كثير من الناس تعتقد أنه ليس هناك جاذبية في الفضاء الخارجي، فبمجرد أن نقوم بالخروج من الغلاف الجوي للأرض، فإننا لا نكون تحت تأثير جاذبية الأرض أو أي أجرام سماوية أخرى.

كثير من الناس يعتقدون أنه ليس هناك جاذبية في الفضاء الخارجي، فبمجرد أن نقوم بالخروج من الغلاف الجوي للأرض، فإننا لا نكون تحت تأثير جاذبية الأرض أو أية أجرام سماوية أخرى.

والدليل على هذا الأمر واضح وضوح الشمس، فرواد الفضاء المسافرون على متن الرحلات الفضائية يمكنهم الطيران داخل مركباتهم بحرية تامة، حتى أنهم إذا ما سكبوا كوبا من الماء فإن المياه لا تسقط على الأرض، بل تطير في جو المركبة.

أيضا، رواد الفضاء يمكنهم الطيران، والسباحة، بسلاسة كاملة في جميع الاتجاهات والزوايا، عندما يقومون بتنفيذ أية مهام خارج مركباتهم الفضائية، إلى حد أنهم يكونون بحاجة إلى أجهزة دفع خاصة؛ حتى يتمكنوا من توجيه أنفسهم للمكان الذي يريدونه.

تغيير المفاهيم

قد يبدو هذا الأمر صحيحا ظاهريا، لكن الحقيقة تختلف عن هذه النظرة البسيطة كثيرا؛ فإذا كان الأمر كما يبدو لما كان القمر يدور حول الأرض، لأن جاذبية الأرض يصل مداها إلى حد أنها تسيطر على القمر، وتجبره على الدوران حولها منذ ملايين السنين.

وإذا كان الأمر صحيح أيضا لما كانت هناك مجموعة شمسية من أساسه، فجاذبية الشمس تتمكن من السيطرة على آلاف الأجرام السماوية، ومن بينها الكواكب الثمانية العملاق، على امتداد ملايين الكيلومترات، وبالتالي فإن أية كتلة توجد في نطاق المجموعة الشمسية هي تقع على الأقل في نطاق الجاذبية الشمسية كحد أدنى (أضف لهذا جاذبية الكواكب والأقمار والكويكبات).

هنا علينا أن نفرق بين ما يشعر به رواد الفضاء من “انعدام الوزن” وبين ما يذهب العامة إلى تسميته بعدم وجود الجاذبية في الفضاء، فكل كائن في الفضاء هو في الحقيقة تحت تأثير عدد لا يحصى من قوى الجاذبية، إلى درجة أنه خاضع لجاذبية الثقوب السوداء أيضا.

جاذبية نيوتن

هنا نحن بحاجة لمعرفة ما هي الجاذبية؟

طبقا لكلاسيكيات العالم الإنجليزي إسحق نيوتن، فإن الجاذبية تمثل عملية الجذب المتبادل بين جسمين، ومدى قوة هذا الجذب يعتمد على كتلة كل من الجسمين ومربع المسافة بينهما، طبقا لما بينه قانون نيوتن للجذب العام. فكلما زادت الكتل كلما زادت الجاذبية، وكلما بعدت المسافة كلما قلت الجاذبية، لكنها، وهذا هو المهم، لا تصل إلى الصفر أبدا مهما ابتعد الجسمان عن بعضهما البعض.

على سبيل المثال، فالمحطة الفضائية الدولية، تدور على بعد 354 كيلومتر فوق سطح الأرض، فما هي قوة الجاذبية المؤثرة عليها في رأيك؟ بالتأكيد ستكون توقعاتك أنها قوى قليلة جدا مقارنة بقوة الجاذبية الموجودة على سطح الأرض.

الحقيقة أن جاذبية الأرض المؤثرة على المحطة الفضائية الدولية تبلغ 90% من إجمالي قيمة الجاذبية الموجودة على سطح الأرض. وبالتالي فإن الجاذبية الأرضية لاتزال تجذب رواد الفضاء الموجودين بالمحطة باتجاهها.

هنا نحن بحاجة للتعرف على مفهوم جديد في علم الفيزياء اسمه “السقوط الحر”.

السقوط الحر

جاذبية الأرض تؤثر بالفعل على جميع الأجسام الموجودة على سطح الأرض أو الموجودة بالقرب من سطحها. فنحن نشعر بأثر هذه الجاذبية نتيجة كتلة كل منا، وهذه الجاذبية تترجم إلى قوى جذب باتجاه الأرض تبلغ 9,8 متر لكل ثانية مربعة.

وهذا الأمر هو ما يفسر لنا لماذا يحتاج رواد الفضاء إلى آلات دفع عملاقة وكميات وقود هائلة لدفع المركبات الفضائية إلى خارج الغلاف الجوي للأرض.

ومما ذكرناه سابقا يتبين لنا أن كل جسم أو مركبة فضائية موجودة خارج سطح الأرض هي في الحقيقة تحت تأثير عملية سقوط حر باتجاه الأرض. تخيل أنك تركب أسانسير وأنك حاليا في الطابق رقم 100، ما الذي سيحدث إذا ما انقطع الكابل الخاص بالأسانسير وبدأ يهوي؟ في هذه اللحظة أنت تسقط سقوطا حرا وستلاحظ أنه يمكنك التحرك والطيران داخل الأسانسير بحرية تامة.

الأجسام التي تدور حول الأرض هي أجسام تسقط باتجاه الأرض، لكن ما يمنعها من الاقتراب من الكوكب هو أنها تقوم بتوليد سرعة أفقية (أو يطلق عليها السرعة المماسية) بحيث يظل الجسم ينزلق في مسار دائري عمودي على اتجاه قوة الجاذبية الأرضية، مما يشكل “مدارا” لهذا الجسم حول الأرض.

هذه السرعة في المعتاد تبلغ ما بين 27 – 29 ألف كيلوكتر في الساعة. وبالتالي فإن الجسم يسقط بالفعل سقوط حرا، لكن السرعة المماسية تجعل السقوط عموديا على سطح الأرض، فيظل يدور حول الكوكب. من هنا فإن رواد الفضاء على متن أية مركبة فضائية يشعرون فعليا بأنهم بلا وزن.

من هنا يمكننا تخيل كيف نشأت مدارات الكواكب حول الشمس، وكيف نشأ مدار القمر حول الأرض. وإذا ما علمنا بأن كتلة الشمس تمثل 99% من إجمالي كتلة المجموعة الشمسية، فسنعرف حينها مدى قوة جاذبيتها على جميع أجرام وكواكب المجموعة الشمسية.

جاذبية أينشتاين

ويمكن توضيح فكرة الجاذبية الموجودة في كل جزء من الفضاء حولنا من خلال اعتماد النموذج الأحدث لتفسير الجاذبية، جاذبية النظرية النسبية لأينشتاين.

حسب نظرية نيوتن فإن الجاذبية هي “قوة”. لكن طبقًا لأينشتاين فإن الجاذبية هي “مجال” موجود حول كل جسم له كتلة، وخاصية من خصائص المكان. نظرية النسبية تقول إن الجاذبية عبارة عن انحناءات في الفراغ تتسبب بها الكتلة، وكلما كانت كتلة الجسم أكبر كلما كان انحناء الفضاء أو الفراغ حوله أكبر.

وتقول النسبية أن الأجسام ذات الكتلة الأقل سوف تقع في الانحناء الذي صنعه الجسم الرئيسي ذو الكتلة الأكبر، وبالتالي فإن الجسم الرئيسي سيقوم بأسر الأجسام الصغيرة في مجال جاذبيته. أحدثت النسبية في مطلع القرن العشرين تغييرا ثوريا في مفهوم الجاذبية واستطاعت أن تقدم تفسيرا مقبولا لكيفية نشأتها، وهو ما لم يقدمه نيوتن.

جاذبية أينشتاين هذه لا تؤثر على الأجسام فقط، لكنها تؤثر أيضًا على كل أشكال المادة والطاقة على حد سواء.

وتقول النسبية إن وجود الأجسام العملاقة مثل الشمس لا يسبب انحناءً في المكان المحيط فقط، لكنه يسبب انحناءً فيما يسمى “الزمكان”، وهو الأبعاد المكانية الثلاثة مضافًا لها بعد الزمن.

ويمكننا تقريب الفكرة بتخيل أنك أتيت بملاءة أو غشاء من المطاط المشدود، ثم ألقيت كرة فوقه فإنها ستتدحرج بشكل مستقيم، لكن إذا ما كانت هناك كرة موضوعة في منتصف الملاءة فإنها ستسبب انحناء في سطح الملاءة يتسبب في أن الكرة المتدحرجة ستتخذ مسارا باتجاه الكرة الثابتة.

تخيل أن الملاءة غير مرئية بالنسبة لنا، سنقول في هذه الحالة إن الكرتين قد انجذبتا لبعضهما البعض، لكن الحقيقة هي أن هذا الانجذاب سببه انحناء في الزمكان حول إحدى الكرتين.

من هنا فإن المركبات الفضائية لا تتأثر بقوة جذب صادرة من الأرض، لكنها تتبع الانحناءات الموجودة في الزمكان حول الأرض، ومن المنطقي أن اتباع المركبات الفضائية لهذه الانحناءات سيتسبب في سقوطها باتجاه الأرض.

هنا نعود مرة أخرى إلى موضوع السرعة الأفقية التي تجعل المركبة الفضائية توازن مجال الجذب هذا مما يجعل المركبة تدور بدلا من الاقتراب من الأرض.

لمزيد عن مفهوم الجاذبية يمكنك متابعة هذا التقرير.

عرض التعليقات
تحميل المزيد