أُثيرت العديدُ من الأسئلة التي تتعلقُ بالكينونة الإنسانية إثْراكتشاف أنواعٍ جديدةٍ شديدةِ الشبه بالإنسان.أيُّ طريقٍ ينبغي أن نسلكَه في معاملة أقربائنا هؤلاء إن وُجدُوا على قيد الحياة ؟!في كلِّ آنٍ يقدّم لنا عالمٌ أنثروبولوجيّ جَسُورٌ : أسنانا قديمة، أو جزء من عظامِ فكٍّ، والتي قد تكون منحدرةً من أسلافٍ قديمة لنا .. حقا إنها موجةٌ من الإثارة !منذُ مدّة طويلة تُكتَشَف جمجمة كاملة، ثم على إثرها جسدٌ كاملٌ غيرُ منقوص، وأخيرا مجتمع إنساني بأكمله تم اكتشافه عن طريق هذا الفُتاتِ الصغير !إنَّنا في حاجةٍ ماسّة أن نجيب على هذا السؤال : من أين أتينا ؟إن هذه اللعبة قد اخترعَها الماضي، وما زال يؤجِّجُ أُوارَها مرارا وتَكرارا ! في الحقيقة .. إنْ تحلَّيْنا بقدر من الأمانة العلميّة فإنّه ينبغي أن نقول : إن ثمّة فجوةً عظيمة في معرفتنا تتعلَّقُ بالأحداث التي وقعتْ ما بين عصْر السَّلفِ البعيدِ والآخرِ القريبِ.وعند تخْمينِ أيِّ شخْصٍ نجدُ أنَّ الأحداثَ الواقعة في هذه المرحلةِ تُعدُّ فجْوةً هائلة يبلغ عمرها عدة ملايين من السنين، وعندنا من التخمينات غير ذلك ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى. إن اكتشاف هذا الشيء الضئيل ذي القامةِ التي لا تتجاوز مترا، ذي القدمين والوجه الأفطس يعدُّ أمرا مختلفا إلى حدٍّ بعيد.إننا لا  نتحدَّثُ فقط عن بقايا عظامٍ هي شديدة الدّقة والتفصيل،  وإنما نتحدّثُ عن وجودِ كهوفٍ متوازيةٍ جنبا إلى جنبٍ مع أدواتهم الحجرية، وما يدل على تمكُّنِهم من صناعةِ النار، وممارستهم لعبة الصيد.علاوة على ذلك أن تعرفَ أن عُمرَ هؤلاء الصيادين حوالي 12,000 سنة مضت، ومَنْ ذاك الذي يدْري ؟! .. لعلّ إقامتُهم تلك في مجموعاتٍ دليلا على إمكان وجودهم قابعين في إحدى الزوايا الغير معروفةِ حتى يوم الناس هذا ؟!تلك المعلومات المزلزلة بدورها ستخلقُ مشاكلَ يقع في أسْرها كلٌ منْ السياسيين، وعلماء اللاهوت.* قبورٌ حيوانيّة ؟

فكّر للحظة : ماذا لو كُشِفَ النقابُ عن قبيلةٍ حيّةٍ من هذه الكائنات ؟

أيُّ طريقة تلك التي ينبغي علينا أن نعاملَهُم بها ؟

هل هم مجرد قردة ذكية، أم أنهم كائنات بشرية مصغَّرة ؟

ماذا لو قام أحدُ المستكشفين باستقطابِ طفلٍ منهم .. هل سنرسلُه إلى مدرسة إيتون أم إلى حديقة الحيوان ؟

ثمّ ماذا لو مات .. هل سيُدفنُ كما يدفنُ البشر، أم أنه سيموتُ كما يموت الحيوان ؟

هل سيظلُّ السؤال مثارا عن معنى الكينونة البشرية إن وجدناه بيننا ؟

إننا لم نتعوّدْ على هذا الأمر؛ لأن أسلافنا قد تمكّنوا من اغتيالِ كلِّ أقاربنا المقربين بنجاح مُفزِع !

هذا الأمر خَلَقَ هُوّة بيننا وبين الحيوانات الأخرى، هوّة عظيمة مكَّنَت الدين إلى حدٍّ يقولُ فيه : إنه ليستْ ثمّة علاقة بيننا وبين هؤلاء لا من قريب ولا من بعيد.
البشر وحدهم هم من يملكون الرُّوحَ، أما هؤلاء فلا.

وضَعَ ( داروين – Darwin ) حدّاً لهذا الهراءِ عن طريق نظريةِ الـ ( نشوء والارتقاء – Evolutionary ( ، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ  المثير للدهشةِ أن يقاوِمَ قطاعٌ كبيرٌ من البشر هذا الاكتشافَ الصادقَ واضحَ المعالم.وما زالوا يلجّون في المقاومةِ بعنجهيّة يقرّرون فيها : أن النوعَ البشري خَلْقٌ من نوعٍ خاصّ.إن وصول الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) إلى أرض المعركة سيقضُّ مضاجهم جميعا بأحلامٍ مُفْزِعَة.كيف يمكنُ أن يكون نصفَ إنسانٍ؟هذا أمر مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يملك نصف رُوح !ومن هنا فإنّ الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) قد يكونُ أَلْمَاسَةُ التطوّر؛ إذْ أنّها ستصنِّفُ البشريةَ ضمن المملكةِ الحيوانيةِ التي ينتمون إليها علميَّا.* أقفاص تجريبيّة :

معاملتنا لهذه الكائنات سوف تعتمدُ في الأساسِ على المقابلةِ الأولى لأيِّ مثالٍ حيٍّ لهذه الأنواعِ الجديدة.

مثلا لو قمنا بتوجيه التحيةَ لهم، فصاحوا ( OOARGH, OOARGH ) مثل الشمبانزي؛ فعندئذ من غير شكٍّ سيُصَنَّفون على أنهم نوعٌ جديد من القردة العُليا.وأسوءُ ما يمكنُ حدوثُه حينئذٍ أن ينتهيَ الأمر بهم في أقفاص تجريبيّة، ولن يملكوا حقوقا أفضل بكثيرٍ من الحقوق التي مُنِحتْ للشمبانزي هذه الأيام.على الجانب المقابل لو جُوبِهْنا بنوعٍ من لغةٍ منطوقةٍ يمكنُ أن نتعلَّمَها، أو بدلا من ذلك وجود إمكانيّة أن يتعلموا هم لغتَنا، حينها سنجدُ أنفسَنا في مباراة كرة قدمٍ من نوعٍ لا نعرفُه.عندما يتعلَّق الأمر بذلك، فإنّ الذي يميّزُ الإنسانيةَ حقّا هو القدرة على الكلام.فلو تكلّم الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) فإنه يتوجَّبُ عليْنا أن نواجه حقيقةَ وجود نوعين من الكائناتِ البشريّة على هذا الكوكبِ لا نوع واحد كما كنا نعتقدُ دائما !إن صوّبت الرصاص نحوه فإن ذلك سيُعَدُّ جريمةُ قتْل، وإن طبختَه ثمّ أكلتَه فكأنَّك تأكلُ لحوم البشر، ولو قمتَ بإجاراء التجارب العلميّة عليه فإنك في الحقيقة تُعذّبُه.* امتحانٌ للإيمان :

شخصيّا أتوقُ إلى إمكانِ التحدُّثَ معهم، فهذا بدوره سيكونُ جِسْرا حقيقيّا بيننا وبين القردة، وسوف يتحتَّمُ على الأديانِ وقتئذٍ أن تعيد النظرَ في أصولِها الدينيّة.

إن نظرية الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) تدمِّر فكرة الدين تماما، وكأنِّي الآن أسمعُ صوتَ هؤلاء المتعصبين يعارضونَ وجودَهم بدعوى إحضارِ الشيطان إياهم حتى يمتحنَ اللهُ إيمانَهم.
ومن الفضول بمكان أن نسأل : هل للـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) طقوس بعينِها عند الدفْنِ ، ولو كان .. فهل يؤمنون حقّا بيومِ القيامة ؟يجبُ أنْ توضع هذه الأسئلة في أذهان العاملين في هذا الميدان، حتى وإن لم يكتشفوا قبيلة منهم على قيدِ الحياة.وإن لم تغرقْ جزيرة ( فلوريس – Flores ) بجحافلٍ من المستكشفين الحاذقين فإنني سأكون في غاية العُجْب، ولن أستطيعَ التحلِّي بالصبر إلى حين سماعِ نتائج رحلاتهم.

( ديزموند موريس –  Desmond Morris ) ، كاتب وعالم أنثروبولوجيا.

* مختارات لبعض التعليقات التي تلقيناها بخصوص هذا الموضوع :
– بعيدا عن ” تدمير الدين ” أعتقدُ أنّ اكتشاف أنواعٍ ذكيَّة على قيدِ الحياة يؤكِّد روعةَ هذا الخَلْقِ، واستبعاد مجيءِ الموجوداتِ عن طريق الصدفة المحضة.(كولين موريس – Colin Morris ) ، مانشستر

– أعمل قسّا في كنيسةِ إنجلترا ، ولا مشكلة لديّ – هي فرحة في الواقع – مع نظرية الـ ( نشوء والارتقاء – Evolutionary ).السؤال الذي يثير اهتمامي هو : هل يدركُ الـ ( هومو فلورسينسيز – Homo floresiensis ) أو كان يدركُ كُنْهَ نفسِه ؟(وين بينون – Wyn Beynon ) ، بوتُن ، بيدز- إن اكتشاف هذه الأنواع الجديدة هزّ مسيحيّتي، ودعاني إلى إعادة النظر في بعض مفاهيمنا الدينيّة مرة أخرى.إن هذا لا يعني أن ديني خاطيء؛ فالكتاب المقدَّس ليس مدوّنة علميّة، ولم يحاول مرة أن يجيب على مثل هذه الأسئلة.إنه كلمة الله إلينا تتعلَّق بالأشياء التي يريد أن يعرّفنا إياها.وليس مستودَع أسرارٍ يتعلق باعتقاداتنا عن الله.(ديفيد بوتر – David Potter ) ،  شيفيلد ، المملكة المتحدة- شخصيّا لم أستطع إطلاقا أن أفهمَ شيئا واحدا بعينِه وهو : أنه في خلال المسار التطوريّ للنوع الواحد الذي ينشطر بعد ذلك إلى نوعين ، كيف يحدث ذلك ؟إنه من الممكن أن يتزاوج الحمار والحصان ، ولكننا مع ذلك نعتبرهما نوعين منفصلين.(يشوع أيسوم – Joshua Isom ) ، مرفيل ، الولايات المتحدة  أتو أتوقُ إلى وجود الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) على قيد الحياة ، عندها سيكون التحدي للأصوليين أشد واقعية ، وسيزلزل أركان البسيطة في كل مكان، وسيسمح لنا بإدراك دورنا في الطبيعة إدراكا تاما، وسيكونُ علينا حينئذ أن نوقِّرَ الكائنات الحيوانيّة العليا الأخرى على أنها جزء من تراثنا وكينونتنا.(دوم جيمز – Dom Games ) ، باكنغهام

– أرى أنه ينبغي الحذر من تأييد العلم على حساب الدين والعكس بالعكس صحيح.وبما أنه قد ثبتت هذه الاكتشافات الجديدة فإن معرفتَنا بالكونِ قد تتغيّر في يومٍ واحدٍ.ومن يدري ؟! .. لعل بعضا مما لم يُكتشَف بعد أن يبرهن على إمكان تعايش الدين والعلم أن معا.( بريسيلا برونيه – Priscilla Brunet ) ، شيستر

– من الممكن أن يكونوا أكثر ذكاء منا، وبالتالي ربما يكونوا مخلوقات مسالمة.ولعلهم انقرضوا قبل وجود أكثر الأجناس وحشية وعداوانية – أعني نحن حرفيا !( كيفين أوربين – Kevin Urben ) ، أوكسفورد- اكتُشِفت أنواع جديدةٌ مؤخّرا من الشمبانزي، بل إضافة إلى ذلك زُعم اكتشاف أنواع جديدة من ( إنسان الغاب – orangutan ) في إندونيسيا، فليس بعيدا أن نعثُرَ على الـ ( هومو فلورسينسيز – Homo floresiensis ) على قيد الحياة. كم أنا في غاية الاشتياق لمبادلة الحديث معه !( مايكل كيلباتريك – Michael Kilpatrick ) ، كامبريدج ، المملكة المتحدة- إنني في غاية اليأس لانعدام رغبة البعض للإذعان لأدلة التطوّر؛ فهذا ينذر بالخطر ، فأدلة الـ ( الخلقية –  Creationism) أكثر مصداقية عند الناس؛ لذا نأمل أن يدقَّ هذا الاكتشاف المسمار الأخير في نعش تلكم الخرافات.(كارول – Carole ) ، بريستول ، المملكة المتحدة
– أؤمن وكثير من أصدقائي وأقاربي المسيحيين بالتطور؛ لذا استأْتُ من تورُّطِكَ بالقول أن العقول العلميّة المسيحيّة لا وجود لها.
( نيكولاس ليهان – Nicholas Lehane ) ، بيتسبرغ ، الولايات المتحدة- إنّ ادعاء ( ديزموند موريس –  Desmond Morris ) القائل أن اكتشاف الـ ( إنسان القزم – Mini-Man ) يدمر فكرة الدين تماما شيء مؤسف للغاية، ويرمي الكرة في ملعب المؤمنين لسدِّ تلك الفجوةِ الحاصلةِ بين الدين والعلم من أيّام ( داروين – Darwin ).( أليكس روبنسون – Alex Robinson ) ، أوكسفورد
– لو أمكننا أن نتواصل معهم ، كيف ستكون ردّة الفعل إن علموا أننا نطلق عليهم اسم
الـ ( الهوبيت – Hobbit ) ؟( ديفيد برادلي – David Bradley ) ، كامبريدج- لأكوننّ في غاية الاندهاش إن وُجِدُوا على قيد الحياة ، وإنَّ احتمال قدرتهم على الكلام – حتى ولو كانت محدودة – سيطرح أمامنا تحديات جادّة.( ستيفان جون – Steffan John ) ، كارديف ، ويلز

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد