على إثر اكتشاف ( الهوبيت – human Hobbit ) على جزيرة ( فلوريس – Flores ) ، قام عالم الأنثروبولوجيا (ديزموند موريس- Desmond Morris) بتحدي المتدينين قائلا أنه يجب عليهم إعادة النظر في أصولهم الدينيّة مرةً أخرى، وقد أثار اقتراحُه هذا ضجّة في الأوساطِ إلى حدٍّ بعيد.

” إن وجودَ (الإنسان االقزم – Mini-Man ) بدوره يدمّر فكرةَ الدينِ تماما ” ، هكذا ادّعى (ديزموند موريس- Desmond Morris).

بالتأكيد .. إن (ريتشارد دوكنز – Richard Dawkins ) عالم الأحياء التطوريّ لا زال في حيرةٍ من أمرِه عن كيفية نجاةِ الدين من ( داروين – Darwin ) ؟

وعلى الرغم من هذا الازدهار العلميّ، والتنكّر الملحوظ لكثيرٍ من الكنائس التقليديّة في أوروبا الغربيّة إلا أنّ الدين ما زال ينتشر على مستوى العالم في هيئات وأشكال جديدة.

إنه لا ينبغي أن نندهش كثيرا؛ لأن العلمَ الحديثَ بعيدٌ كل البعد عن الإجابة على كلِّ سؤالٍ مطروح .. حتى تلك الأسئلة العُظْمى التي تتعلقُ مباشرةً بالوجودِ الإنسانيّ.

وهكذا هو الحال مع اكتشاف ال (LB1) ، الأنواع الجديدة من الـ (هومو فلورسينسيز – Homo floresiensis) ، والتي بلغ عمرها 18,000 سنة.
إن هذا الاكتشاف المسمّى بالـ (هوبيت – Hobbit) أثارني شخصيّا على الجانب اللاهوتيّ والعلميّ؛ لأنّه يطرحُ سؤالا عنيفا يتعلق بالكينونة الإنسانية !

منتهى السذاجة :

ينشغل الناسُ دائما على وجه الخصوص بهذا السؤال : ما الذي يجعل الإنسانَ مختلفا ؟

ولقد أصبح الـ (LB1) جزءا من هذا السؤال الملحّ جنبا إلى جنبٍ مع التطورات العلميّة الأخرى مثل : (الاستنساخ البشري – Human cloning) ، والتطور في مجال (الذكاء الاصطناعي – Artificial intelligence).

وإن ما يعنيه أن تكونَ إنساناً قد شاهدناه في السيّد (داتا – Data) في (ستار تريك – Star Trek ) ، و (الذكاء الاصطناعي – Artificial intelligence) للمخرج (ستانلي كوبريك – Stanley Kubrick) .

ولقد حاول البعضُ أن يقسِّم الإنسان إلى مفاهيم فيزيائيّة، وعقلية، وأخرى وراثية حسْب خصائصه.

المشكلة في هذا الأمر أن الـ(LB1) تتظاهر على أن هذا التقسيم غالباً لا يكون إلا مجرّد نقاطٍ خيالية لا حقائق مطلقة.

بينما يرى بعض المتديّنين أن الإنسانيةَ قد خُلقتْ فقط منذُ 6,000 سنة، أو أنّ البشر وحدهم هم من يملكون الرُّوح.

إن هذا – بكل صراحة – سذاجةٌ وجهل في توصيفِ عمقِ التفكيرِ الدينيّ بهذه الطريقة.

 

 عالم الطبيعة :

يرى أبناء المدرسة التقليدية في الدين المسيحيّ أن كوننا بشرا يعني : قدرتنا على التفكير العقلي، وحرية إرادتنا، وشعورنا الأخلاقي، وقدرتنا على مواجهةِ مصائرِنا.

وعلى الرغمِ من ذلك فإن الرؤيةَ الصحيحةَ – والتي من الممكن مطالعتها في الإصحاحات الأولى من سفر ( التكوين – Genesis ) – هي أن الإنسان يمكن تعريفه بأنه ” علاقة ” ، علاقة مخصوصة بالله.

إن كونَك مخلوقٌ على صورةِ الله يمنحُك عطيّةٌ هي علاقةُ مودّة مع الله، ونوع من المسؤولية تُجاه هذا العالم الطبيعي.

نعم .. إن للبشر هذا المفهومِ الخاصّ بهم، أنّ لهم علاقةٌ شخصيةٌ بالله.
هذه العلاقة أفسحت الطريق لعلماء الفلكِ مُذْ وقتٍ مبكّر – مثل (كريستيان هيغنز -Christiaan Huygens) – أن يتأملوا في الكون من حولهم من غيرِ أن تصيبَهم الكوابيسُ بسبب اعتقادهم المسيحيّ.

والحقيقةُ أنه بالرغم من احتمال أن يكونَ اللهُ قد خلقَ الكثيرَ من الكائنات الأخرى، فإن هذا لا يحطُّ من تلك العلاقةِ التي مُنحتْ للجنسِ البشريِّ خصيصا.

 عنايةٌ ورحمة :

بل أضِف إلى ما ذكِر .. فإن الكثير من علماء التاريخِ قد بيّنوا أن النظرةَ المسيحيّة للكونِ تشجعُ على ازدهارالعلمِ التجريبيّ؛ فالكون – حسْب النظرةِ المسيحيّةِ – ينبغي أن يُراقَبَ حتى ندركَ دورَ الصِّناعةِ الإلهيّةِ فيه.

وإن التنوع وعدم القدرة على معرفة الكون يعدّ انعكاسا لله الذي أضفى على هذا الكون تلك الاحتماليّة المفرَطة.

وإن تكليفَنا بحمْلِ المسؤوليةِ ألزمتْنا بضرورةِ توجيه العناية والرحمة لهذا العالم كله .. للبيئة والمملكة الحيوانيّة.

وأنا .. كرجل مسيحيٍّ أرى وكثير من أتباع الديانات الأخرى أن الـ (LB1) لا تمثّل تهديدا حقيقيا للدين.

وبالطبع أنا مفتونٌ بالكثير مما يمكنُ أن يُكتشفَ عن تنوِّع هذا العالم الطبيعي.

ولو بقيت الـ (هومو فلورسينسيز – Homo floresiensis) موجودة حتى يومنا هذا؛ فإنه من الواجب علينا أن نعاملهم بوقارٍ وعناية بغضّ النظر عما إذا اعتبرهم علماء الأنثروبرولوجيا بشرا أم لا !

وما زلتُ أرى أن الإنسان اختُصّ بعطيّة خاصّة وهي علاقته مع الله والتي تتأكَّدُ إن نظرنا إلى الحياة، والموت، وقيامة المسيح.

لكلِّ ما ذُكر فإن الـ ( الهوبيتس – Hobbits ) لم يمثلوا مشكلة جادّة لعقيدة (ج. ر. ر. تولكين – J. R. R. Tolkien ) المسيحيّة الأرثوذوكسية !

( ديفيد ويلكرسون – David Wilkinson ) باحث ومحاضرٌ ( ويلسيّ – Wesley
في اللاهوت والعلم الحديث بجامعة ( دُرم – Durham ).


—————————————————————————————

مختارات لبعض التعليقات التي تلقيناها بخصوص هذا الموضوع :

– إن الكثير من المسيحيين يؤمنون بـ ( التطوّر – Evolution ) على أنه أداةُ الله في الخلق.
وهناك العديد من الثغرات في نظريّةِ ( النشوء والارتقاء – Evolutionary ) لا يمكن رتْقُها إلا بتدخِّل خارجيٍّ بسيط.

ولا يملك التطوريّون إجابات لهذه الثغرات، وسيكونون في منتهى السعادة إن تم التعتيمُ على هذا الأمر.
إلى الآن لم يتمّ البرهنة على كل من ( النشوء والارتقاء – Evolutionary ( ، و ( الخلقيّة – creationism ) ؛ فكلاهما ما زالا في طور ( النظرية – Theory ).
( دون باث – ( Don Portishead ، المملكة المتحدة  
– في كل مرة يخرج علينا العلم الحديث لإجبارنا على الإذعان لبراهين تتعارض مع الدين؛ ثم يقوم المؤمنون بالتوفيق بينها وبين اعتقاداتهم.
إن الله بالنسبة إلينا هو المعرفة. فمن أول اكتشاف الـ ( الحمض النووي – DNA ) مرورا باكتشاف كواكب أخرى خارج مجموعتنا الشمسية لا يزال المتعصبون يتمسّكون ببنادقِهم.
( بن كولين – Ben Cullen ) ، برمنغهام ، المملكة المتّحدة

– تعد اكتشافات مثل الـ ( هوبيتس – Hobbits ) ، ونظريات كالـ ( الانفجار العظيم – Big Bang ) من الطرق الرائعة التي من خلالها يمكن تأييد الدين؛ فإن ديني يخبرُني أنه قد خُلِقتْ سلالات غير بشريةٍ قبل خلقِ البشر؛ لذلك فإن اكتشافَ هذه السلالات القديمة ليس إلا تأكيدا لما كنتُ أعرفه مُسبّقا.
نفس الأمر ينطبق على نظرية ( الانفجار العظيم – Big Bang ) ، والتي تم توثيقها مذ مدة طويلة قبل أن يحصرَ العلمُ الحديثُ نفسَه فيها.
محمد خان ، لندن ، المملكة المتحدة

– بُنيت المسيحيّة على تعاليم يسوع المسيح لا على تلك الكتابات القديمة الموجودة في العهد القديم.
إن الدين والعلم ليسا في منافسة.
ولا شك يدركُ العلماء ذلك الجانب الرُّوحيّ المتأصّل فينا ، والذي لا يحتاج إلى تفسير واف، ولا يستطيع هؤلاء العلماء أن يسْبروا كُنهه.
( كولين وارويك – Collin Warwick ) ، المملكة المتحدة

– تجاهلَتْ هذه المقالة المطلوب، وفشلت فشلا ذريعا في الإجابة عن سؤال (ديزموند موريس- Desmond Morris).
كيف يمكنُ أن يكون ( إنسان الفلوريس – Flores human ) نصف إنسان ؟
فلو اعتبرناه نصف إنسان .. كيف نقوم إذن بتعريف العلاقة بينه وبين الله ؟
( أولي – Ollie ) ، أوكسفورد

– في القريب العاجل ستذعنُ الأديانُ لما قاله ( داروين – Darwin ). في القريب العاجل سيلتفتون إلى شيء آخر ذو أهمية ليقوموا به.
لقد خسروا كل المعاركِ الجدلية منذ سنين عديدة. إنهم يكتفون بإلقاء نظرة عابرة سخيفة، ثم يقولون : إن الإنسان من صُنْعِ الله. التطور يشقّ طريقه في كل مكان.
( إيان فرجيسون – Iain Ferguson ) ، بريستول ، المملكة المتحدة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد