طقوس الدم، الشموع المُنيرة داخل جماجم بشرية، تاركة ظلالًا مخيفة على الحائط المُعلق عليه وجوه خشبية مخيفة تجسد الشر بعينه، وضِف إلى كل ذلك التضحيات الحيوانية والبشرية أيضًا؛ كل هذه الممارسات تندرج تحت بند السحر الأسود، راعي صناعة الشر منذ بداية الحضارات القديمة، وصولًا إلى يومنا هذا، متمثلًا في تفاصيل صغيرة، مثل ثقافة تصنيع الدمية الورقية التي تجسد الشخص المُراد إيذاؤه، ومن ثم حرقها أو تعذيبها بالدبابيس؛ هذا الطقس الموروث عن سحر الفودو الذي لاقى شعبية كبيرة في قارة أفريقيا.

تلك الممارسات الشريرة المُقبضة تنتمي للسحر الأسود، فماذا لو هناك طقس سحري أطلق عليه «السحر الأسود الأكثر شرًّا»، والذي عُرف باسم «النكرومانسي»؟ حول هذا النوع من السحر نجد الكثير من الغرابة والغموض، وفي هذا التقرير سنكشف لك بعضًا من أسراره.

«النكرومانسية».. اللعب مع الشيطان والجثث طعامًا

كلمة «نكرومانسي» هي كلمة يونانية منقسمة إلى شقين: الشق الأول معناه الجثة، والثاني معناه التنبؤ بالغيب؛ لتعبر الكلمة في النهاية عن استخدام الجثث في طقوس سحر أسود بغرض التنبؤ بالغيب، أو كشف أسرار الماضي، أو التعرف إلى أسرار الكون الخفية، وذُكر هذا المصطلح للمرة الأولى خلال القرن الثالث الميلادي في أحد مؤلفات أوريجانوس أدماتيوس.

Embed from Getty Images

طقوس النكرومانسي لا تحدث سوى بوجود جثة بشرية؛ فتلك هي حجر الزاوية في ممارسة هذا النوع من السحر الأسود، وعلى الساحر الذي يقيم هذه الطقوس تشريح الجثة، واستخدامها سلاحًا لصناعة التعاويذ، أو استحضار الأرواح، أو حتى -وفقًا لاعتقاد السحرة- إعادة الموتى إلى الحياة، واستخدام الجثة في هذا الطقس قد يصل إلى أكل الساحر لبعض من أجزاء المتوفى، وغالبًا ما يكون القلب أو العقل؛ ظنًّا منهم أنهما مكمنا المعارف البشرية.

Embed from Getty Images

فلو كان هناك ساحر ممارس النكرومانسي في مدينة قديمة مات ملكها، وماتت مع هذا الملك كل أسراره، وأماكن كنوزه وثروته؛ فلو أحضر الساحر جثة الملك وتناول عقله نيئًا أثناء ممارسة بعض الطقوس المظلمة، يمكن للساحر أن يدرك الأماكن السرية لكنوز الملك، ولكن هذا مجرد مثال، فالسحرة عادة لا يمارسون هذا النوع من السحر إلا لأغراض أكبر وأهم من الأموال؛ نظرًا إلى خطورة هذا السحر، والذي أطلق عليه البعض «اللعب مع الشيطان».

التوقيت المُناسب مهم وإلا فُتحت أبواب الأشباح

الغرض من طقس النكرومانسي ليس تحضير الأرواح بمعناه المعروف لنا الآن، بل الغرض هو استدعاء الكيان المادي للمتوفى، ولكن من خلف ستار العالم الآخر، ولذلك هذا الطقس المُخيف يجب أن يحدث خلال عام واحد من موت المتوفى، وتلك –وفقًا لمعتقدات السحره- هي المدة التي يحتفظ بها الشخص المتوفى بكل معرفته عن الدنيا قبل أن يتحول إلى شبح، وفي الوقت نفسه يمكنه رؤية الغيب؛ لانتقاله إلى العالم الآخر.

ساحر النكرومانسي في العصور القديمة لا يريد استحضار شبح؛ ولذلك فاختيار الموعد المُناسب لتنفيذ تلك الطقوس يُعد أمرًا مُهمًا، واختيار المكان أيضًا كان له دور فعّال في تنفيذ الطقس؛ إذ كان يجري إعداد الطقس في مقبرة مظلمة، أو كنيسة مهجورة، أو منزل المتوفى، وعلى من يُحضر للسحر ارتداء ملابس المتوفى، والتي ظلت على الجثة فترة طويلة، وعليه أيضًا إقامة طقوس جنائزية على نفسه، وكأنه قد مات بالفعل مثل الجثة التي ينوي التواصل معها.

الأمر لا يقتصر على الاحتكاك القريب جدًا من الموتى، بل إن هناك أسلوب حياة يجب أن يعيشه ممارس تلك الطقوس، خاصة في ما يخص الطعام، فالساحر عليه ألا يتناول أي طعام يحتوي على ملح، وتقتصر وجباتهم على خبز يُصنّع بطرق معينة ويكون لونه أسود، مع بعض عصير العنب، وفي بعض الأحيان على ساحر النكرومانسي أكل لحوم الكلاب؛ لأنها رمز الآلهة اليونانية هيكات، وهي آلهة السحر والأرواح لدى الثقافة اليونانية.

«الكويمباندا».. لا زال البعض يمارسها حتى الآن

تلك الطقوس المُظلمة، والتي تعود أصولها إلى القرون الوسطى، لم تنقرض كليًّا؛ فهناك بعض من يمارسها حتى الآن، بغرض استحضار المعرفة الروحية، وسبر أغوار الكون ومعرفة أسراره، ومن أشهر الثقافات التي لا زالت تمارس تلك الطقوس هي ديانة «الكويمباندا» الأفروبرازيلية.

Embed from Getty Images

ويمارس معتنقو تلك الديانة طقوس النكرومانسي في المناطق الحضرية في البرازيل حتى يومنا هذا، وتلك الديانة تفرعت من ديانة «ماكومبا»، والتي تمثل جميع الديانات غير الإبراهيمية، والتي ظهرت خلال القرن التاسع عشر في تلك المنطقة، وتفرع منها ممارسات طقسية شهيرة مثل الفودو والسانتيريا.

النكرومانسي ومكانته الثقافية في القرون الأولى

كانت طقوس النكرومانسي من أشهر الممارسات السحرية خلال القرون الأولى في أوروبا، وكان الحُكام معترفين بها ويلجؤون إلى السحرة من أجل الوصول إلى أغراضهم، وقد انعكس هذا بدوره على الأدب الأوروبي، وظهر هذا واضحًا في الأدب الروماني.

ومن أشهر القصص التي جسدت تلك العلاقة بين الحاكم والساحر في الاستعانة بطقوس النكرومانسي، كانت قصة سيكستس -ابن بومباي العظيم- والساحرة القاسية إريسكو، حينما طلب سيكستس من الساحرة المتقنة لطقوس النكرومانسي معرفة نتائج إحدى المعارك المهمة له.

وفي مشهد شديد القسوة جسدته تلك القصة تجولت الساحرة في ساحة المعركة حينما بدأت، واختارت جثة أحد الجنود، وثقبت ثقبًا فوق قلب الجريح وسكبت في الثقب مادة تسمى «السم القمري»، والتي تتكون من لحم الضباع، وجلد الثُّعبان، والرغوة الخارجة من أفواة الكلاب المسعورة، ووفقًا للقصة، استطاعت الساحرة إحياء الجندي مرة أخرى ليخبرها عن مستقبل المعركة.

على مر العصور القديمة، وخلال ممارسة طقوس النكرومانسي على العديد من الجثث، كان رأي الدين يعارض تلك الطقوس؛ نظرًا إلى تدنيس حرمة الجثث من خلال تشريحها وأكل أعضائها، ولمحاولة معرفة الغيب وهو الأمر الذي يقتصر علمه عند الله في الديانات السماوية.

Embed from Getty Images

ولذلك كانت الكنائس الموجودة في البلدان التي يُمارس فيها النكرومانسي خلال العصور الوسطى، تقف أمام تلك الطقوس وتجرمها وتحارب ممارسيها، وتنعتهم بسحرة الشياطين، مع تأكيد رجال الكنيسة أن إحياء الموتى هو أمر لا يملكه سوى الله، ومن يظن نفسه قادرًا على ذلك فهو كافر في نظر الدين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد