في عام 2002 أصدر الكاتب والمؤرخ الأمريكي أندرو كارول كتابًا يضم خطابات ورسائل عن الحرب. متحدثًا بشكل خاص عن الجنود التابعين للولايات المتحدة الأمريكية والذين اشتركوا في حروبها المتعددة وعايشوا تلك التجارب الصعبة. يستعرض الكتاب انطباعاتهم ومشاعرهم ومآسيهم ولحظاتهم المقدسة الخاصة التي يحكون عنها لأصدقائهم وذويهم وأحبائهم من خلال الخطابات المرسلة إليهم. هناك رسائل تعود إلى الحرب الأهلية، الحرب العالمية الأولى، الثانية، الحرب الباردة، وحرب فيتنام والعديد من الحروب الأخرى. نستعرض هنا خطابًا مترجمًا عن الحرب العالمية الأولى.

كانت هناك حرب، حرب هائلة، ولكنها انتهت الآن

في الحادي عشر من نوفمبر عام 1918، انتهت الحرب العالمية الأول بشكل نهائي مع التوقيع على الهدنة – وهي اتفاق بين الحلفاء والقوات الألمانية من أجل إنهاء كل أنواع القتال فورًا وسحب القوات من ميدان المعركة. حل الهدوء أخيرًا بعد أربع سنوات من الصراع وأكثر من 16 مليون قتيل. بعد فترة قصيرة من توقيع الهدنة، كتب لويس بلاش – البالغ من العمر 26 عامًا والملازم في قوات التدخل السريع الأمريكية- خطابًا إلى والديه، وتحدث ببلاغة عظيمة عن تجربته. ثم عاد إلى وطنه في فبراير من العام 1919.

“على متن الناقلة البحرية إس. إس. ريجينا

أمي وأبي العزيزين،

الآن بعد أن انتهى كل شيء، ما الذي تبقى لي حتى أستعيده؟ الخمسة عشر شهرًا في فرنسا كانت مثل كتاب يحوي فصولًا غامضة. كتاب يقرأه المرء ويحاول وضعه جانبًا إن أمكنه ذلك، ولكنه يترك أثره القوي كقبضة صارمة، وبشكل يفوق الخيال.

تعودت على مشاهدة الطائرات الصغيرة وهي تناور في الهواء، و تمنيت كثيرًا أن أقود واحدة. أصبح الطيران حقيقة عندما تعلمت قيادة طائرة “كودرون” آمنة. بعد ذلك جاءت مدرسة نيوبورت وطائرات التدريب الخاصة بها بأنواعها الثلاثة، طائرة التحكم المزدوج بطول 23 مترًا، طائرة التحكم الفردي بطول 18 مترًا، وأخيرًا طائرة الاستطلاع بطول 16 مترًا. ثم الطيران بشكل أكروباتي، القيام بعمل أشكال في الهواء، التدريب القتالي، وحلقة دراسية لمدة شهر في الدفاع الجوي.

انتهى التدريب وسيبدأ الآن الاستعداد لمهمتنا على الجبهة.

بدت تلك الجملة كصوت داخل حُلم. بعد أيام قليلة كنت أقف بالفعل على خط القتال.

طرت مجددًا في رحلتي الجوية الأولى فوق خطوط القتال عندما بدا كل شيء جديدًا، غامضًا، ومخيفًا. لن تُمحى أبدًا البصمة التي تركتها تلك الصورة بداخلي، وسأظل إلى الأبد أراها أمامي. صورة ليست عن الحرب والتدمير، بل عن كل شيء جميل ومسالم. هناك بالأسفل، في ذلك الأسفل البعيد، يمر ببطء مشهد تلو الآخر، مشاهد محاطة بإطار سميك من السُحب، الألوان، الظلال، وضوء أبيض باهر. هناك على يميني مدينة ميتس، وعلى يساري تقع مدينة نانسي، مثل جوهرة مستقرة وسط الأخضر الداكن. الأولى مدينة ألمانية، والأخرى فرنسية. هل من الممكن أن يتحول رجال كل مدينة منهما إلى أعداء ألداء لنا ويحاربون من أجل أن يقتلوا؟

لم يمر الوقت حتى اكتشفت سريعًا أن هذا السلام لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة. وعندما انطلقت هذه العاصفة في ضراوة مفاجئة صباح الثاني عشر من سبتمبر، رأيت أن صورتي المسالمة قد تمزقت وتحطمت تمامًا.

أعيش مجددًا كل ما حمله ذلك اليوم من زخم. قبل طلوع الفجر والبنادق تدق أعداءنا وتسحقهم. خط الأفق الشمالي بأكمله مضاء بومضات متتابعة. إنه الشروق الآن ونحن نترك الأرض لنلعب دورنا الصغير وسط صراع مروع. سُحب منخفضة والمطر الخفيف يجبرنا على الطيران بالقرب من ميدان المعركة، لذلك نستطيع من ارتفاعنا هذا أن نرى جيشًا كبيرًا داخل المشهد.

أرى ثانية دبابات هائلة تصاحب مؤخرة الجيش، تتهادى وتشق طريقها في اتجاه بلدية مونتسيك والعساكر في اللون الكاكي معلقة فوقها. الطرق معبأة بالجنود، تطارد أحدهم أو يطاردها آخرون. القوات المنهزمة تجري داخل الغابات ثم خارجها عندما تصبح المنطقة بأكملها مشتعلة بواسطة القذائف المتفجرة. دبابة تقع على أحد جوانبها هنا، شاحنة محطمة هناك، أحصنة تركض بجنون وهي تحاول الهرب. أعداؤنا يعيشون توترًا تامًا وهائلًا بسبب التقدم السريع لقواتنا الخاصة. لم تستمر ضراوة العاصفة طويلًا، ولكن قصة العدوان الذي حدث على سانت ميشيل لن تزول أبدًا.

أرى وأعيش من جديد الأسابيع الطويلة من النضال في منطقة الأرجون، حيث كان مراوغة القذائف مهمة روتينية، الغارات الجوية حدث يومي، ومهاجمة قوات الأعداء عمل خطير، ولكنه معتاد.

أستطيع سماع صوت الرشاشات الهادرة وهي قادمة من الأرض وتحاول يائسة أن تصيبنا في الهواء بينما نحن ننقض على جنود العدو في الأسفل ونمطرهم بوابل من الرصاص المميت. رصاصة واحدة تصيب الموتور، خزان وقود مثقوب وشعلة من اللهب، أو خط تغذية مقطوع، وتنتهي اللعبة. تضيع إلى الأبد.

أستطيع سماع القذائف وهي تنفجر بالقرب. أشعر بالطائرة بينما قذيفة متفجرة تخل بتوازنها وتجعلها تدور حول نفسها، ولكن بحركة سريعة من أجهزة التحكم تستقيم مرة أخرى وأطير بها عاليًا. كتلة من دخان أسود على يميني، شظايا متطايرة، أجنحة منسحقة. تسجل القذائف نصرًا آخر. وصديق عزيز آخر فقدته. يذهب بمفرده بعيدًا نحو الغرب.

مرارًا ومرارًا أعيش تلك اللحظة العصيبة. نظرة سريعة عابرة إلى الخلف وأرى شبحًا مشئومًا لطائرتي هاون تمرقان مباشرة باتجاهي من الأعلى. أقود بمفردي والهروب يبدو مستحيلًا. طائرة منهما الآن تكاد تكون فوقي تمامًا، وأحاول الالتفاف بشكل سريع بينما تطلق قذيفتها من مدى قريب للغاية. أرى مجددًا خيوط النار. أبخرة فسفورية من الرصاص الحارق تمتلئ بها مقصورة الطائرة وتنشر رائحتها المثيرة للغثيان. الموتور مدمّر وأحارب من يحاربوني من أجل أن أنجو بحياتي.

أطير أخيرًا، وتشكيلات هائلة من قاذفات القنابل في غاراتها النهارية تأخذ مكاني مع طائرات الاستطلاع. نقوم بتمشيط السماء بحثًا عن العدو. العدو يظهر ويبدأ قتالًا عنيدًا. واحدة، اثنان، وربما أكثر، طائرات مشتعلة تصطدم بالأرض، صديقة وعدوة، ويعود قاذفو القنابل بعد أن انتهت مهمتهم.

“لم تعد إحدى طائراتنا”، يقول التقرير الرسمي الصادر عن ذلك اليوم. ننظر إلى بعضنا البعض ولا نجرؤ أن نسأل بصوت عالٍ عمّن سيكون التالي.

يظهر أمام عيني الآن ثلاثة رفقاء، ثلاثة أصدقاء تشاركوا نفس المأوى في بيت لعائلة فرنسية قريبًا من ميدان الإقلاع، حيث كنا نعمل ونلعب سويًّا. أنا واحد من الثلاثة. الاثنان الآخران لم يعودا أبدًا.

كيف أقدر على نسيان تلك الليلة حين كنا نجلس سويًّا أمام المدفأة. كنت أكتب رسالة على ضوء شمعة وحيدة، وأنت يا روث، كنت تقرأ بصوت عالٍ من كتاب شعر، وحماستك التي تشتعل فجأة تجعل النار تتراقص. كنت تشعل النيران يا كيني وتعيد إشعالها وأنت تلعب بالجمرات المتوقدة بواسطة ملقط الفحم، معيدًا تلك الشرارات المتطايرة إلى سريرها.

ماذا كنا نعلم عما سيأتي به الغد. في الليلة التالية أنا وأنت يا كيني كنا نجلس بمفردنا عند المدفأة. ليالٍ قليلة بعدها، كنت أجلس عندها بمفردي وأنتظر. إنها نفس القصة دائمًا: قتال مع العدو وواحدة من طائراتنا لم يُكتب لها العودة.

أسير من جديد عبر ميدان المعركة بأمواته الجدد وأطلاله، قرى مهدمة تقف كآثار شاهدة على العدوان. أسلاك ممزقة ومتشابكة تغطي الأراضي والمنحدرات الجرداء. كل شيء متجرد من الروح ولكنه مغطى بنفايات الحرب. بنادق محطمة، قطع ملابس، قذائف، وبقايا حزينة تدل على أن حياة كانت هنا.

كانت هناك حرب، حرب هائلة، ولكنها انتهت الآن. رجال يحاربون ليقتلوا، ليصيبوا، ليدمروا. يعضهم يعود إلى الديار، والبعض الآخر يبقى متخلفًا إلى الأبد في ميادين رأت أعظم تضحياتهم. مكافأة من ماتوا هي أن ينالوا مرتبة الشرف الدائمة. ومكافأة من عاش هي أن يحظى بضمير مرتاح إذا اختار أن يخوض لعبة الحياة باستقامة.

مع حُبي،

الملازم/ لويس س. بلاش

عرض التعليقات
تحميل المزيد