تقول الأسطورة الإغريقية إن البطل والمقاتل الشجاع (آخيل) برغم القوة الهائلة التى امتلكها كانت لديه نقطة ضعف مميتة وهي كعبه، فإذا تلقى ضربة ولو هينة فى ذلك الكعب، ينتهي أمره في الحال. واليوم نتعرف إلى «كعب أخيل» الخاص بنظرية التطور لتشارلز داروين

علوم

منذ سنة واحدة
نوعان من القادة.. «نظرية التطور» تشرح لك ما يفعله زعماء العالم اليوم

الاسم: تشارلز روبرت داروين، الزمان: أواخر القرن التاسع عشر، المكان: بريطانيا، وبالأخص في غرفة عمل العالم الذي صاغ نظرية التطور البشري، وقدم للوسط العلمي معلومات ما زالت محل دراسة واستكشاف حتى وقتنا هذا.

ولكن هذا العالم الذي كرّس حياته لاكتشاف أصل الأنواع والكائنات، كان يجلس حزينًا، وحزنه مغلف ببعض من الغضب والاشمئزاز، تلك المشاعر التي لا تليق بشخص يضع عينه على مجموعة من الزهور، ولكن في حالة داروين كانت هذه الزهور منغصًا حقيقيًا لسعادته وسلامه النفسي في الفترة التي سبقت موته.

 كان ينظر إليها وكأنها يجب أن تكون أتفه من أن تتحول إلى لغز محير، فمن استطاع أن يكتشف حلقات التطور البشري من خلال الحفريات، يقف الآن عاجزًا عن فهم تلك النباتات، وكيف أصبحت كما هي عليه الآن، ولا يستطيع أن يجد التسلسل الدقيق لتطورها كما فعل مع البشر، فهل تقف تلك النباتات عقبة في طريقه وطريق نظريته؛ إنه لأمر حقًا «مقيت»، هكذا وصفه داروين، ليطلق على هذا اللغز في الأوساط العلمية حتى الآن، «لغز داروين المقيت».. فما قصة النبتة التي حيرت داروين والعلماء من بعده؟

تمدنا بالغذاء والثياب.. ولكن كيف ظهرت على كوكب الأرض؟

صاغ داروين تعبير «اللغز المقيت» للمرة الأولى في عام 1879 في رسالة إلى عالم النباتات جوزيف هوكر والذي كان صديقه المقرب أيضًا، ونصت الرسالة على: «أن التطور السريع لبعض النباتات في الأزمنة الجيولوجية الحديثة؛ لهو أمر يشوبه غموض مقيت».

يتمحور هذا اللغز حول نوع من نباتات اسمها العلمي «Magnoliophyta» أو النباتات المزهرة، أو كاسيات البذور، وهي سلالة من النباتات التي تنتج الأزهار وتحمل بذورها في ثمارها، وتعتبر تلك النوعية من النباتات الأكثر عددًا من بين جميع الأنواع في مملكة النباتات، وهي مصدر غذاء ودواء وكساء للبشر والحيوانات على حد سواء.

يعد القطن والكتان والطماطم والبرسيم من أهم الأمثلة على تلك النوعية من النباتات، وبشكل عام فهي تشكل الغالبية العظمى من جميع النباتات الحية المعروفة من البلوط إلى الزهور البرية، وزنابق الماء.

نبات القطن من كاسيات البذور

يعد ظهور تلك النوعية من النباتات حديث العهد على كوكب الأرض بمقياس الأزمنة الجيولوجية، ثم أخذت في الانتشار والتنوع والتلون بسرعة وصفها العلم وكأنها «انفجار» في تطورها، فقد ظهرت تلك النباتات بشكل مفاجئ في العصر الطباشيري أي أن عمرها يعود لحوالي 100 مليون عام، وقبل هذا العصر لم يجد العلماء أي حفريات للنباتات التي يمكن أن تكون تطورت منها كاسيات البذور، وقد كان هذا الظهور المفاجئ لغز محير لداروين سعى كثيرًا لحله.

