2,328

بعد أكثر من ربع قرن على وقف إطلاق النار بين الجيش المغربي، وعناصر البوليساريو المسلحة، ما تزال مشكلة الصحراء مستمرةً رغم كل التدخلات الدولية، والوساطات الأممية لحل أزمة الصحراء، وبات الوضع يقترب شيئًا فشيئًا إلى ما كان عليه سابقًا خلال الثمانينات، حين كان السلاح هو الفيصل بين المغرب، والبوليساريو.

وازدادت حدة التوتر الحدودي بين المملكة المغربية، وجبهة البوليساريو، خلال الأيام الأخيرة، عقب أزمة «الكركارات»، التي كادت أن تشعل الوضع حينها، لولا الانسحاب الأحادي للمغرب من المنطقة العازلة، بطلب من الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، أنتونيو غوتيرس.

حرب على الأبواب

وعلى إثر التصعيد الأخير في منطقة الكركارات الحدودية، رفع المغرب أقصى درجات التأهب الأمني لقواته العسكرية، إذ كشفت جريدة المساء في عددها الصادر أمس الخميس، أن القوات المسلحة الملكية وجهت برقيات إلى العديد من ثكنات الجيش، خاصةً الواقعة منها في المناطق الحدودية الجنوبية، تخبر بمنع العطل على المسؤولين العسكريين، وحتى على أفواج المتدربين الذين لم يتم إعلان تخرجهم من المدرسة التابعة للقوات المسلحة الملكية.

وكانت المملكة قبل ذلك قد نقلت نخبة العمليات الخاصة إلى المعبر الحدودي القريب من الكركرات، ردًّا على تصعيد ميليشيات البوليساريو، وهي قوات خاصة تلقت تدريبها على يد المسؤولين الأمريكيين في كاليفورنيا. كما تم استبدال عناصر القوات المساعدة التي كانت ترابط على الحدود، بعناصر أخرى من نخبة الجيش، ووحدات من الدرك الحربي، والدرك الملكي، بالإضافة إلى فرق المشاة.

بدورها، عززت ميليشيات جبهة البوليساريو مراكزها العسكرية بالشريط الحدودي لمعبر منطقة الكركارات، التي تعتبرها من «المناطق المحررة»، وباتت تراقب حركة سير الشاحنات التجارية المارة بين المغرب، وموريتانيا، إذ تتعرض الشاحنات المغربية العابرة إلى نواكشوط للتوقيف بمنطقة الكركارات، والاعتداء بالسب والشتم من قبل عناصر البوليساريو المسلحة بدعوى حملها أعلام مغربية، وهو ما دفع الملك السادس إلى تنبيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنتونيو غوتيريس بخطورة الوضع، وحثه على «اتخاذ الإجراءات العاجلة واللازمة لوضع حد لهذا الوضع غير المقبول، والذي يهدد بشكل جدي وقف إطلاق النار، ويعرض الاستقرار الإقليمي للخطر جراء استفزازات جبهة البوليساريو».

وبالموازاة مع ذلك، وضعت الجزائر أيضًا قواتها الحدودية بالمنطقة العسكرية الثالثة في حالة استنفار قصوى، وأعلنت عن دعمها لتحركات جبهة البوليساريو، ووسط هذا الاحتدام الحدودي المسلح والمتعدد الأطراف، بادرت بعثة المينورسو، التابعة للأمم المتحدة، إلى تكثيف قوات حفظ السلام بشكل غير مسبوق بمنطقة الكركارات الساخنة عسكريًّا.

سياق أزمة الكركارات

يعود نزاع الصحراء إلى سنة 1975، حين انسحبت إسبانيا من المناطق الصحراوية التي كانت تستعمرها، لتعلن جبهة البوليساريو بعدها تأسيس ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» في منطقة بئر لحلو، بعد انسحاب الاحتلال الإسباني، مُعتبرةً الوجود المغربي، والموريتاني في الصحراء حينئذٍ «احتلالًا»، ثم بدأت حرب عصابات ضد البلدين، لكن موريتانيا انسحبت من المنطقة الصحراوية عام 1978، بينما استمر إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو إلى سنة 1991، بعد تدخل الأمم المتحدة، التي ستعين بعثة المينورسو لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار بالشريط الحدودي المنزوع السلاح، الذي تتواجد داخله منطقة الكركارات.

بدأ التصعيد في أغسطس (آب) من العام الماضي، عندما توغلت قوات عسكرية تابعة للجيش الموريتاني، داخل منطقة لكويرة، ورفعت العلم الموريتاني بالمدينة، التي ما تزال تحتفظ بها موريتانيا منذ انسحابها من الصحراء الجنوبية لصالح المغرب عام 1979، ليرد المغرب بشكل ضمني بعملية عسكرية تمشيطية، بمنطقة «قندهار» الحدودية الحساسة مع موريتانيا، مستعملًا في ذلك الآليات العسكرية وسلاح الجو، بهدف «الحد من أنشطة التهريب والتبادل التجاري غير المشروع»، كما أعلنت حينها الرباط.

إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد أسابيع قليلة أقامت جبهة البوليساريو، بتواطؤ موريتاني، موقعًا عسكريًّا بمنطقة «الكركارات» الحدودية على أرض موريتانيا، على مسافة قريبة جدًّا من الجيش المغربي، لا تتجاوز 120 مترًا، وهو ما اعتبرته الرباط خطوة استفزازية.

وبلغ الوضع ذروته في خضم حشد الأرتال العسكرية على الأطراف الحدودية والتصريحات النارية، أثارت مخاوف الأمم المتحدة من استئناف المعارك بين الجيش المغربي، وميليشيات البوليساريو، ما دفع أمينها العام الجديد، أنتونيو غوتيرس، إلى توجيه طلب للملك محمد السادس بالانسحاب من خط الكركارات خشية انفجار الوضع، وهو ما تجاوبت معه المملكة، التي أعلنت الانسحاب الأحادي من المنطقة.

مخاطر سياسية واقتصادية للحرب

لطالما كان نزاع الصحراء قنبلةً ملغمةً في المنطقة المغاربية، منذ أن وضعت الحرب بين الجيش المغربي، وجبهة البوليساريو الانفصالية أوزارها سنة 1991، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم برعاية الأمم المتحدة، إذ كلما فشلت الوساطات الأممية في حل الأزمة، يتم التهديد بالعودة إلى السلاح.

غير أن التوتر الأخير لا يبعث على الطمأنينة، ويثير التخوف حول مستقبل الأوضاع في المنطقة، كما يقول الدبلوماسي الموريتاني المتقاعد، محمد الأمين ولد الكتّاب، الذي يوضح وجه الخطورة في الأمر في «أن التوتر بلغ درجة لم يبلغها من قبل، خاصةً أيضًا أن طرفي النزاع مشحونان، ويرى كل منهما أن الوقت حان لإيجاد حل للقضية»، بعد عقود من الجمود.

وتجري جهود أممية ودولية لضمان استمرارية وقف إطلاق النار بين المغرب، وجبهة البوليساريو، إذ لا يرغب المجتمع الدولي بظهور حرب جديدة تضرب المنطقة المغاربية، التي لا تنقصها الأزمات السياسية والأمنية، في ظل انهيار الوضع في ليبيا، وتوالي الهجمات «الإرهابية» على تونس، ونشاط الجماعات الجهادية على الحدود الجزائرية، والمالية.

وبحسب مراقبين، فإن أسوأ سيناريو كارثي يمكن أن تتعرض له المنطقة المغاربية هو اندلاع حرب بين القوات المغربية، وميليشيات البوليساريو بمنطقة الكركارات الحدودية، الحرب التي قد تمتد نيرانها إلى موريتانيا، والجزائر، نظرًا إلى تشابك الوضع السياسي والجغرافي في المنطقة هناك.

وهو ما ليس في صالح أي طرف، بالنظر إلى الكلفة السياسية، والمخاطر الاقتصادية، وقبل كل ذلك الخسائر البشرية، التي قد تنجم عن مثل هذا السيناريو، الأمر الذي يجعل كل الأطراف أكثر ميلًا للاستقرار بالرغم من التصعيد الظاهر، الذي تطمح من خلاله البوليساريو إلى تحريك ملف الصحراء الراكد منذ عقود، لكن في نفس الوقت تبقى إمكانية انزلاق الوضع نحو إطلاق النار قائمة، ولا سيما مع الاحتكاكات الحدودية، التي قد تتحول في أي لحظة إلى اشتباك مسلح.

تعليقات الفيسبوك