يمكننا رفع دخلك الشهري بنسبة 11.2%؟ لا. ما رأيك أن تأخذ دخلًا أساسيًّا شهريًّا غير مشروط بلا عمل قيمته 2650 دولارًا أمريكيًّا؟ لا. حسنًا، ما رأيك أن نُزيد العطلة السنوية مدفوعة الأجر بنسبة 50%؟ لا.
«لا لا لا» ثلاث لاءات قالها بجدية أشخاص معنا على نفس الكوكب وليسوا من كوكب آخر ردًّا على تلك العروض السخية، ولا يتوقف هذا الرفض على حالة فردية، وإنما رفض أكده مئات؛ بل مئات الآلاف. «ما هذا العبث؟!» ربما تبادر إلى ذهنك هذا السؤال الذي نجيب عنه بتسليط الضوء على هذه التجارب وأسباب الرفض.

أطباء كندا: «لا نريد زيادة رواتبنا».. والحكومة ترفض: «اتركوها على الطاولة»

نعم، كما قرأت تمامًا، الأطباء يحتجّون لرفض زيادة رواتبهم، وليس تقلصها، يُطالبون بإلغاء زيادات الرواتب. بدأت القصة عندما جاء القرار في مقاطعة كيوبك بكندا، بزيادة رواتب الأطباء المتخصصين بـنسبة 11.2% خلال السنوات القادمة، فترتفع ميزانية رواتب الأطباء المتخصصين في المقاطعة، من 4.7 مليار دولار في عام 2017- 2018، لتصل إلى 5.4 مليار دولار في عام 2022- 2023، ولكن الرد جاء سريعًا من مئات الأطباء الذين قرروا رفض تلك الزيادات وطالبوا بإلغائها، وصرفها للعاملين الآخرين في القطاع الصحي، وخاصة قطاع التمريض.

«الشيء الوحيد الذي يبدو محصنًا من الخصومات في نظام الرعاية الصحية هو رواتبنا»، هذا ما جاء في عريضة الاحتجاج التي وقّع عليها أكثر من 900 طبيب كندي في المُقاطعة، مُضيفين في العريضة التي نشروها في 25 فبراير (شباط) الماضي: «نحن نطالب بإلغاء الزيادات، وأن توزع موارد نظام التأمين الصحي بشكل أفضل لتشمل عُمال الرعاية الصحية، ليوفروا خدمات صحية جديرة بشعب كيوبك».

وتجدر الإشارة إلى أن متوسط الراتب السنوي للطبيب المتخصص في مقاطعة كيوبك في كندا، يتعدى 400 ألف دولار كندي، وتبلغ 403,537 دولارًا كنديًّا (أي نحو 311,853 دولارًا أمريكيًّا) وهو متوسط أقل من مُقاطعات أخرى في كندا، مثل مُقاطعة أونتاريو، التي يصل هذا المتوسط فيها إلى 367,154 دولارًا أمريكيًّا.

وبدورها، تقول الدكتورة إليسا بيوسيلا إحدى الطبيبات الموقعات على العريضة: «نحن نريد خدمة المريض، والحصول على المزيد من الأموال لن يفعل ذلك، نحن نعمل في نظام صحي به مشاكل». وتكمن معظم هذه المشاكل في وقت العمل الزائد الذي تضطر إليه هيئة التمريض في العمل، وتقلص عدد الممرضات، ونسبة الممرضات إلى المرضى.

وهو ما أكده جاتين باريت، رئيس وزراء المقاطعة بأنه يعمل عليه، رافضًا في الوقت ذاته، الاستجابة لعريضة الأطباء، برفضه مراجعة قرار زيادة رواتبهم، وقال في تصريحات صحافية: «إذا كانوا (الأطباء) يشعرون بأنهم يحصلون على مبالغ زائدة، يمكنهم ترك المال على الطاولة، وأنا أضمن أننا سنُحسن استخدامها».

10 أشياء قد لا تعرفها عن أيسلندا: حرية وأمان بلا جيش

«لا و1896 ألف لا لدخل شهري غير مشروط قيمته 2650$»!

إذا كان مئات الأطباء الكنديين رفضوا زيادة رواتبهم،فإن مئات آلاف السويسريين رفضوا الحصول على «دخل أساسي غير مشروط للجميع» تلك المبادرة التي أطلقها في 2016 مجموعة من المواطنين السويسريين، الذين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية، وتقترح تخصيص الحكومة السويسرية راتبًا شهريًّا لكل السويسريين والأجانب المقيمين منذ أكثر من خمسة أعوام من العاملين، وغير العاملين، ومن البالغين، والقُصر.

على أن يكون حجم ذلك الراتب الشهري 2500 فرانك سويسري (2560 دولارًا تقريبًا) لكل بالغ، وكذلك ما يعادل 740 دولارًا لكل قاصر. ويحتاج هذا الإجراء، إذا ما طبقته الحكومة السويسرية، إلى ميزانية إضافية تبلغ حوالي 25 مليار فرانك سويسري (25.6 مليار دولار) تقريبًا. وهو ما يُعادل حوالي 35% من إجمالي الناتج المحلي في سويسرا.

Embed from Getty Images

صورة عدد من أصحاب المبادرة

وتتبلور طريقة عمل المبادرة، وآلية تمويلها، وفقًا لأصحابها، على قاعدة أن عديم الدخل يتلقى الدخل الأساسي غير المشروط، وكذا يتلقى من له دخل. ولكن الأخير يُخصم منه مبلغ –لا يزيد على قيمة الدخل الأساسي نفسه– لتمويل خزينة الدخل الأساسي.

ولمزيد من التوضيح، فإذا افترضنا أن قيمة الدخل الأساسي غير المشروط هي 2500 فرانك سويسري، فإن الشخص عديم الدخل، يتلقى 2500 فرانك شهريًّا. أما الشخص الذي يتقاضى مثلًا ألف فرانك شهريًّا، فإن النظام يمنحه 1500 فرانك أخرى، والشخص الذي يتقاضى 2500 راتبًا شهريًّا يظل دخله كما هو، دون زيادة أو نقصان.

والشخص الذي يزيد راتبه الشهري على قيمة الدخل الأساسي (2500 فرانك سويسري)، ببلوغه مثلًا 5 آلاف فرانك، يُخصم نصف راتبه لتمويل نظام الدخل الأساسي غير المشروط، ويتبقى النصف الآخر له، على أن تصرف له الحكومة «الفيدرالية» أيضًا 2500 فرانك سويسري، الذي يمثل حقه في الدخل الأساسي غير المشروط.

وقد رفضت هذه المبادرة في النهاية في استفتاء شعبي، أُجري في الخامس من يونيو (حزيران) 2016، وشارك فيه نحو نصف السويسريين، وجاء الرفض بأغلبية كاسحة، إذ بلغت نسبة الرفض الشعبي 76.9% بعدد أصوات بلغ قرب المليوني صوت (أكثر من مليون و896 ألف صوت) فيما بلغت نسبة القبول 23.1%، وجاء الرفض الشعبي بعد رفض برلماني سويسري.

نتيجة الاستفتاء على المبادرة (المصدر: موقع سويس إنفو)

وارتكزت أسباب الرفض بشكل أساسي على المخاوف من تغيير النظام الاجتماعي بشكل غير مضمون. ذلك بالإضافة إلى صعوبة تمويل تلك المبادرة، والقلق من انخفاض قيمة العمل، وانخفاض القيمة الشرائية، وكذلك التخوف من زيادة عمليات الهجرة إلى سويسرا.

الحكومة السويسرية: هل تريدون دخلًا شهريًا بدون عمل؟ المواطنون: لا شكرًا!

«لا نريد زيادة إجازتنا المدفوعة بنسبة 50%»!

قد تستغرب رفض السويسريين مبادرة «دخل أساسي غير مشروط للجميع»، ولكن لا يبدو الأمر بهذه الغرابة على السويسريين الذين الذين رفضوا في عام 2012 مبادرة شعبية مُشابهة كانت تستهدف زيادة أسابيع العطلة السنوية مدفوعة الأجر بنسبة 50%، برفعها من أربعة أسابيع إلى ستة أسابيع، وجاء الرفض «خوفًا من تراجع قدرتهم التنافسية عالميًّا»!

على جانب آخر: «لا جدال ستأخذ إجباريًّا 670 دولارًا شهريًّا مدة عامين»

على جانب آخر، وفي تجربة مختلفة عن كل ما سبق، وبعيدًا عن تحكم رغبات المواطنين في قرارات الدخل الأساسي الثابت، قررت الحكومة الفنلندية إجراء تجربة فريدة من نوعها عالميًّا، عندما قررت منح ألفي عاطل راتبًا شهريًّا أساسيًّا مدة عامين، يبدأ في عام 2017، قيمته 560 يورو (أي نحو 670 دولارًا أمريكيًّا)، ولن يملك العاطل اختيار قبول المشاركة في التجربة أو عدمه، فالمسار إجباري، يتضمن اختيارًا عشوائيًّا للعاطلين الذين يُشاركون في التجربة، وسيحصلون تلقائيًّا على الراتب الأساسي كل شهر، ولن تطلب الحكومة من هؤلاء العاطلين ما يُثبت أنهم يبحثون عن عمل، وستصرف الراتب الشهري بصرف النظر عن أي دخل يتلقاه هؤلاء الأشخاص من مصادر أخرى.

العاصمة الفنلندية هلسنكي

وتستهدف الحكومة الفنلندية من ذلك النظام تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص عمل جديدة، وخفض نسبة البطالة، التي وصلت في يناير (كانون الثاني) 2018، إلى 8.8%، وتسعى فنلندا من خلال هذه التجربة إلى دراسة مدى إمكانية أن تساعد تلك السياسة العاطلين المتلقين للراتب على إيجاد عمل لهم في ظل شعورهم بالأمان المالي نتيجة تلقيهم الراتب الشهري الأساسي، بدلًا من تطبيق نظام إعانة البطالة المؤقتة، وإذا نجحت التجربة تلك في مساعدة العاطلين على إيجاد فرصة عمل، فقد تمنح الحكومة ذلك الراتب لمزيد من الفنلنديين.

وتننظر الحكومة الفنلندية انتهاء عامي التجربة للإفصاح عن نتائجها الرسمية، ولكن تقارير صحافية لم تنتظر هذه المُدة، وحاولت الوصول إلى نتائج أولية بشأن التجربة، من خلال التواصل مع بعض العاطلين الذين شاركوا فيها، من بينهم ميكا روزنين، الذي تمكن من إيجاد وظيفة بدوام كامل عقب دخوله التجربة التي اعتبرها «صفقة رابحة» له وللمجتمع، موضحًا أنها تُساعد العاطلين على العمل، وإن كان جزئيًّا أو بدخل أقل، وتفتح كذلك المجال للاستثمار، وفتح مشروعه الخاص، في حين يرفض آخرون تلك التجربة، بالأخص إذا شجعّت العاملين على قبول أجور أقل.

7 أسباب جعلت فنلندا أقوى دولة في التعليم عالميًّا

المصادر

تحميل المزيد