تحولت أنماط حياة الأسر الحاكمة في ممالك الخليج وأوروبا للأمراء والأميرات وأصحاب الألقاب الملكية إلى صورة مثالية في خيالات الملايين من متابعيهم. فهم يحظون بالمال والسلطة معًا، دون جهد منهم، ويتمتعون بشهرة واسعة في العالم آسره، تجعلهم محط أنظار العالم دومًا، وأشخاصًا يتودد لهم الجميع.

هذه الصورة ترسخت بسبب تصدر أخبار أفراد هذه الأسرة صفحات الصحف العالمية التي تحتفي بتبرعاتهم السخية، أو تحكي قصصًا من حياتهم، وتكشف حياة الرغد في مراحلهم العمرية المختلفة داخل القصور التي يسكنونها، رفقة أبناء الخدم المسؤولين عن تلبية احتياجاتهم، بصلاحيات استثنائية وسلطات مُطلقة تجعلهم يفعلون ما يريدون.

سياسة

منذ سنتين
الأرستقراطية الملكية: ماذا تعرف عن القواعد الصارمة للعائلة المالكة في بريطانيا؟

غير أن الصورة السابقة يُناقضها مشهد آخر يعكسه اختيارات أفراد منتمين لهذه الأسر ممن تحولت حياتهم بفعل أنسابهم الملكية إلى «جحيم». فقد حاول هؤلاء التخلص من عبء الانتماء داخل هذه الأسر بطرق مختلفة، بعدما أصبحوا عاجزين عن التعايش مع القيود والتحكمات التي حولت الشهرة والأموال الوفيرة لأشياء يمقتوها.

الوجه الآخر للحياة الملكية: قيود وتحكمات في الحب والزواج والحركة

تتباين امتيازات الانتساب للأسر الملكية بين الممالك الخليجية وأوروبا؛ إذ يضمن انتهاء اسمك في الخليج بعائلة الملك حيازة أراضي ومشاريع تجارية بملايين الدولارات داخل وخارج البلد، وتتلقى مخصصات شهرية ومنح سخية، بسلطات واسعة دون مساءلة أو محاسبة، فضلًا عن وظيفة مرموقة في منظومة الحكم بعد انتهاء دراستك الجامعية.

الأسرة البريطانية المالكة

واحدة من أبرز هذه الأسر هي آل سعود، التي كشفت مذكرة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) 2017 أن إجمالي المخصصات المالية التي كانت تدفع لأفرادها تصل لنحو  2 مليار دولار من إجمالي ميزانية الدولة التي تبلغ 40 مليار دولار، أو ما يعادل 5% من إجمالي الإنفاق العام. وتُظهر المذكرة أن الرواتب كانت تتراوح آنذاك ما بين 270 ألف دولار شهريًّا لأبناء الملك المؤسس و8 آلاف دولار شهريًّا لأحفاد الأحفاد، في حين كان بعض الأمراء يحصلون على منح تتراوح بين مليون إلى 3 مليون دولار أمريكي في صورة هدايا زفاف لتأسيس قصورهم.

بينما تنحصر الامتيازات للفرد المنتسب لأسرة ملكية في القارة العجوز مثل بريطانيا، إسبانيا، النرويج، وبلجيكا؛ في نيل شهرة تجعل كاميرات الأضواء تلاحقك أينما ذهبت، حاظيًا في الوقت ذاته على اهتمام دولي، ووضع خاص داخل المجتمع التي تعيش فيه، ومهام تتعلق بالمساعدة في أداء المسؤوليات الملكية.

يتلقىأفراد هذه الأسر مخصصات مالية ممولة من دافعي الضرائب، كما يلازمهم فريقًا صحافيًا مسؤولًا عن تغطية تحركات العائلة المالكة، وأبرز مناسباتها ونشرها. ويحصل بعضهم على مخصصات متوسطة، وليست كبيرة، وقد يحتاج أفراد منهم إلى وثائق سفر للتنقل كالمواطنين العاديين. ويمكن القول إن الصلاحيات الممنوحة لملوك أوروبا وأسرهم في السياسة والحُكم محدودة إذا ما قورنت بنظرائهم في الخليج.

وترتبط هذه الصلاحيات والسلطات المحدودة برغبة هذه المجتمعات في الملكيات الدستورية الأوروبية منذ عقود في ترسيخ الديمقراطية مع حفظ المؤسسة الملكية بواسطة القانون عبر منح أفرادها صلاحيات إشرافية.

وتنكشف وجوه آخرى لهذه الصلاحيات في قيود فرضها الانتماء لهذه الأسر على أفراد بعضهم، حولت هذه الامتيازات للأفراد من رغد العيش والشهرة والاحتفاء الرسمي والدولي إلى أوضاع سيئة تتباين حدتها بين كُل فرد وآخر، ممن حاولوا بطرق مختلفة الفرار من القصور، والتخلي عن ألقابهم الملكية.

تتنوع هذه القيود بين السياسية المتمثلة في حظر انتقاد حكوماتهم، والدعوة جهرًا للإصلاح، أو الحب والزواج؛ إذ تضع الواجبات الملكية قيودًا كبيرة على الأفراد المنتسبين للعائلة في اختيار شريكة الحياة؛ لذلك ينتهي مصير من يتجاوز هذا الأمر بالخروج من العائلة، والتنازل عن الألقاب الملكية.

تمتد هذه القيود أيضًا لتشمل ضغوط وسطوة على حياة أفرادها؛ إذ تترك آثارًا نفسية سلبية عند بعضهم، خصوصًا مع حرص وسائل الإعلام على تعقب تحركاتهم وزياراتهم أينما ذهبوا، واقتحام خصوصياتهم.

سلمان بن عبد العزيز آل سعود ملك السعودية

من بين أبرز هذه القيود في الأسرة المالكة في بريطانيا أن تشبك النساء أقدامهن من عند الكاحلين بإحكام مع إمالة الساقين قليلًا إلى الجانب أثناء الجلوس، ويحظر عليهم الإعلان عن جنس الطفل قبل ولادته، وقواعد خاصة في السير، والتوقف عن تناول الطعام حال انتهاء الملكة، كما أن القواعد الملكية تمنع تواجد الزوج مع زوجته خلال عملية الولادة، فضلًا عن ملابس خاصة يرتدونها في مناسبات محددة.

بالنسبة للأسر الحاكمة في دول الخليج تنكشف قيود ذات خصوصية على أفرادها عن نظيرتها في أوروبا، شاملة ضغوطًا على زوجات الأمراء أو أبنائهم في دولهم، وممارسة عنف جسدي بحقهن، وتجاوزات بحق حريتهن؛ مما يدفع بعضهن للهرب، في ضوء غياب نظام لمقاضاة هؤلاء الأمراء حال رغبة زوجاتهم في أخذ المسار القانوني لنيل حقوقهم.

وبينما ينتهي مصير الخارجين عن تقاليد هذه الأسر في أوروبا إلى الانفصال عنها، بعد إلزامهم بدفع مبالغ مالية، وقطع المخصصات الشهرية، وتجريدهم من ألقابهم، تكون نهاية الأمراء في الممالك الخليج أكثر مآساوية؛ إذ يضطرون للهروب بطرق غير شرعية إلى أوروبا في الغالب، أو تنتهي مصائر بعضهم إلى وضعهم تحت الإقامة الجبرية بعد انكشاف محاولاتهم.

من بريطانيا إلى اليابان.. هؤلاء نقموا الحياة الملكية

تبرز عشرات الحالات ممن تحولت حياتهم بفعل تقاليد وتحكمات الحياة الملكية إلى سجن، يعوق ممارسة مهامهم بشكل طبيعي، وينتقص من شعورهم أنهم مواطنون كاملو الحقوق السياسية والمدنية، غير عابئين بالمال والشهرة التي حولت حياتهم لجحيم. ولذلك حاول البعض منهم الفرار من ممالكهم أو التنازل عن ألقابهم الرسمية بحثًا عن حب أو زواج لن يتم سوى بالخروج من هذه الأسر.

في الفقرة التالية نستعرض أبرز رموز هؤلاء ممن فروا من الحياة بطرق مختلفة في ممالك الخليج وأوروبا.

1. الأميرة السعودية سارة بنت طلال التي دفعتها «الإساءة البدنية والنفسية» للهرب

من أبرز الوجوه النسائية اللاتي خرجن من عائلة آل سعود، هي سارة بنت طلال التي أدى تعرضها «لسلسلة مضايقات من أفراد في العائلة المالكة، فضلًا عن الفساد المستشري داخل أجهزة المملكة»، إلى الفرار من بلادها متجهة إلى لندن، في نهاية يوليو (تموز) 2012، عندما تقدمت بطلب لجوء سياسي إلى المملكة البريطانية المتحدة.

الأميرة سارة بنت طلال (المصدر: بي بي سي)

ودرست حفيدة مؤسس المملكة المعروفة بالأميرة «باربي»، في جامعة الملك سعود في الرياض، وتزوجت من أحد أبناء أعمامها عندما كانت شابة، قبل أن تنتهى هذه الزيجة بالطلاق في العشرينات من عمرها.

وبحسب حديث سابق للأميرة استعرضت خلاله مشاكلها، قالت: «الآن خائفة للغاية. إنهم يعرفون أني لا أستطيع العودة، حاليًا هناك تهديد. هذه صفعة على وجه المملكة». وأضافت قائلة إنها تعرضت للإساءة البدنية والنفسية، وأن أرصدتها جمدت، وأضافت: «إنهم اتهموني بأنني معارضة لهم، وعلى صلة مع إيران».

2. الأميرة اليابانية ماكو.. التي اختارت الحب على اللقب الإمبراطوري

هي الأميرة اليابانية، ماكو أكيشينو، وحفيدة أكيهيتو إمبراطور اليابان الذي تنازل عن الحكم في أبريل (نيسان) الماضي، والتي تعمل في شركة استشارات قانونية في طوكيو. تخلت أكيشينو عن لقبها الملكي، بعدما أحبت شابًا من عامة الشعب التقته إبان دراستها في الجامعة؛ لتختار التنازل عن صلاحياتها ومهامها الملكية للزواج من كي موريا عام 2018.

وتُلزم قواعد البيت الإمبراطوري الياباني، أفراد الأسرة الإمبراطورية، التنازل عن ألقابهم وواجباتها الإمبراطورية، حال الزواج من أحد العوام.

حفل زفاف لأحد أفراد الأسرة اليابانية المالكة

والأميرة ماكو 29 عامًا هي الابنة الصغري لابن عم الإمبراطور اكيهيتو الراحل، وزوجها التي اختارت التنازل عن لقبها لملكي من أجله، هو كي موريا 33 عامًا يعمل لدى شركة شحن. وخلافًا لتقاليد الأسر الملكية في أوروبا؛ فقد منحت العائلة الامبراطورية اليابانية ماكو نحو مليون دولار للحفاظ على مستوى معيشتها المرتفع.

3. الأميرة النرويجية مارثا لويز.. التي تزوجت من ابن ممرضتها!

هي الأميرة مارثا لويز، الابنة الوحيدة للملك هيرالد الخامس والملكة سونجا، التي اختارت التنازل عن لقبها الملكي، وفقد امتيازاتها الممنوحة لها، للزواج بالمؤلف النرويجي الراحل آري بيهمن.

وتجاهلت الأميرة النرويجية الانتقادات الواسعة لزوجها العريس، البالغ من العمر 29 عامًا، عند إتمام الزواج في عام 2002، الموصوم بالكسل والسهر في بارات المدينة، ومحاباة العائلة المالكة، وأنه شخص «غير لائق»، متمسكة به حتى إتمام الزواج الذي حضره أفراد الأسرة الملكية.

أفراد الأسرة النرويجية المالكة

وبيهمن هو كاتب عشرات الروايات والأعمال المسرحية، ونشر أول عمل أدبي له عام 1999، وهي رواية «حزين مثل الجحيم»، وترجمت للعديد من اللغات. وهو نجل امرأة كانت تعمل ممرضة لدى الأميرة مارتا.

لم يستمر الزواج الذي نتج عنه ثلاث بنات هن: مود (16 سنة)، وليا (14 سنة)، وإيما (11 سنة)، بعدما انفصلا عن بعضهما عام 2016 قبل أن يعلنا طلاقهما رسميًا في عام 2017 .

وبعد سنوات من الطلاق دخل بيهمن في موجة من الاضطرابات النفسية، انتهت به إلى إدمان الكحول وملازمة الاكتئاب الحاد له، قبل أن يفقد حياته نهاية العام الماضي عن عُمر يناهز 47 عامًا، بعد إقدامه على الانتحار.

4. الأمير الأحمر.. الذي انتصر للاشتراكية على الملكية السعودية

هو الأمير طلال بن عبد العزيز، الابن الثامن عشر من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود الذكور، الذي أبعد عن العائلة الحاكمة، عقب تأسيس حركة ضمت بعض الأمراء في بداية الستينات، مطالبين بإنهاء الحكم الملكي المستبد.

تأثر الأمير السعودي بأفكار الرئيس الراحل جمال عبدالعناصر، ليعتنق الأفكار الاشتراكية، ويروج لها بين أوساط العائلة الحاكمة آنذاك، قبل أن تُبعده الأسرة الحاكمة ويختار العيش في المنفى بأحد فنادق القاهرة لعقود طويلة.

وكان طلال بن عبد العزيز قد ظهر في مقابلة تلفزيونية مع فضائية مصرية في أواخر عام 2007؛ ليؤكد على أفكاره باستقلالية السلطات داخل العائلة الحاكمة، والسماح بتأسيس أحزاب سياسية، ويُشير لعائلته بأنها احتكرت المال والسلطة والجاه.

وشغل طلال بن عبد العزيز عددًا من المناصب الحكومية خلال فترة شبابه في العشرينات، قبل أن يطرح رؤاه الإصلاحية، ويخرج من منظومة الحُكم فى المملكة، وكان أبرز هذه المناصب هي شغله منصب وزير المالية والاقتصاد الوطني، ونائب رئيس المجلس الأعلى للتخطيط، قبل أن ينتقل لمنصب سفير المملكة العربية السعودية لدى فرنسا.

5. لطيفة آل مكتوم.. «الأميرة الهاربة» التي تمردت على القيود

هي الشيخة لطيفة، ابنة حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، والمعروفة باسم «الأميرة الهاربة»، والتي حاولت الهروب في 4 مارس (آذار) 2018، عبر قارب بحري في المياه الإقليمية للهند، قبل أن تفشل محاولاتها بعد إحباطها من جانب القوات الإماراتية بالتنسيق مع قوات هندية.

وبثت نجلة حاكم دبي فيديو بلغت مدته 39 دقيقة لمحاولة هربها الفاشلة، ومخاوفها من أن أسرتها لن تبقيها على قيد الحياة في حال اعتقالها قبل أن تصل إلى وجهتها المنشودة.

فيديو الشيخة لطيفة التي تحدثت عن أسبابها للهروب

وتُعد هذه المحاولة الثانية للشيخة لطيفة بعد محاولة سابقة فشلت هي الآخرى، عقب رفض طلباتها للسفر والدراسة خارج الإمارة، وانتزاع جواز سفرها منها، فضلًا عن منع أصدقاؤها من زيارتها والتواصل معها، لتبقي محتجزة في القصر الذي هو مكان إقامتها.

وأكدت نجلة حاكم دبي في مقطع الفيديو أنها سجلت الشريط؛ لأنها خائفة على حياتها في حال اعتقالها. وذكرت: «لن يبقوني على قيد الحياة، على الأقل يبقى هذا الفيديو». وقالت: «لا توجد عدالة هنا، خاصة إذا كنت أنثى، يمكن التخلص من حياتك».

6. الأمير هاري.. آخر المغادرين للحياة الملكية

يعد الأمير هاري هو آخر المغادرين من بوابة الحياة الملكية مع زوجته ميغان، بعدما رفض الاثنان التمسك بالبروتوكولات الملكية، المهام الرسمية، والمراقبة الدائمة لتصرفاتهما على مدى العامين الماضيين، سعيا لحياة مستقلة مستقبلًا.

الأمير هاري وزوجته ميجان

شكلت هذه الأسباب دافعًا لهاري وميان للتنازل عن لقبيهما الملكيين «دوق ودوقة ساسيكس»، وكذلك مخصصاتهما المالية كأفراد في الأسرة المالكة ببريطانيا.

وأعلن قصر بكنغهام والملكة أن هاري وميغان لم يعودا عضوين عاملين في الأسرة الملكية، ولن يستخدما لقبيهما الملكيين، وسيشقان طريقهما في الحياة بشكل مستقل؛ مما يفسح لهما المجال لبدء حياة عملية جديدة في كندا والولايات المتحدة.

بعد الانفصال الرسمي انتقل الأمير هاري إلى كندا لبدء حياة جديدة مع زوجته ميجان وابنهما آرتشي؛ ليظهر الأخير متحررًا، للمرة الأول من الأعباء البروتوكولية لدى نزوله من الطائرة وهو يبتسم مرتديًا ملابس غير رسمية ويحمل حقيبة على كتفه، قبل أن يدخل إلى سيارة وسط فريق تأمينه.

عربي

منذ سنة واحدة
من سعة القصور إلى ضيق السجون.. قصص أميرات خليجيات يقبعن في الأسر

المصادر

تحميل المزيد