«في غمضة عين»؛ هكذا وصف داروين كيفية غزو النباتات المزهرة للعالم، لأن من خلال إثبات داروين لنظرية التطور استطاع أن يجد حلقات تطور الأنواع حتى وصولها للشكل الذي نعرفه في حياتنا الآن بالتدريج وبأدق التفاصيل، والسؤال الذي كان يحير داروين وما زال يحير الكثير من علماء النباتات حتى الآن : لماذا لا يوجد تطور تدريجي في كاسيات البذور؟

في صيف عام 1881 كتب داروين لصديقه العالم: «في تاريخ مملكة الخضروات؛ ليس هناك ما هو أغرب من التطور المفاجئ جدًا والغريب لنباتات كاسيات البذور».

كاسيات البذور.. كعب أخيل نظرية التطور

في كتابه الذي نشره عام 1859 «أصل الأنواع»؛ قدم داروين نظريته عن تطور الكائنات عبر الأجيال من خلال الأبحاث التي أجراها، ووضح في كتابه أن ما يُعرف بالتطور والارتقاء، هو نظرية معقدة مفادها أن جميع الكائنات الحية تطورت من الخلية أحادية النواة نفسها، بما فيهم البشر.

بمجرد أن خرج الكتاب للنور، تعرض داروين وقتها للهجوم خاصة من الأوساط الدينية بسبب اختلاف النظرية عن العقائد الدينية، ومن بين كل المعلومات والدلائل التي قدمها داروين في هذا الكتاب عن تطور الكائنات، ظلت كاسيات البذور وكيفية ظهورها وتطورها، بمثابة «كعب أخيل» نظرية التطور، وكانت من أهم نقاط النقد العلمي لنظرية داروين في ذاك الوقت.

نبات عباد الشمس من كاسيات البذور

كان داروين يحاول تقديم نظرية التطور منفصلة عن الأديان، لكن هذا الأمر كان يصعب تحقيقه. وفي عام 1876، ألقى عالم النباتات الإسكتلندي ويليام كاروثرز، والذي كان يتمتع بشهرة واسعة في الأوساط العلمية آنذاك؛ محاضرة بمكتبة لندن الجامعية أمام لفيف من علماء الجيولوجيا؛ وضح فيها الثغرة الموجودة في نظرية التطور المذكورة في كتاب «أصل الأنواع» والذي كان حديث المجتمع العلمي وقتها.

سلط كاروثرز الضوء على المشكلات التي واجهت داروين في سجلات الحفريات الخاصة به، وركز بشدة في المحاضرة على الظهور المفاجئ للنباتات المزهرة أو كاسيات البذور، وقابل المجتمع العلمي كلامه بالاهتمام ونشرته صحيفة «التايمز» ما أثار جدلًا عامًا، وزاد من «مقت» هذا اللغز في نظر داروين.

 وصف أحد العلماء المعاصرين أن هذا النقد من عالم له مكانته مثل كاروثرز، كانت بمثابة «لعنة» أصابت داروين والمؤيدين لنظرية التطور، وذلك في الوقت الذي استخدم فيه كاروثرز في محاضرته الكثير من التفسيرات الدينية لظهور تلك النباتات، عكس هدف داروين بفصل نظريته عن الدين.

«في أيامه الأخيرة وقبل وفاته، كان هذا اللغز المقيت يفترس عقله»

 كان هذا تصريح لعالم الأحياء ريتشارد باجز في بداية العام 2021 لشبكة «بي بي سي»، والذي أكد خلال المقابلة أنه حتى الآن، وبعد ما يقرب من قرن ونصف، ما يزال هذا اللغز يحير العلماء، وكل التفسيرات التي قيلت حوله؛ مجرد محاولات للتفسير.

تفسير أم لغز جديد؟

خلال سنوات طويلة من البحث والدراسات التي نشرت بهدف حل لغز داروين المقيت، اتفق العلماء في عام 2019 على أن السبب الرئيسي وراء انتشار وهيمنة كاسيات البذور هو قدرتها على إعادة تشكيل حجم مادتها الوراثية – الجينوم- والذي تبين أنه تناقص لدى تلك النباتات وصغر حجمه، وكلما كان حجم الخلية أصغر كان أكثر تطورًا؛ نظرًا لأن تلك الخلية الصغيرة المكونة للنبات تحتفظ بجميع الخصائص الضرورية للحياة.

مجموعة صور تجسد أمثلة كاسيات البذور الموجودة على الأرض الآن

ومن خلال تقلص حجم المادة الوراثية الموجودة داخل نواة الخلية يمكن للنباتات بناء خلاص أصغر، وهذا يسمح بزيادة امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتشكيل الكربون من عملية التمثيل الضوئي، وهي العملية التي تستخدم بها النباتات الطاقة الضوئية لتحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى الجلوكوز والأكجسين، ما سمح لكاسيات البذور أن تجمع المزيد من الأوردة والمسام في أوراقها، وهو ما ساعد على انتشارها وهيمنتها، ووصف العلماء هذا التفسير بأنه معتمد على دلائل «دامغة» وأنه يعتبر الإجابة الأكيدة عن سؤال: «لماذا انتشرت كاسيات البذور سريعًا؟»

لكن هذا التفسير يطرح سؤالًا جديدًا وهو: كيف استطاعت كاسيات البذور أن تقلص حجم مادتها الوراثية؟

محاولات أخرى

في دراسة نُشرت بداية هذا العام 2021 في المجلة العلمية Nature Ecology & Evolution، أشار مؤلفو الدرسة أنهم قد يكونون توصلوا لحل اللغز من خلال تحليل حفريات النباتات بأحدث الوسائل المتاحة لهم، موضحين أن عدم وجود حفريات كاسيات البذور قبل ظهورها المفاجئ، قد يعود إلى انخفاض احتمالية تحجر المواد في تلك العصور القديمة من العصر الجوراسي والعصر الطباشيري فلم تصمد حفرياتها على مر العصور، أو بسبب أن تلك النباتات كانت في بدايتها قليلة العدد.

 ووضح المؤلف الرئيسي العالم دانييلي سيلفسترو أن النباتات كاسيات البذور ربما كانت تعيش في البداية بأعداد قليلة للغاية في ظل النباتات عاريات البذور والتي كانت تسيطر وقتها على النظم البيئية، حتى استطاعت كاسيات البذور أن تحتل مكانتها الحالية في العصور التالية.

لكن لم تجب الدراسة عن كيفية تقلص المادة الوراثية، التي سمحت لكاسيات البذور بأن تكون هي النباتات المهيمنة على كوكب الأرض، لتشكل نحو 90% من مجموع أنواع النباتات الحية، بما في ذلك معظم المحاصيل الغذائية!

علوم

منذ 6 شهور
6 شواهد تشرح لك كيف لا يزال تطور البشر مستمرًّا!

وفي المقابل ذكر المؤلف المشارك للدراسة البروفيسور فيليب دونوجيو من جامعة بريستول في المملكة المتحدة بالدراسة، أننا: «لا نتوقع من هذه الدراسة أن تضع حدًا للجدل الدائر حول كاسيات البذور، ولكنها على الأقل خطوة في طريق حل هذا اللغز».

بعدها بأربعة أشهر، وفي دراسة أخرى نُشرت في شهر مايو (أيار) من العام الجاري، اعتمد مؤلفو الدراسة على مجموعة من حفريات النباتات المحفوظة جيدًا من العصر الطباشيري، والتي يعود تاريخها إلى 125 مليون عام من الصين، وهذه الحفريات على شكل هياكل تشبه الأكواب وتحيط بها البذور، وأشاروا أن تلك النباتات التي تشبه الأكواب هي من الأسلاف المحتملة للنباتات كاسيات البذور، لكن ظهرت دراسة بعدها تنتقد هذا التفسير.

ووضح القائمون على الدراسة الثانية، أن النباتات الموصوفة حفرياتها كانت موجودة في نفس توقيت كاسيات البذور، لذلك لا يمكن أن تكون الأخيرة قد تطورت عنها، بل إنهما قد يكونان «أبناء عمومة» على أقصى تقدير.

وحتى وقتنا هذا يعد هذا اللغز المقيت محيرًا للكثير من العلماء، وكلما أجابوا عن تساؤل؛ يفتحون بابًا لتساؤلات جديدة، ويظل هذا اللغز أيضًا سلاحًا في يد المعارضين لنظرية التطور، ودائمًا ما يلوحون به على أنه ثغرة لا يمكن تجاهلها في النظرية التي نشرها داروين في كتابه أصل الأنواع، ومن يدري ما الذي سيكشفه العلم عن الأمر في المستقبل، حتى يعرف البشر -علميًا- من أين أتت تلك النباتات التي تمدنا بالطعام والملبس والدواء.

المصادر

تحميل المزيد