عاد المغرب إلى مظلة الاتحاد الإفريقي، بعدما صادقت القمة الإفريقية المنعقدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا على الأمر، في 30 يناير (كانون الثاني) المنصرم، لتصبح المملكة المغربية عضوًا رسميًا في هذه المنظمة الإفريقية بعد 33 سنة من الغياب.

وجاءت هذه العودة عقب جلسة نقاش بين الدول الأعضاء الإفريقية، شهدت شدًا وجذبًا، وانتهت بالموافقة على قبول طلب المغرب الرجوع إلى مقعده الشاغر، بتأييد 39 دولة من أصل 54، وهو ما يلبي نصاب ميثاق الاتحاد الإفريقي، الذي يشترط أن تحصل الدولة الطالبة للعضوية في الاتحاد على تأييد ثلثي الأعضاء.

وكانت المملكة المغربية قد تخلت عن كرسيها داخل الاتحاد الإفريقي منذ عام 1984، عقب اعتراف المنظمة الإفريقية بـ«الصحراء» دولةً مستقلةً، وهو ما اعتبره المغرب انتهاكًا لسيادته الوطنية، وخروجًا عن الدور الإفريقي المرسوم لمنظمة الاتحاد الإفريقي.

ما أثر هذه العودة على قضية الصحراء؟

استقبلت الدبلوماسية المغربية قبول طلب عضوية المغرب بالاتحاد الإفريقي، بطعم الانتصار، مرددين النشيد الوطني للبلاد، غير أن جبهة البوليساريو هي الأخرى اعتبرت هذا الأمر انتصارًا سياسيًا، إذ صرّح وزير ما يسمى بـ«الجمهورية الصحراوية»، محمد سالم ولد السالك، حول عودة المغرب إلى المنظمة الإفريقية قائلًا: «إن المغرب غادر الاتحاد بسبب عضوية الجمهورية الصحراوية، ويعود ليجلس مع الجمهورية الصحراوية في الاتحاد».

ففي حين يرى البعض أن المغرب نجح في اختراق مواقف عدد كبير من البلدان الإفريقية الموالية للبوليساريو، بفضل سياسة الانفتاح والبراغماتية القائمة على الزيارات الملكية الميدانية الحافلة بالشركات الاقتصادية والأمنية والدينية، ينظر آخرون إلى أن عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي بأنها تعني ضمنيًّا الاعتراف بجبهة البوليساريو طرفًا سياسيًّا.

وشكل حضور الملك محمد السادس، عقب عضوية المغرب بالاتحاد الإفريقي، لحظة فارقة، إذ لأول مرة يتواجد العاهل المغربي بنفس القاعة مع زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وهو ما لم يسبق أن حدث منذ اندلاع النزاع سنة 1975.

ما يَفهم منه بعض المراقبين أن قضية الصحراء في طريقها للحسم، بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، الذي سيكون مجبرًا على التطبيع مع قوانين النظام الأساسي للاتحاد الإفريقي، التي تحث على احترام سيادة الدول المستقلة وحدودها، وتمنع إقصاء عضو من الأعضاء من المنظمة الإفريقية، وهو ما سينعكس على مواقف الدبلوماسية المغربية إزاء الصحراء، باعتبار أن ما يسمى بـ«الجمهورية الصحراوية» هي عضو كامل العضوية في الاتحاد الإفريقي.

لكن من جهة أخرى، يذهب قسم من المحللين إلى أن عودة المغرب إلى المنظمة الإفريقية هو بداية معارك دبلوماسية جديدة، يهدف فيها المغرب إلى سحب بساط الشرعية من جبهة البوليساريو من داخل منظمة الاتحاد الإفريقي. وكان الملك المغربي قد صرح في رسالته إلى قادة الاتحاد الإفريقي المنعقدة العام الماضي في العاصمة كيغالي، «إن علاج الجسم المريض من الداخل سيكون أكثر نجاعة من علاجه من الخارج».

وتكتسي عودة المملكة إلى مظلة الاتحاد الإفريقي برضا واسع بين الرأي العام المغربي، حيث ينظر المهتمون إلى أن سياسة الكرسي الشاغر لم تعد تجدي نفعًا داخل البيت الإفريقي، إن لم تكن أيضًا قد ساهمت في إفساح المجال لتعزيز حضور الطرح الانفصالي، الذي تنادي به البوليساريو، وسط القارة الإفريقية.

ماذا سيستفيد المغرب من عودته للاتحاد الإفريقي؟

يسعى المغرب من خلال عودته إلى الاتحاد الإفريقي إلى مجموعة من الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية، وإن كانت تصب في الأخير في خانة حشد الدعم الإقليمي والدولي لطرح المغرب إزاء الصحراء، الممثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

فعلى مستوى السياسة، ستمكن عضوية المملكة من مجابهة الطرح الانفصالي لجبهة البوليساريو من داخل المنظمة الإفريقية، التي باتت فاعلًا أساسيًا في بلورة المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء بدواليب الأمم المتحدة. وتمكن المغرب من قلب مواقف عدد من الدول الإفريقية، التي كانت تساند جبهة البوليساريو، بعد الزيارات الملكية الحافلة بالاستثمارات والمنح السخية.

كما سيصبح المغرب، بموجب عضويته في الهيئة الإفريقية، قادرًا على المشاركة في صنع القرارات السياسية، التي يصدرها الاتحاد الإفريقي، ما سيجعل البلد أكثر اندماجًا وفاعلية في محيطه القاري والدولي.

أما اقتصاديًا، فيدشن المغرب مجموعة من المشاريع الاستثمارية المهمة بعدد من البلدان الإفريقية، كان أبرزها توقيع مجموعة «المكتب الشريف للفوسفات» المغربي، أكبر مصدر للفوسفات في العالم، واتفاقية مع إثيوبيا، التي تحتضن مقر الاتحاد الإفريقي، لبناء مصنع لإنتاج الأسمدة بقيمة 3.7 مليار دولار.

علاوة على الاستثمارات الواسعة لمجموعة من الشركات المغربية، وعلى رأسها شركة «اتصالات المغرب» و«أونا» و«تجاري وفا بنك»، في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية، والخدمات المصرفية والتأمين والبناء والصناعات والمناجم، وتقارب الاستثمارات المغربية في غرب إفريقيا نصف إجمالي استثمارات البلد الخارجية.

غير أن المردودية الاقتصادية لهذه الاستثمارات تبقى مشكوكًا فيها، بالنظر للسوق الشحيحة في إفريقيا بسبب انخفاض القدرة الشرائية لسكان تلك المناطق، ناهيك عن ضعف كفاءات الشركات المغربية في المنافسة بالأسواق الخارجية الحرة.

ما مستقبل العلاقات الجزائرية المغربية بعد العودة؟

تنظر الجزائر إلى عودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الإفريقي بقلق شديد، خصوصًا وأن الأخير حقق اختراقات مهمة في مواقف بعض البلدان الإفريقية إزاء قضية الصحراء، التي تعتبرها الجزائر «منطقة محتلة». وسبق أن حذرت الدبلوماسية الجزائرية من «خطر تقسيم كيان الاتحاد الإفريقي» بسبب رغبة المغرب بطرد البوليساريو من المنظمة.

وكانت الجزائر تحظى بنفوذ واسع داخل المنظمة الإفريقية، إلا أن قدوم المغرب لمنافستها في النفوذ بالمنطقة الإفريقية سيشكل تحديًا غير مرغوب للجزائر، التي باتت تتحمل بجانب جنوب إفريقيا، مسؤولية الدفاع عن الطرح السياسي لجبهة البوليساريو، الممثل في تقرير المصير عبر استفتاء، وسط الهيئات الإفريقية والدولية.

ويشكل الزخم الدبلوماسي المغربي المتزايد في القارة الإفريقية، ضغطًا إضافيًا على الجزائر، التي تجتاز مرحلة صعبة بسبب تراجع مواردها النفطية وغموض مستقبل بلادها السياسي في ظل حكم الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة.

وهو ما سيفتح صفحة جديدة من صراع الزعامة بين المغرب والجزائر لقيادة إفريقيا، وربما سيخلق تنافسًا دبلوماسيًا واقتصاديًا لزرع النفوذ داخل المنطقة الإفريقية، ولا سيما بعد انضمام المغرب إلى عضوية الاتحاد الإفريقي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد