأن عبد الإله بنكيران يتلفظ بتصريحات غير مسؤولة، عندما يروج إلى وجود دولتين، الأولى رسمية يحكمها الملك، وأخرى متوارية بيد ما يصفه بـ«التحكم».


ثم جاء خطاب العرش ليؤكد فعلًا ما راج على صفحات الإعلام، حول توتر العلاقة بين القصر ورئيس الحكومة، من خلال الرسائل السياسية التي حملها الخطاب الملكي، الموجهة بالأساس، كما فهم العديد من المحللين، إلى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، وحزبه العدالة والتنمية.

كان من بين ما أشار إليه الملك محمد السادس، هو تذكيره الأحزاب السياسية بكونه «الساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي»، كنوع من التنبيه بعدم توظيف شخصه في الصراعات الانتخابية والخصومات السياسية، وهو بمثابة رد غير مباشر على تصريحات عبد الإله بنكيران، التي يقول فيها إن الملك في صفه.

وقال أيضًا الملك محمد السادس في خطابه: «الحكومة مسؤولة عن ضمان نزاهة الانتخابات، وعدم القيام بواجبها هو نوع من أنواع الفساد»، فيما بدا وكأنه رد ضمني على تصريحات بنكيران الإعلامية، التي هدد فيها بالنزول إلى الشارع، في حال وقع تزوير في الانتخابات القادمة.

وردًّا على الحديث الإعلامي المتناقل حول غضبة الملك، اعتبر بنكيران بأن هناك جهات تحاول الوقيعة بينه وبين الملك، مضيفًا: «إذا كان الملك غاضب وطلب مني المغادرة، سأغادر الحكومة فورًا».

هل ينافس بنكيران الملك في شعبيته؟

تحظى المؤسسة الملكية في المغرب بسلطة دستورية قوية، حيث يُعّرف الملك دستوريًّا بأنه: «رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية»، وهو قبل ذلك «أمير المؤمنين وحامي الملة والدين»، مثلما تقر بذلك المادة 41 و42 من الدستور المغربي لعام 2011.

كما تحظى الملكية في المغرب بشعبية جارفة، ومكانة خاصة في المجتمع المغربي، ولا سيما في قلوب الفقراء، وسكان القرى والبوادي، حيث يعتبر الملك «صمام أمان الدولة» بالنسبة لكثير من المغاربة، ويكاد يُجمع عليها كمصدر متفرد، ورئيس للوحدة واستقرار البلاد.

بالمقابل، تمثل الأحزاب وقياداتها، في المخيلة المغربية، رمزًا للفساد ولنهب الأموال، والوصول إلى المناصب كهدف أسمى، وتوظيف الأبناء والأقارب، كما تعد مصدرًا «للفرجة والتهريج»، وسواء كان ذلك صحيحًا، أو في إطار مسعى ملكي دائم لتشويه أي حكومة، وتوجيه اللوم لها، وتصدير الديوان الملكي المغربي في صورة «البطل الشعبي»، أو مزيجًا من الأمرين، فكل ذلك لا يعطي أي حكومة أي فرصة لمنافسة شعبية المؤسسة الملكية.

لكن تزامن الربيع العربي وانتشار الإعلام الجديد، مع مجيء عبد الإله بنكيران، وتصريحاته الإعلامية المثيرة للجدل، كل ذلك ساهم في جذب اهتمام طائفة واسعة من المجتمع المغربي، لمتابعة معترك السياسة، الأمر الذي لم يحدث في أي فترة سابقة، وكان نتيجته رئيس حكومة ينافس شعبية الملك، خصوصًا خلال السنوات الأولى من ولايته، وهو ربما ما لم يكن ليخطر ببال مهندسي المنظومة السياسية بالمغرب.

وعلى الرغم من أن ترديد رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، بأنه «مجرد موظف لدى حكومة الملك، يقوم بما يأمر به»، هو اعتراف تام بسلطة المؤسسة الملكية، إلا أن هذا الأسلوب الذي ينهجه عبد الإله بنكيران، في التعامل مع القصر، ليس بتلك «السذاجة» أو «المهادنة» كما يبدو، إذ يظهر، كما تذكر فورين أفيرز في تقرير لها، عدم رغبة بنكيران لعب دور كبش الفداء، لتحمل الفشل السياسي وحده، ويُظهر ذلك بأن المسؤول الأول هو القصر، ويعرض الملكية بطريقة غير مباشرة للمساءلة العامة، عما يحدث في البلاد، أمام الرأي العام، الشيء الذي كسر الحاجز الذي يفصل الملك عن الشعب، كونه الحاكم الفعلي للبلاد، لكن حكمه دائمًا من أعلى أو من الظل.

هل انتهى دور بنكيران؟

يضع معظم المحللين غضبة الملك، تجاه رئيس الحكومة، كإيذان بانتهاء مرحلة حكومة الإسلاميين، وبأن الانتخابات المقبلة ستأتي بوجوه سياسية جديدة، خصوصًا بعدما بدا القصر خلال خطاب العرش «غير مطمئن» للممارسة السياسة لبنكيران، وقد يعني نفاذ ثقة الملك في الإسلاميين.

في هذا السياق، اعتبر الكاتب السياسي خالد الجامعي، منذ 2012، أن الديوان الملكي سمح لحزب العدالة والتنمية بالصعود إلى السلطة، من أجل تجاوز مرحلة الحراك المغربي، وتمرير القرارات الاقتصادية الصعبة، وسيُلقَى جانبًا بعد انتهاء مهمته. ويبدو أن ذلك ما يحدث اليوم بالفعل، حيث تآكلت شعبية حزب العدالة والتنمية بشدة، بعد جرأة رئيس الحكومة على اتخاذ قرارات اقتصادية قاسية، أثرت في معيشة الطبقات الشعبية.

من جهة أخرى، تتجه الأنظار في المرحة المقبلة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الموصوف بأنه مقرب من دوائر القصر، والبادي عزمه من خلال الحملات الإعلامية والسياسية على تحقيق المرتبة الأولى، في الانتخابات التشريعية القادمة، التي وصفها بـ «المصيرية للوطن والحزب معًا».

من جانب ثالث، تقهقرت حظوظ حزب العدالة والتنمية في قيادة التجربة الحكومية المقبلة، بعد تراجع الدعم الشعبي إثر السياسات الاقتصادية المضرة بالفئات الشعبية، واستمرار البطالة والأوضاع المزرية في مجال التعليم والصحة، ثم لانخفاض ثقة القصر في الحزب الإسلامي، وما لذلك من آثار فعلية على الأرض.

وكما يقول الباحث عبد النبي كياس، تبقى الأحزاب بمختلف مشاربها في المغرب، مجرد تجمعات سياسية تؤثث المشهد السياسي المغربي، يتم استعمال كل واحد منها في السلطة حسب الحاجة، لإدامة سيرورة النظام السياسي في المغرب، المتمحور حول القصر.

وصل حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران السلطة نهاية 2011، على إثر انتخابات مبكرة، نظمت كاستجابة سريعة من قبل الدولة على مظاهرات حركة عشرين فبراير إبان الثورات العربية، ليشارك الإسلاميون القصر الحكم لأول مرة في تاريخ المغرب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد