لا شك أن العلماء تمكنوا في القرن الأخير من تحقيق إنجازات واكتشافات مذهلة، تسببت في إحداث طفرة هائلة في المجال الطبي، حيث تمكنوا من علاج العديد من الأمراض المستعصية والخطيرة واكتشاف لقاحات وأدوية فعالة للعديد من الأمراض القاتلة، فضلًا عن تطويع التكنولوجيا والتقنيات الحديثة لخدمة الطب، الأمر الذي أدى إلى تحسين الخدمة الصحية المتاحة وقلة عدد الوفيات مقارنة بالسابق.

 

لكن التحدي الأعظم الذي يواجهه العلماء كل يوم، هو محاولة إنتاج نسخ صناعية من الأنسجة المركبة عبر الخلايا الحيوانية والبشرية، أملًا في إنتاج أنسجة مركبة وأعضاء حيوية وأطراف كاملة، من أجل مبتوري الأطراف والمرشحين لزراعة الأعضاء، ولقد نجح العلماء في إنتاج وتخليق العديد من خلايا الجسم وأعضائه بالفعل في نطاق العمل البحثي، الأمر الذي قد يسبب – في حالة تطبيقه على نطاق واسع – ثورة حقيقية في عالم الطب والهندسة الحيوية.

 

اقرأ أيضًا: حلم تخليق كائن بشري.. هل الأمر ممكن علميًّا؟

 

تخليق أطراف الفئران.. الفأر يستخدم الذراع المخلقة بنجاح!

 

في عام 2015، أعلن معمل تخليق وهندسة الأعضاء في مستشفى ماساشوستس العام، عن تنمية طرف كامل (ذراع) لفأر في طبق بتري، حيث تم استخدام تقنية Decellularization والتي تعتمد على استخدام خلايا حية من فأر متبرع، لإعادة نمو أنسجة العضو.

 

قام الفريق العلمي، وعلى رأسه الدكتور هارالد أوت بتجريد الطرف المأخوذ من فأر ميت من جميع مواده الخلوية، والإبقاء فقط على شبكة الأوعية الدموية والأعصاب، لتكون بمثابة الأساس لتخليق وإنبات الطرف الجديد. في نفس الوقت الذي تم فيه أخذ خلايا الأوعية الدموية والخلايا العضلية من فأر آخر والعناية بها، لتتنامى في حضان حيوي خاص، ومن ثم حقن الطرف الميت بهذه الخلايا لتكون بذلك بذرة لأوعية دموية وعضلات جديدة.

المعامل

ذراع الفأر التي تم تخليقها في معمل تخليق وهندسة الأعضاء في مستشفى ماساشوستس العام (مصدر الصورة: iflscience.com).

 

ومن خلال استخدام محلول تغذية خاص وجرعات منتظمة من التحفيز الكهربائي، استطاع العلماء الحصول على طرف جديد قادر على أداء الوظائف العضوية، ليضم الطرف المُهَندَس حيويًا والمخلق في المعمل، العظام، والأوعية الدموية، والغضاريف، والأوتار، والأربطة، والأعصاب، وبعد إعادة زرع الطرف المخلق لأحد الفئران، وصل الدم عبر الأوعية الدموية المُخلقة إلى الطرف، ونجح الفأر في استخدامه وتحريكه بشكل فعال تمامًا، حيث وجد العلماء أن خلايا الأوعية الدموية تعمل بشكل طبيعي، في حين أن العضلات تعمل بقدرة 80% مقارنة بالعضلات الموجودة في الفئران حديثة الولادة.

 

ويعد هذا الإنجاز العلمي بارقة أمل بالنسبة للأشخاص الذين فقدوا أطرافهم، حيث يمكن أن تساعد عمليات زرع الأعضاء المخلقة في المعامل من أنسجة حية على تحسين حيواتهم.

 

لحم نظيف.. تخليق أول قطعة برجر

 

في 2013، أعلن فريق علماء هولندي نجاحهم في تخليق أول قطعة «برجر» في المعمل عن طريق استخدام خلايا جذعية لأحد الأبقار.

 

المعامل

نتيجة تجربة زراعة اللحوم في المختبرات والمعامل (مصدر الصورة: رويترز).

 

مارك بوست، أستاذ فسيولوجيا الأوعية الدموية في جامعة ماستريخت/ هولندا، أعلن في مؤتمر صحافي عن نجاحه في إنماء قطعة من اللحم في المعمل، محاكيًا عملية زراعة الأنسجة؛ تلك التجربة التي تكلفت حوالي 325 ألف دولار أمريكي.

 

ويرى الباحثون أن هذه العملية قادرة على حل أزمة الغذاء العالمية، نظرًا لقلة المراعي الطبيعية التي لا تتناسب مع الزيادة الكبيرة في تعداد سكان العالم، حيث إن الحصول على قطعة برجر وزنها حوالي 100 جرام، يتطلب حوالي 700 جرام من الحبوب لتغذية الماشية، و52 جالونًا من المياه للشرب وري محاصيل الأعلاف، و74 قدمًا مربعًا من الأراضي للرعي والنمو، و10 وحدات حرارية من الوقود الأحفوري لإنتاج الأعلاف ونقلها.

 

وقام بوست باستخلاص خلايا جذعية من عضلات بعض الحيوانات ووضعها في محلول صناعي يحتوي على العناصر اللازمة للخلايا لتنمو بطريقة مناسبة، مع توفير الظروف الكيميائية والفيزيائية المناسبة لنمو الأنسجة، مع نوع من التحفيز الكهربي، والتحريك الميكانيكي للعضلات المنتجة لمنع الخلايا من الضمور، ويؤيد النباتيون هذه التقنية المستدامة لإنتاج اللحم دون التسبب في أذى أو نفوق الحيوانات، كما أن هذا اللحم يعد «لحمًا نظيفًا» لخلوه من المنشطات والهرمونات والبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

 

وانخفضت تكلفة إنماء وتخليق اللحم في المعمل من مئات الآلاف من الدولارات في عام 2013، إلى 11 ألف دولار في 2017، وما زال العلماء يحاولون تقليل تكلفة إنتاج اللحم في المعمل، حتى يصبح اعتماد هذه الطريقة بشكل فعال وعلى نطاق واسع أمرًا اقتصاديًا.

 

وتجدر الإشارة إلى أن شركة كارجيل، وهي واحدة من أكبر الشركات الزراعية العالمية، انضمت مؤخرًا  إلى «بيل جيتس»، والعديد من الشركات التجارية العملاقة، من أجل الاستثمار في التكنولوجيا الناشئة لإنتاج اللحوم من خلايا حيوانية مُنتجة ذاتيًا.

 

تخليق عظام حيّة للخنازير

في عام 2016، استطاع فريق علماء أمريكيون تصميم وتخليق عظام حية في المعمل، وزرعها لبعض الخنازير الصغيرة، في عملية تعويضية لإصلاح الفك السفلي للخنازير، وقال العلماء إن عظام الفك تُعد الأقوى والأكثر تعقيدًا في الجسم، مما يعني أن مثل هذه العملية ستمهد للعديد من جراحات زرع العظام الناجحة في أماكن أخرى من الجسم.

المعامل

السقالات العظمية المطعمة بالخلايا الجذعية من صغار الخنازير أثناء وضعها في المفاعلات الحيوية الخاصة (مصدر الصورة: Sarindr Bhumiratana/Columbia Engineering).

 

وترجع أهمية هذا الإنجاز إلى كون العظام نظامًا معقدًا، مختلفًا في الشكل والبناء من شخص لآخر، مما يُصعّب من عملية الحصول على بدائل طبيعية للمرضى الذين يعانون من إصابات أو عيوب خلقية من متبرعين، كما أن غرسات التيتانيوم الاصطناعية، تفتقر إلى النخاع الذي يلعب العديد من الأدوار الهامة في الجسم، مثل توليد خلايا الدم الحمراء والخلايا المناعية.

المعامل

السقالة العظمية المنحوتة بدقة من عظم بقرة في أسفل الصورة، والتي تم تطعيمها بخلايا جذعية من الخنازير، لتحل محل قطعة من عظم الفك للخنزير في أعلى الصورة (مصدر الصورة: sciencemag.org).

 

واستخدم العلماء في تخليق هذه العظام تقنية Decellularization، حيث قام الباحثون باستخدام قطع عظام من أفخاذ أحد الأبقار، ثم قاموا بتجريدها من جميع الخلايا باستخدام المنظفات والإنزيمات، ثم نُحتت هذه القطع لتصبح مشابهة لعظمة الفك التي تم إزالتها من بعض الخنازير الصغيرة، ثم قام العلماء بتطعيم هذه السقالات العظمية بالخلايا الجذعية المستمدة من دهون الخنازير الصغيرة، ووضعت في مفاعلات حيوية خاصة، قامت بتزويد الخلايا الجذعية بالأكسجين والمواد المغذية.

 

بعد ثلاثة أسابيع من إنبات هذه الخلايا، تم زرعها في الخنازير الصغيرة، وبعد ستة أشهر من الزرع؛ نجحت هذه الطعوم العظمية في دمج نفسها في الأجسام المضيفة، وتجديد العظام دون أي مضاعفات أو بوادر رفض، وبدأت الخنازير الصغيرة في استخدام فكها بكل سلاسة.

