يقال: «إذا كان المشرق أرض الرسل والأنبياء، فإن المغرب أرض الصالحين والأولياء»، وبالفعل، لا تكاد تخلو مدينة ولا قرية في المغرب من ضريح أو مزار لأحد «الصالحين»، لذا فقد سُميّ بـ «بلد الألف ولي».

تمتلك الأضرحة جذورًا ضاربة في تاريخ المجتمع المغربي، بحيث كانت لها امتداداتها الروحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية في حياة الإنسان المغربي، ولا تزال حتى الآن تلقى إقبالًا من قبل طائفة غير قليلة من المغاربة، وبعض الأجانب، لحل مشاكلهم الاجتماعية والنفسية والجنسية.

أبرز الأضرحة المشهورة في المغرب

بالرغم من اندثار عشرات الأضرحة، بفعل عمليات التحديث والسياق المُعولم، فإن بعضها لا تزال ذائعة الصيت، وتستقبل زوارًا كُثرًا من داخل المغرب وخارجه، ولعل هذه أبرزها:

ضريح بويا عمر

وهو أشهر أولياء المغرب، يقع ضريحه على بعد 50 كيلومتر شمال مدينة مراكش. تذكر كتب تاريخية، أن هذا الرجل ولد خلال نهاية القرن 16، وبقي أميًا إلى أن بلغ الأربعين من عمره، قبل أن يهاجر إلى إحدى زوايا شرق المغرب، ليصبح «وليًا صالحا».

اشتهر الضريح بكونه ملجأ لمئات المرضى النفسيين، الذين تأتي بهم عائلاتهم إلى المكان، طلبًا للشفاء من «المس». وقد أغلق الضريح في 11 يونيو (حزيران) من العالم الماضي بقرار من وزير الصحة المغربي الحسين الوردي؛ بعدما كشفت الصحافة عن أعمال «لا إنسانية»، تُمارَس بحق مئات النزلاء المرضى بالضريح، حيث يتم تكبيلهم بالسلاسل الحديدية وتجويعهم وضربهم.

ضريح عائشة البحرية

يقع الضريح قرب مدينة آزمور المغربية، على ضفاف نهر أم الربيع. تقول الأساطير الشعبية: إن أصل صاحبته «لالة عيشة البحرية» من بغداد، وكانت على علاقة روحية بمولاي بوشعيب، إلى درجة أنهما كانا يلعبان الكرة، فتمرّ الكرة من بغداد لتصل إلى آزمور، بعد أن تقول له: «هاكْ آبو شعيب في جنب الوادْ»، فيردّ عليها: «هاك يا عائشة في بغدادْ»!

بعد أن اشتد الولع بينهما قررت عائشة البحرية زيارته في أزمور، لكن وافتها المنية، قبل أن تصل المدينة بقليل، لتدفن في المكان الذي توفيت فيه. يزور ضريحها النساء؛ لتزويج بناتهن العوانس تبركًا بطهارة عائشة.

ضريح سيدي شمهروش

يتواجد مقام شمهروش في قرية بضواحي مدينة مراكش. بحسب الموروث الشعبي المغربي فإن شمهروش هو ملك الجن، الذي يحكم بين الإنس والجن. ويقوم الزوار القادمون إلى الضريح بطقوس معينة، مثل تقديم قرابين الذبائح، وإضاءة الشموع و«الجذبة»، طلبًا من «سيدي شمهروش» إخراج الجن الذي «يسكنهم».

ضريح سيدي يحيى بنيونس

يوجد الضريح شرق مدينة وجدة بست كيلومترات، وما يميز هذا الضريح أنه يجمع الديانات الثلاث، حيث يزوره المسلمون واليهود والمسيحيون، وكل منهم يدعي الانتساب إليه. في هذا السياق يورد كتاب «طقوس الأضرحة والأولياء اليهود بالمغرب»، لمؤلفه اليهودي «بنعمي»، أن «الولي سيدي يحيى بنيونس، يعتبر واحدًا من بين 36 وليًا، يتصارع المسلمون و اليهود في امتلاكه». ويقال في الحكايا الشعبية، إن سيدي يحيى بن يونس، هو من فجر نبع سيدي يحيى الموجود هناك بالمنطقة.

ضريح سيدي عبد الرحمن

يقع الضريح بمدينة الدار البيضاء، وبحسب كتاب «الأولياءفي المغرب»، للباحث محمد جنبوبي، فإن عبد الرحمن من العاصمة العراقية بغداد، وعاش في القرن السادس الهجري، وكان من بين شيوخ التصوف الأوائل في المغرب. ويقصد ضريحه العديد من الزوار لطرد «النحس» و«السحر»، كما تنظم به المواسم.

التأصيل التاريخي لحضور الأضرحة في المغرب

يوصف الضريح، بأنه مقام قبر يُعتقد بأنه يعود لـ«ولي»، يمتلك قدرات خارقة، ويقصده الزوار للتوسط لهم عند الله، من أجل التبرك وقضاء حوائجهم الدنيوية.

وتنتشر الأضرحة في المغرب طولًا وعرًضا، بالقرى والمدن، بعضها يحظى بشهرة وزوار كُثر، وأخرى عفا عنها الزمن. ويعدها الباحثون بمثابة «أركيولوجيا» تؤرخ لطبيعة التدين الشعبي في المغرب خلال الفترات التاريخية.

TINERHIR, DADES VALLEY, MOROCCO - 2012/12/26: Children playing in front of an ancient Moroccan holy shrine. (Photo by Raquel Maria Carbonell Pagola/LightRocket via Getty Images)

وإذا ما نظرنا إلى الأضرحة كـ «مقامات دينية» تتضمن طقوسًا «وثنية» (القرابين، الشموع، التمسح، الاغتسال بالماء)، فإننا سنجدها أقرب إلى الممارسات «الإحيائية»، أي الاعتقاد بوجود أرواح في عناصر الطبيعة، وتقديس أشياء معينة في العالم المادي، باعتباره مرجعًا وملاذًا، يلجأ إليه الناس وقت الأزمات والضعف والقهر، يمكن أن يكون هذا الشيء حجرًا أو شجرة أو قبرًا أو غير ذلك.

وتعد الممارسات الدينية الإحيائية، موغلة في القدم، بحيث تعود إلى عهد الإنسان البدائي، ولا تزال مستمرة حتى الآن في المجتمعات بشكل أو بآخر، رغم كل النزعات العقلانية والحداثية التي مست حياة البشر.

وللأضرحة تاريخ قديم في المغرب، فهي سابقة عن الفترة الإسلامية، حيث عرفت الجماعات الأمازيغية الأولية، التي سكنت المنطقة،عددًا من المزارات المقدسة، منها ما هو وثني، ومنها ما هو يهودي، وقليل منها ما هو يسوعي، الأمر الذي يفسر وجود عدد من الأضرحة التي يزورها اليهود بالمغرب إلى الآن.

لكن معظم الأضرحة الموجودة حاليًا ارتبطت بأولياء الزوايا الصوفية في المنطقة المغاربية.وظهرت الزوايا في حقب عرفت فيها البلاد ظروفًا قاسية، تمثلت في الفراغات السياسية والأمنية، نتيجة غياب سلطة مركزية، وتوالي الكوارث الطبيعية من مجاعات وأوبئة وفيضانات، وكذا التعرض إلى الغزو المستمر من طرف الأعداء، الأمر الذي قاد الزوايا إلى أن تلعب أدوارًا اجتماعية وسياسية طلائعية، غير وظيفتها الدينية الأصلية.

وسط هذا السياق، عرف الإنسان المغربي قديمًا، تقديس أولياء الزوايا والتبرك بهم، من أجل دفع الأخطار المحدقة به من كل جانب، ولجلب «البركة»، إلا أن العلاقة «المقدسة» مع الأولياء لم تنته بمجرد موتهم، بل تطور الحال إلى تقديس قبورهم، باعتقادهم أنهم «صالحون» يتفردون بقدراتهم العجائبية، ولا يمكن للموت أن ينال منهم في تصورهم.

يرجع الأنثربولوجي، إدمون دوتي، هذا الأمر إلى أن«الإسلام بطبيعته المجردة، لم يناسب الإنسان المغاربي المعتاد على الجانب الحسي في تدينه، ومن ثم احتاج إلى وسيط حسي يربطه بينه وبين الله». أما هنري باصي، فيذهب في اتجاه آخر، ويرى أن الأضرحة نشأت بدافع مواجهة «الجن الكافر»، الأخير المسئول عن كل الأمراض والأشياء السيئة، حسب إيمان المغاربة، كما كان شائعًا آنذاك. هذا الاعتقاد يؤكده استطلاع لمركز «بيو» الأمريكي في 2014م، حيث وجد الاستطلاع أن 86% من المغاربة لا يزالون يؤمنون بالأرواح الشريرة.

أدوار الأضرحة في المجتمع

إنها مجرد قبور، أو في أحسن الأحوال قبور مزينة برداءات خضراء، ويحيط بها بناء عمراني مزخرف، هكذا تبدو، لكنها في الحقيقة أكثر من ذلك: لقد كانت في وقت قريب (قبل بضعة عقود فقط)، مؤسسة بمعنى الكلمة، تقوم بأدوار اجتماعية واقتصادية وصحية وجنسية داخل النسيج المغربي، ولا تزال حتى الساعة تمارس وظائفها، وإن تراجعت. من هذه الأدوار:

وظيفة اجتماعية

ظلت الأضرحة مكانًا يلتقي فيه الناس خلال المواسم والمناسبات، ويتحادثون بينهم ويتزاورون. ومقصدًا لعقد المناسبات الاجتماعية، مثل الزواج، كما كانت الأضرحة مكانًا للصلح بين الأقارب والعائلات والقبائل المتنازعة.

وظيفة اقتصادية

عادة ما تعرف المساحات المحيطة بالأضرحة، نشاطًا تجاريًا، بخاصةفي فترة «الموسم»، حيثيرتاد الكثير من الزوار الضريح. وكانت الأضرحة قديما تحل مكانًا لعقود البيع والشراء، كما كانت تقدم الأضرحة الطعام والشراب للجائعين، بالإضافة إلى أنها كانت مقصد الفلاحين الذين يتبركون بها لنماء محاصيلهم الزراعية.

وظيفة جنسية

لطالما كان الضريح، ولا يزال، مقصد العوانس، وملجأ النساء العاقرات، يتبركن بـ«الولي»، لعله يجلب عريسًا أو مولودًا. ومن اللافت أن الأضرحة ارتبطت بـ«الخصوبة» بمعنيها الاقتصادي (الأرض) والجنسي (النساء).

وظيفة استشفائية

لعله الدور الوحيد الذي لا تزال تمارسه الأضرحة بقوة حاليًا، إذ يتجه العديد من الناس المرضى إلى مقامات الأولياء، للاستشفاء من الأمراض المستعصية،والاضطرابات النفسية، بعد أن يئسوا من علاج الأطباء.

التصوف الشعبي والأولياء

تندرج ثقافة الأضرحة وطقوسها في صنف «التصوف الشعبي» كنوع من التدين الخاص عادة بالعامة الأمية والفقيرة، من دون أن يعني ذلك غياب فئات غنية ومتعلمة، تطبع مع الأضرحة.

وتعرف معظم المجتمعات الإسلامية هذا الصنف من التصوف، بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، بيد أن المجتمع المغربي يعتبر بلد التصوف الشعبي بامتياز، وهو ما جذب العديد من الأنثروبولوجيين المغاربة والأجانب؛ لدراسة الأضرحة بالمغرب، نذكر منهم عبد الله حمودي، ومصطفى واعرب، وجمال بامي، ومصطفى أخميس، وعبد الغني منديب، ودوتيه، ولاووست، ووستر مارك، ودوننسياندر منغهايم صاحب كتاب «شعائر الأولياء في الإسلام المغاربي»، ونور الدين الزاهي مؤلف كتاب «المقدس والمجتمع».

TO GO WITH AFP STORY BY SIMON MARTELLI Musicians play drumms as they lead a procession towards the village's shrine before the sacrifice of a bull, during the festival of Sidi Ali Ben Hamdouch on January 21, 2014 in the Moroccan village of Sidi Ali, near Meknes. The festival brings Moroccans from far and wide to venerate a 17th century Muslim saint and his servant Lalla Aicha, a mythical Muslim princess from the desert who dwells in the spirit world and is a powerful unseen force for her followers. AFP PHOTO / FADEL SENNA (Photo credit should read FADEL SENNA/AFP/Getty Images)

إن تبرك زائري الضريح وتواصلهم مع الوليّ المدفون لقضاء حوائجهم الحياتية، هو نوع من الاعتقاد بأن هذا «الصالح» لم تغادر روحه الحياة، ولا يزال بمقدرته و«بركته»، إشفاء المريض، وطرد النحس، وجلب العريس والولد. كما يعني ذلك أن هؤلاء الزوار، في اعتقادهم، غير مؤهلين للتواصل مع الله، وبالتالي هم في حاجة إلى وسيط يتميز بـ«الأهلية الإيمانية»؛ لإيصال طلباتهم المستعجلة إلى الرب.

ولا يعتبر هذا «الولي» إنسانًا عاديًا مثل الإنسان المغربي (المؤمن بالأضرحة)، بل إنه يشكل في تمثله الذهني ذلك «الصالح»، الذي يملك كرامات وقدرات فوق بشرية، لا ينتهي مفعولها بمجرد موته، ولا أدل على ذلك من الحكايا المتداولة بين عامة الناس، حول قدرات بعض الأولياء، منها ما ينقله محمد حاجي، في دراسة ميدانية له عن أحد الأشخاص، أن مولاي التهامي (صاحب ضريح مولاي التهامي)، كان يستقي الماء ليتوضأ به، فيصعد في دلوه ذهب وفضة، فيقول:«لا أريد إلا الماء به أتوضأ».

يتسم «الولي» أيضًا بسمات دينية تزيد من هالته في أعين الناس، إنه- في نظرهم- ذاك التقي الورع الزاهد الصالح، المنتسب لآل البيت، الذي يملك خزان البركة، والبركة هو مصطلح يحيل لدى المغاربة إلى الخير والنماء الذي يفيض عن الأولياء.

هكذا يستمد «الولي» سلطته الرمزية تجاه مريديه من الزوار، أكان حيًا (البوتشيشي مثلًا زعيم الطريقة البوتشيشية)، أو ميتًا (مقامات الأولياء)، السلطة التي يتوارثها أحفاده جيل بعد جيل، ويستغلونها في بلوغ الحظوة الاجتماعية ونيل الهبات والعطايا من المريدين وزوار الضريح.

الأضرحة تقاوم التحديث

يكتب الباحث في جامعة الحسن الثاني، مبروك بوطقطوقة، بأن «تراجع الزوايا والأضرحة لم يرتبط بظهور وانتشار الحركات السلفية، بل يرجع إلى ما قبل ذلك بكثير؛ فقد أدى التدخل الاستعماري الغربي إلى ردة فعل قوية ضد التقاليد الدينية الكلاسيكية، أي الزوايا والأضرحة؛ ما أدى إلى ازدهار الإسلام النصوصي المعتمد على القرآن والسنة؛ باعتبارهما الأساسين الوحيدين المقبولين للسلطة الدينية»، وبالفعل يبدو تراجع «تدين الأضرحة»، جليًا في اضمحلال كثير من الطقوس، ونسيان الكثير من الأضرحة، وانخفاض عدد الأتباع، مقارنة مع ما كان عليه الأمر قبل عقود.

TO GO WITH AFP STORY BY SIMON MARTELLI Moroccans stand outside the shrine of Bouya Omar on March 20, 2014 in the village of Bouya Omar, some 86 kilometres East of Marrakesh. The shrine has long been visited by people seeking the healing powers of the local saint, but rights activists call it "Morocco's Guantanamo," a torturous detention centre for the mentally ill. AFP PHOTO/FADEL SENNA (Photo credit should read FADEL SENNA/AFP/Getty Images)

إلا أن ذلك، لا يعني أن ثقافة الأضرحة قد انقرضت، إذ لا تزال حاضرة بشكل بارز، بالرغم من كل عمليات التحديث والتقدم التكنولوجي والعلمي والسياق المُعولم، بل إن من بين مرتادي الأضرحة أغنياء وأطر متعلمة، ويحكي الاختصاصي النفسي عبد المجيد كمي، أن صديقًا له مكانة تعليمية معتبرة، لم تكن زوجته تلد رغم مرور سنوات عديدة على زواجهما وعرض حالتهما على عشرات الأطباء والمختصين، لكن بدون جدوى، إلى أن لجأ إلى ضريح «سيدي ميمون»، فلم تمر سوى أسابيع قليلة حتى حملت زوجته، فسميا مولودهما الأول ميمون؛ نسبة وتيمنا بصاحب الضريح.

إذن ما الذي يجعل زيارة الأضرحة مستمرة بالمغرب، رغم التحديث والعولمة؟

من الواضح أن الجانب الأسطوري والغيبي متأصلان في الإنسان، ولا تزال جميع المجتمعات حتى الآن تعرف ظواهر «فوق طبيعية» بدرجات متفاوتة، فمثلا هناك الكثير من الأمريكيين من يؤمنون بوجود كائنات فضائية في مناطقهم ويتواصلون معها! وبالتالي فإن الاستمرار في تقديس الأضرحة هو نوع من تلك الجوانب الأسطورية لدى المجتمع المغربي.

وفي نفس الوقت هناك عوامل أدت بشكل مباشر إلى استمرار الأضرحة، تتمثل في كون الضريح يعد «مؤسسة» مناسبة لوضع البسطاء والقرويين الفقراء، الذين لا يملكون الأموال الكافية والعلاقات اللازمة لقضاء حوائجهم الدنيوية، ما يعني أن المؤسسات العصرية (المستشفى، المحكمة، الوزارات…إلخ) بالمغرب فشلت في مساعدة هذه الفئة على تخطي محنها، مما يجعلها تلجأ إلى المؤسسات التقليدية مثل الضريح.

من جهة أخرى، ساهمت الدولة في انتعاش ثقافة الزوايا و الأضرحة، ولا سيما بعد الثورات العربية في 2011م، من خلال تقديم الهبات ورعاية مواسم بعض الأضرحة وإحياء أخرى، وذلك يدخل في إطار توظيف السلطة للبنيات التقليدية من أجل التحكم، وفي نفس الوقت بغاية تنظيم الحقل الديني، ومنافسة الحركات السلفية والإسلام السياسي في سياق استقطاب المتدينين المغاربة.

المصادر

تحميل المزيد