تعلن وزارة الدفاع السويدية على غير عادتها حالة الاستنفار وسط قواتها العسكرية، كان ذلك قبل أقل من عام، والمهمة التصدي لغواصة “روسية مشبوهة” كانت قد تسللت في أرخبيل شرقي العاصمة ستوكهولم، ومن أجل المهمة تلك تم تجهيز حشد عسكري لم تشهده البلاد منذ الحرب الباردة، لتنطلق عمليات ملاحقة الغواصة “المتسللة” بالاستعانة بمئات الجنود من البحرية السويدية وسفن حربية مزودة بصواريخ وقنابل تحت مائية وغواصات بالإضافة إلى المروحيات العسكرية.

بعد أسبوع من البحث المضني في المياه الإقليمية أعلن الجيش السويدي أن عملية البحث الأساسية قد انتهت، فيما أكد أن لديه أدلة بتسلل غواصة واحدة على الأقل في أرخبيل ستوكهولم يفترض أنها لروسيا، لكن الأخيرة من جهتها نفت على لسان المتحدث باسم وزارة دفاعها إيغور كوناشينكوف أي تواجد لغواصات تابعة لها في المياه الإقليمية السويدية.

بحرية عسكرية سويدية

ورغم انتهاء عمليات البحث الرئيسية منذ تلك الفترة فإن القوات البحرية السويدية لم تغلق محاولاتها في العثور على أثر للغواصة الروسية المفترضة، وفعلًا قد وجدت السويد نهاية الشهر الماضي حطام غواصة روسية، لكنها لسوء الحظ تعود إلى مخلفات الحرب العالمية الأولى.

لم تكن تلك الحادثة سوى واحدة من العشرات المعلنة التي كادت أن تتطور إلى مواجهات عسكرية بين الغرب وروسيا.

اليوم أصبح بحر البلطيق، في المياه الممتدة بين السواحل السويدية والبولندية والروسية والليتوانية، مزدحمًا بمئات السفن الحربية وعشرات المقاتلات وآلاف الجنود، حيث تتنافس الأساطيل الغربية والروسية على تنفيذ مناورات عسكرية هناك.

الأعمال العسكرية الاستفزازية بين روسيا والغرب قد تنزلق إلى حرب

نشرت شبكة القيادة الأوروبية الأسبوع الماضي دراسة تحذر فيها من انزلاق في حرب مسلحة بين روسيا والحلف الأطلسي، بسبب مخاطر المناورات العسكرية الاستفزازية المتبادلة، والتي زادت وتيرتها منذ الأزمة الأوكرانية.

وقد سجلت الشبكة 66 “حادثة استفزازية” وقعت بين مارس 2014 ومارس 2015، والتي تسببت روسيا في معظمها، منها 50 حادثًا صنفت بأنها “قريبة من الروتينية”، ضمت ذكر حادث مرور طائرة عسكرية روسية على بعد 50 كيلومترًا قبالة ساحل كاليفورنيا، و13 حادثًا وصف “بالخطير مع خطر التصعيد”، تم ذكر – في القائمة- تحليق مقاتلة روسية فوق سفينة حربية أمريكية في البحر الأسود، أما الفئة الثالثة فقد سجلت 3 حوادث “عالية الخطورة”، من بينها حادثة الاصطدام الوشيك بين مقاتلات حربية روسية وطائرة ركاب مدنية كانت قادمة من كوبنهاجن بالدنمارك نحو السويد.

ساهمت أيضًا المناورات بين الجانبين الغربي والروسي بنقاط التماس بين المساحات التي تقع تحت حماية الحلف الأطلسي والحدود الروسية في تسخين الوضع، خصوصًا بعد الأزمة الأوكرانية، كان أكثر هذه المناورات خطورة حينما حشدت روسيا 80 ألف جندي مارس السابق، وأجرت مناورة عسكرية تاريخية على طول حدودها الشمالية والغربية، تحاكي فيه حربًا مفترضة بينها وبين الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تم التدريب خلالها على هجمات بواسطة قاذفات إستراتيجية وهبوط القوات المحمولة جوًّا، وكذا قامت القطع البحرية الروسية بتمارين إطلاق الصواريخ.

النقاط الحمراء تمثل مناطق التدريبات العسكرية الروسية في شهر مارس والنقاط الزرقاء تمثل مناطق التدريبات العسكرية لحلف الناتو في شهر يونيو

بعد شهرين فقط من المناورة الروسية، رد حلف شمال الأطلسي بتمارين عسكرية، حيث تم فيها جمع 15000 جندي من 19 دولة عضوة وثلاثة بلدان شريكة لبدء حرب مفترضة مع عدو مثل روسيا، تضمنت التمارين مختلف أنواع المواجهات الحربية على مساحة بحر البلطيق.

هل حقًّا يمكن أن تندلع حرب عالمية ثالثة؟

لم يكد يصدق العالم انتهاء الحرب الباردة المجنونة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حتى عادت أجواء التوتر بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بدءًا من الأزمة الجورجية، لتبلغ ذروتها خلال الأزمة الأوكرانية التي انتهت بضم روسيا لجزيرة القرم باستخدام القوة العسكرية، ومنذ ذاك الحين ازداد التنافس العسكري والاستعراضات المسلحة المستفزة بين الطرفين.

آليات عسكرية روسية

وقع بوتين العام الماضي على العقيدة العسكرية للجيش الروسي، تضع توسع الناتو كأحد المخاطر الخارجية الرئيسية ردًّا على كييف التي قررت البدء في خطوات الانضمام لحلف شمال الأطلسي، وفي ظل الاتهامات المتكررة التي تقذف بها واشنطن الكرملين بتسليح المتمردين في أوكرانيا، بالإضافة إلى المناورات الاستفزازية بينهما، فإنه من الواضح أن الوضع في غاية التوتر ويسهل فيه الانزلاق في مواجهات عسكرية.

ويمتد الصراع أيضًا ليشمل النزاع بين الصين واليابان حول جزر سينكاكو في بحر الصين الشرقي، حيث أصبحت السفن الصينية الحربية تدخل مياه الجزر مرفقة بالطائرات المقاتلة، حتى أن بكين أعلنت في سنة 2013 أنها تنوي، على الرغم من الاعتراضات الشديدة من كل من طوكيو وواشنطن، جعل الجزر المتنازع عليها “منطقة تحديد هوية للدفاع الجوي”، وعلى الفور حلقت الطائرات الأمريكية حينها. وقد أرسلت اليابان طائراتها المقاتلة لاعتراض الطائرات الصينية في بحر الصين الشرقي ما يقرب من 415 مرة بين مارس 2013 ومارس 2014، مثلما اعترضت المقاتلات الصينية الطائرات الأمريكية واليابانية العديد من المرات.

حاملة طائرات أمريكية

ورغم بلوغ التوتر بين البلدان الكبرى مستويات قياسية إلا أن اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة يبقى أمرًا غير مؤكد، فالآثار الكارثية التي ستترتب عن الحرب وستعم الكل، تمنع من نشوب هكذا مواجهات حمقاء، حيث في الغالب ستفضل هذه الدول الحلول الدبلوماسية لتجاوز خلافاتها مثلما حصل في عام 2001 عندما اصطدمت طائرة تجسس أمريكية مع طائرة مقاتلة صينية قرب جزيرة هاينان الصينية، إلا أنه في نفس الوقت احتمال نشوب حرب يبقى واردًا، خصوصًا مع الوضع الحالي الذي تسوده المواجهة والتوتر، بحيث يمكن لأي سوء تقدير أو أخطاء عسكرية أن تؤدي إلى انزلاق في حرب عسكرية.

مراقبون يدعون إلى نزع فتيل التوتر في المنطقة

بالتأكيد تبقى نتائج الحروب مأساوية في كل الأحوال، إلا أن الحروب بين البلدان الصغيرة أو مع المنظمات المسلحة، لا يمكن بأي حال مقارنتها مع نتائج الحروب بين البلدان الكبرى المسلحة نوويًّا، وبمجرد تخيل نشوب حرب حقيقية بين هذه الدول فإنه يعد ذلك كابوسًا حقيقيًّا يهدد البشرية، إذ ستشمل تداعياتها كل بلدان العالم، وربما تؤدي إلى انقراض جنس البشري في حالة استعمال القنابل النووية والهدروجينية، التي لا زال العشرات منها بيد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، على الرغم من محاولات تخفيضها.

انطلاقًا من هذه النتيجة تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيون مع روسيا والصين مسؤولية نزع فتيل أي حرب محتملة.

ولأجل ذلك تحث العديد من المنظمات المهتمة بالسلم العالمي الدول الكبرى بتجنب الأفعال التي تزيد من مخاطر التصادم العسكري، ويدخل في ذلك إبعاد المناورات الحربية في نقاط التماس الحدودية التي تهدف بالأساس إلى استعراض القوة، والكف عن التصرفات الاستفزازية المتبادلة والمحفوفة بالمخاطر.

كما يحذر خبراء شبكة القيادة الأوروبية من نقص التواصل بين هذه الدول أثناء عزمها على القيام بعمليات عسكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى سوء تقدير أو أخطاء تسهل الانزلاق بسرعة نحو المواجهة، وبالتالي فتبادل المعلومات قبل المناورات العسكرية من شأنه أن يخفف حدة التوتر ويقلل هاجس التوجس في نوايا الأطراف.

لكن ماذا عن موقع البلدان العربية في هذه الحرب العالمية المحتملة، باختصار عندما يتصارع الكبار يكتفي الصغار بالمشاهدة!

عرض التعليقات
تحميل المزيد