 

تخليق حيوانات منوية قادرة على الإخصاب

 

تمكن فريق من العلماء في معهد علم الحيوان في الأكاديمية الصينية للعلوم، من تخليق حيوانات منوية فأرية قابلة للحياة من الخلايا الجذعية، وهو الأمر الذي قد يحمل الأمل للأزواج الذين يعانون من العقم بسبب قلة أو تشوه الحيوانات المنوية، ولم يتوقف الأمر عند تخليق الحيوانات المنوية، بل استطاع الباحثون استخدامها في تخصيب بويضات إناث الفئران، لتولد أجيال جديدة من الفئران، تتمتع بصحة جيدة وقدرة طبيعية على الإنجاب، حيث تمكنت هذه الفئران المولودة من عملية تخليق الحيوانات المنوية، من إنجاب جيل آخر من الفئران.

 

المعامل

أحد الفئران المولودة من حيوان منوي مخلق (مصدر الصورة: answersafrica.com).

وقام العلماء بتحويل خلايا جذعية جنينية، إلى حيوانات منوية من خلال مجموعة من المواد الكيميائية والهرمونات بالإضافة إلى أنسجة من الخصية، وقال فريق البحث الصيني إنه نجح في تلبية المعيار الذهبي الدولي المعتمد علميًا لإعادة إنتاج الانقسام الاختزالي في المعمل، لكنهم لم ينتجوا حيوانات منوية بالصورة المتعارف عليها برأس وذيل قادرة على السباحة نحو البويضة، لكنها كانت في مرحلة أسبق تعرف باسم النطفة الأرومية، وتحتوي على الكمية الصحيحة للمعلومات الوراثية وأدخلت بنجاح إلى بويضات الفئران من خلال التلقيح الاصطناعي.

 

ويأمل العلماء أن يتمكنوا في المستقبل من استخلاص خلايا  جذعية من ذكر بشري مصاب بالعقم وإعادتهم إلى حالة تشبه الخلايا الجذعية الجنينية، ثم تحويلهم إلى حيوانات منوية مخلقة لاستخدامها في التلقيح الصناعي.

 

تخليق مهبل أنثوي لا يمكن تمييزه عن الطبيعي!

 

تمكن فريق من العلماء الأمريكيين، على رأسهم الدكتور أنتوني أتالا من كلية الطب جامعة ويك فورست في ولاية كارولينا الشمالية، من زرع مهبلات أنثوية، تم إنماؤها في المعمل من الخلايا الحيوية، لأربع فتيات يعانين من متلازمة (MRKH).

المعامل

المهبل الذي تم تخليقه في المعمل وزراعته لاحقًا (مصدر الصورة: رويترز).

 

وأظهرت اختبارات المتابعة أن المهبل الجديد المنمى في المعمل، والذي تم زرعه للفتيات لا يمكن تمييزه عن النسيج النسائي الطبيعي، وأن المهبل المزروع قد نما في الحجم، ليتماشى مع النضج الجنسي للفتيات.

 

واستخدم العلماء في تخليق المهبل عينات من الأنسجة والمواد القابلة للتشكيل حيويًا، والمأخوذة من كل مريضة، لإنماء المهبل بالشكل والحجم المناسب لكل فتاة من الفتيات الأربع، وسجلت الحالات كلها درجات طبيعية من الرغبة والوصول إلى النشوة وممارسة العلاقة الجنسية دون ألم، ويقول الخبراء إن الدراسة، التي نُشرت في مجلة لانسيت الطبية، تعد مثالًا قويًا في الطب الترميمي.

 

وتم إجراء عملية الزرع للفتيات الأربع وهن في سن المراهقة، واستخدمت تقنيات المسح لمنطقة الحوض لتصميم مجسم أسطواني ثلاثي الأبعاد لكل مريضة، وأُخذت عينات من أنسجة المهبل غير مكتمل النمو لإنمائها معمليًا، كي تنبت مجموعة كبيرة من الخلايا، ثم أُلصقت الخلايا العضلية بالمجسم من الخارج وبُطّن بخلايا بطانة المهبل من الداخل، وخُلّق المهبل بعناية في مفاعل حيوي حتى أصبح مناسبًا لزرعه جراحيًا داخل أجسام المريضات.

ويرى العلماء أن مثل هذه العملية قد تجدد الأمل لمريضات السرطان اللواتي يضطررن إلى استئصال المهبل، وللفتيات اللواتي يولدن بعيب خلقي.

 

المصادر

t’s Now Possible to Make Mouse Sperm in a Lab
عرض التعليقات
تحميل المزيد