3,581

الأمر التنفيذي الذي وقَّعه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الماضي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ما زالت له العديد من التبعات، سواء كانت على إيران، أو على أوروبا، أو على الولايات المتحدة نفسها، أو حتى على العالم أجمع، حيث إن تأييد عدد من الأطراف لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق قد يكون مقدمةً لحربٍ قادمة في الأفق بين إيران وإسرائيل.

الجدير بالذكر أنَّ الاتفاق كان قد وقَّعه الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، عام 2015، وشاركت فيه عددٌ من القوى الدولية العالمية؛ بحيث يكون الاتّفاق من ستة أطراف مع إيران، أي بين إيران ومجموعة 5+1، وهي التي يُقصد بها الدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا، والصين، وبريطانيا، بالإضافة إلى الطرف السادس، وهو ألمانيا، والتي تتولى المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي منذ عام 2006.

وبانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق، فإنَّ عددًا من العقوبات التي قد رُفعت عن إيران بسبب الاتفاق ستعود مرة أخرى؛ حيث كان هدف الاتفاق من البداية هو رفع عدد من العقوبات المفروضة على إيران، بالإضافة إلى رفع الحظر عنها، في مقابل قيامها بتقليص نطاق قدراتها النووية، ومنح المفتشين الدوليين إمكانية الوصول إلى منشآتها النووية.

«كابوسًا مُروِّعًا»: بالأرقام.. من يفوز لو قامت الحرب بين إيران وإسرائيل؟ 

لن يتم إعادتها على الفور

وقَّع ترامب على مذكرة الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني يوم الثلاثاء الماضي الذي وافق 8 مايو (آيار) 2018؛ حيث وضع مؤقتًا للعدّ التنازلي لمدة 180 يومًا لوزير الخارجية، مايك بومبيو، ووزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوتشين، من أجل إعادة فرض جميع العقوبات التي خُفِّفت عن إيران بموجب الاتفاق مرة أخرى.

ولن يتم إعادة العقوبات على الفور، ولكن على مدى عدة أشهر؛ وذلك حتى تتمكن الشركات الأمريكية من التخلص التدريجي من عملياتها واستثماراتها في إيران؛ حيث إن توقيع الاتفاق بين الأطراف المختلفة وإيران عام 2015 فتح الباب أمام الشركات الأمريكية والدولية من أجل توقيع عقود تجارية، واستثمار أموالها في عدد من المشروعات في الجمهورية الإسلامية.

وقد قُسِّمت العقوبات على دفعتين: فبالنسبة للدفعة الأولى، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنَّه بحلول يوم 6 أغسطس (آب) القادم، ستعود عدد من العقوبات المفروضة على إيران، وهي العقوبات على إيران بمنع تداول أو شراء الدولار الأمريكي، وكذلك العقوبات حول تداول الذهب والمعادن النفيسة الأخرى، والعقوبات على بيع أو شراء أو تجارة إيران من عدد من المعادن، مثل: الألومنيوم، والصلب، والجرافيت، والفحم، فضلًا عن عدد من التقنيات الخاصة بالعمليات الصناعية.

بعيدًا عن العقوبات.. 5 أسباب وضعت إيران في مأزق اقتصادي فجر المظاهرات

كما أنَّه من المتوقَّع أن تفرض عقوبات مرة أخرى على العملة الإيرانية، الريال الإيراني؛ حيث سيتم فرض عقوبات على المبيعات الكبيرة بالريال الإيراني، أو على أولئك الذين يحتفظون بأموالهم خارج البلاد بالريال الإيراني، أو لديهم حسابات كبيرة في البنوك بالريال الإيراني، بالإضافة إلى عقوبات على السيارات الإيرانية.

الجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة أيضًا ستقوم بإلغاء بعض التصاريح التي مُنحت لإيران بموجب الإتفاق مع القوى الكبرى من قبل، مثل قدرة إيران على تصدير السجاد، والأغذية إلى الولايات المتحدة، فضلًا عن إنهاء بعض المعاملات المتعلقة بالتراخيص.

عودة جميع العقوبات قبل نهاية 2018

عودة العقوبات المفروضة على إيران مرة أخرى سينقسم على دفعتين: إذ إن الدفعة الأولى من العقوبات ستعود بعد 90 يومًا من توقيع ترامب على قرار الانسحاب من الاتفاق، أي في السادس من أغسطس 2018؛ بينما الدفعة الثانية والأخيرة من العقوبات تعود مرة أخرى على إيران بعد 180 يومًا من توقيع ترامب على قرار الانسحاب، أي بحلول 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

وحسب توضيحات وزارة الخزانة، فإن الولايات المتحدة ستستأنف جهودها للحدّ من صادرات النفط الإيرانية بعد 180 يومًا، وخلال هذه الفترة ستجري الخارجية الأمريكية مشاورات مع دول أخرى، وستقيِّم مدى تقليص الدول الأجنبية لمشترياتها من النفط الإيراني. من جانبه، أكد وزير الخزانة الأمريكي، ستيف منوشين، أنه لا يتوقع زيادة أسعار النفط، مشيرًا إلى أن أطرافًا أخرى ستكون مستعدة لزيادة الإنتاج للحفاظ على العرض، دون أن يذكر ما هي الدول التي قد تقوم بذلك.

وبالنسبة للدفعة الثانية من العقوبات، فإنها تعود بعد 180 يومًا من توقيع ترامب على قرار الانسحاب، أي في الرابع من نوفمبر 2018؛ حيث تشمل هذه العقوبات، من بين أمور عديدة، العقوبات المفروضة على قطاع الشحن الإيراني بأنواعه، خاصةً الشحن البحري، والعقوبات على صادرات النفط الإيرانية والمنتجات البتروكيماوية، والعقوبات على البنك المركزي الإيراني، والمؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل معه، والمؤسسات المالية الإيرانية الأخرى، وفرض عقوبات أوسع على قطاع الطاقة الإيراني.

العقوبات في الدفعة الثانية ستشمل أيضًا عقوبات على أفراد إيرانيين، وهي التي قد تم رفعها بعد الاتفاق النووي الإيراني؛ حيث إنه من المتوقَّع أن تعود مرة أخرى بحلول نوفمبر، وربما قبل ذلك. الجدير بالذكر أنه بحلول يوم الخامس من نوفمبر 2018، فإن إدارة ترامب لن تسمح لأي كيانات أمريكية بالدخول في أي معاملات مع إيران مرة أخرى.

واشنطن بوست: خمس أساطير حول العقوبات

عقوبات غير مباشرة

بالرغم من أن أمريكا تسعى إلى عودة العقوبات على إيران مرة أخرى، إلا أن هناك عقوبات غير مباشرة فُرضت تلقائيًا بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني؛ حيث إنه سيكون لقرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران تبعات اقتصادية ملموسة على الشركات الأوروبية والأجنبية الموجودة في السوق الإيرانية أو التي ترغب في دخولها.

الجدير بالذكر أن قرار ترامب يقضي بمحاسبة كل الشركات، بما فيها الأوروبية، على خرق تلك العقوبات بإبقاء معاملاتها مع إيران؛ مما أثار الجدل لدى شركاء الولايات المتحدة الأمريكية من أوروبا، والذين يسعون للتوحُّد في مواجهة القرار الأمريكي والالتفاف وراء قوانين دولية قديمة من أجل إيقاف تنفيذ هذه العقوبات، خاصةً بعد المهلة التي منحتها إدارة ترامب لهم من أجل الانسحاب من الأسواق الإيرانية، والتي تراوحت بين 90-180 يومًا.

مصر وقطر وتركيا منهم.. أبرز المتضررين اقتصاديًا من أزمة ترامب مع إيران

من جانبها، وصفت إدارة ترامب أن المهلة التي قُدرت بـ90 يومًا مبدئيًا أو 180 يومًا، تمثل فترة «إعادة توجيه»، وهي من أجل السماح للشركات الأجنبية التي تعمل في إيران؛ سواء كانت أمريكية أو أوروبية أو غيرهما، بأن تعمل على تقليل أضرارها، وإنهاء عملياتها التجارية في إيران.

وأوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الحكومة الأمريكية لديها ممارسات سابقة في العمل مع الشركات الأمريكية في الدول المختلفة؛ مما أعطى لها خبرة في العمل على تقليل تأثير العقوبات على الأنشطة والمشروعات الموجودة لدى هذه الشركات.

أوروبا غاضبة.. وقد تهدِّد الولايات المتحدة

في الوقت الذي أكد فيه كلٌّ من فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، أنهم مستمرون في الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران والعلاقات التجارية المتنامية ما دامت إيران ملتزمة بتعهداتها، قال وزير المالية الفرنسي، برونو لو مير: إن أوروبا مستعدة لتقديم أي إجراءات من أجل إبطال تأثير ترامب في فرض العقوبات على أية شركة غير أمريكية لا تزال تتعامل مع إيران، محذرًا ترامب بأن «مقترحات تحويل أوروبا إلى جزء من السياسة الخارجية الأمريكية بشأن إيران قد يؤدي إلى رد فعل عنيف من قبل الشركات والسياسيين في الاتحاد الأوروبي، وخاصةً مع أولئك المؤيدين المهتمين باستقلالية السياسة الخارجية الأوروبية».

وكان «لو مير» قد أكد أنه على الدول الأوروبية العمل سويًا من أجل الدفاع عن سيادتهم الاقتصادية الأوروبية، مؤكدًا أن أوروبا يمكنها أن تستخدم نفس الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحفاظ على مصالحها، في إشارة إلى العقوبات.

السؤال المطروح الآن، هل تستطيع أوروبا الوقوف أمام ترامب وعقوباته؟ الإجابة ربما؛ حيث إن هناك تشريعًا منذ عام 1996، كان يهدف إلى مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على كوبا؛ وقد ذكرت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» أن هناك مسؤلين في الاتحاد الأوروبي يعكفون على تعديل هذا التشريع من جديد لتفادي العقوبات الأمريكية الأخيرة على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران.

«العقوبات الاقتصادية»: وجه آخر للحرب

الجدير بالذكر أن حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإيران خلال عام 2017 بلغت مستويات غير مسبوقة؛ إذ بلغت قيمة إجمالي الصادرات الأوروبية إلى إيران من البضائع والخدمات 10.8 مليار يورو، بينما بلغت الواردات من إيرادات إلى الاتحاد الأوروبي 10.1 مليار يورو.