يرجع مصطلح «العالم الثالث» إلى المنظر الفرنسي ألفرد سوفي (Alfred Sauvy) (1898 – 1990)، في مقال له أوائل خمسينات القرن الماضي، وكان قد قسّم العالم حينذاك إلى ثلاثة عوالم: العالم الأول هو الغرب أو المعسكر الرأسمالي، والعالم الثاني هو الاتحاد السوفيتي أو العالم الاشتراكي، والعالم الثالث الذي يشمل الدول غير المحسوبة على أي من العالميْن، ويبدو من تقسيم سوفي أنه متأثر بثقافة التكتلات التي قسمت العالم إلى قطبين عقب الحرب الباردة، لكن هذا التقسيم لم يعد سائدًا في الحديث عما يُطلق عليه «دول العالم الثالث» حاليًا، بعد أن تلاشى المعسكر الاشتراكي.

بعد زوال العالم الثاني.. ماذا يمثل العالم الثالث الآن؟

تختلف مفاهيم: العالم الثالث، العالم النامي، دول الجنوب… إلخ، من منظمة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال يصنف البنك الدولي المجموعتين المنخفضة والمتوسطة الدخل في خانة «العالم النامي»، فيما يُصنِّف صندوق النقد الدولي في تقريره عام 2015 نشرة آفاق الاقتصاد العالمي، 37 بلدًا على أنها «بلدان متقدمة» فيما تعتبر بقية البلدان «أسواقًا صاعدة واقتصادات/بلدان نامية» وفقًا للمرفق الإحصائي لنشرة آفاق الاقتصاد العالمي. 

ويشير صندوق النقد إلى أن «هذا التصنيف لا يقوم على معايير اقتصادية دقيقة أو غيرها»، وأنه يهدف إلى تسهيل التحليل بتوفير وسيلة صحيحة بدرجة معقولة لتنسيق البيانات، أما مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإنه يُصنِّف البلدان إلى: مستويات «عالية جدًا»، و«عالية»، و«متوسطة»، و«منخفضة» لتنمية البشرية، ويستند المؤشر إلى مقاييس متعددة، منها ما يتصل بالدخل والتعليم والصحة.

ولا تعتمد الأمم المتحدة تعريفًا رسميًا للعالم الثالث، لكنها تستخدم هذا التعبير لأغراض المتابعة، أي أنها تقوم بتصنيف البلدان والمجموعات لأغراض الملاءمة الإحصائية فقط، دون أي افتراض يتعلق بالانتماء السياسي، وتُصنِّف ما يصل إلى 159 بلدًا على أنها بلدان نامية.

وبموجب التصنيف الحالي للأمم المتحدة، تُعتبَر كل بلدان أوروبا، وأمريكا الشمالية، مع اليابان، وأستراليا، ونيوزيلندا مناطق متقدمة، وكل المناطق الأخرى نامية، ولدى الأمم المتحدة أيضًا قائمة «للبلدان الأقل نموًا» التي تتحدَّد بحساب نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي، وكذلك مقاييس رأس المال البشري والضعف الاقتصادي.

صحيح أن لسوفي السبق في سَكِّ مصطلح العالم الثالث، لكن دلالته الحالية صارت أقرب إلى معنى البلدان النامية، وللبروفيسور البريطاني (B.C. Smith) مؤلَّف هام عن العالم الثالث عنوانه: «Understanding third world politics» أو «كيف نفهم سياسات العالم الثالث»، وفيه حدّد مفهوم دول العالم الثالث بالخصائص الملازمة لها.

إذ عرّف سميث العالم الثالث على أنه «مجموعة من البلدان لها تاريخ استعماري، انخرطت في عملية التنمية اقتصاديا واجتماعيا انطلاقا من حالة تتميز بالدخول المنخفضة، والاعتماد على الزراعة، والضعف في العلاقات التجارية (الدولية)، والحرمان الاجتماعي بالنسبة لأقسام واسعة من المجتمع، وتقييد الحريات السياسية والمدنية».

وبحسب بيانات البنك الدولي في 2019، فإن هناك 110 دول تدخل في شريحة الدول متوسطة الدخل، و27 دولة في شريحة الدول منخفضة الدخل (ويشكلان معًا دول العالم النامي) ويبلغ عدد سكان الشريحتين 6.43 مليار شخص، وتقع 80 دولة في شريحة الدول مرتفعة الدخل، وعدد سكانهم 1.21 مليار شخص، ويلاحظ أن من بين الشريحة الأخيرة ست دول عربية هي دول مجلس التعاون الخليجي، لكنهم يُصنّفون ضمن دول العالم الثالث رغم الدخول المرتفعة.

فعبر العودة إلى تقسيم سميث نجد أنه لا يتوقف عند حدود الدخل، فلا يكفي الدخل المرتفع وحده لوصف دولة ما بأنها من ضمن العالم المتقدم، بل تُضاف إلى الدخل عوامل التصنيع، والاندماج في الاقتصاد العالمي، والاستقلال السياسي، والتنمية البشرية، والدخل القومي، وما يعنينا تحديدًا من تقسيم «سميث» هو الحديث عن الاستعمار أو غياب الاستقلال.

شكل الحكم وفلسفته.. ماذا بقي من الاستعمار؟

هناك أقلية من دول العالم الثالث لم تجرب الاستعمار، مثل الدول الجديدة التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي بعد تفككه، لكن تجربة الاستعمار في العالم الثالث كانت متنوعة من ناحية المدى الزمني للوقوع تحت الاحتلال، وكذلك من ناحية طبيعة المستعمِر.

 فقد حصلت معظم دول أمريكا اللاتينية على استقلالها أوائل القرن التاسع عشر، بينما نالت معظم الدول الإفريقية استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن التدخل الاستعماري الإنجليزي كان أكثر محافظة على الثقافات المحلية، بالقدر الذي كان يناسب السلطة الاستعمارية، بينما كان التدخل الاستعماري الفرنسي والهولندي خشنًا من الناحية الثقافية وأراد اجتثاث الثقافات المحلية، بحسب سميث.

Embed from Getty Images

سيمون بوليفار محرر أمريكا اللاتينية

وقد ورثت نُظُم ما بعد الاستعمار شكل الحكم وفلسفته، ومن الملاحظ أن هذه الأنظمة في الغالبية الساحقة من دول العالم الثالث كانت عسكرية، الأمر الذي لا يمكن تفسيره وفقًا للمصادفة المحضة، إذ إن الإعانات العسكرية والاتفاقات الأمنية شهدت الاهتمام الأكبر في المِنَح المالية من طرف الدول الكبرى، بينما لم يجرِ الاهتمام بقضايا التعليم والصحة والديمقراطية بنفس المستوى، فنشأ من تزاوج نظام الحكم العسكري مع الإعانات المالية، تضخيم وضع المؤسسات العسكرية والأمنية إزاء باقي المجتمع.

كذلك ورثت الدول التي خضعت للاستعمار أوضاعًا اقتصادية بعينها، فبحسب جاك وودس في كتابه «الاستعمار الجديد في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية»، فإن دولة زراعية مثل غانا، «جرى تحويل مناطق زراعية باكملها لإنتاج نوع واحد أو اثنين من المحاصيل؛ سعيًا وراء الربح السريع؛ مما أحدث نقصًا هائلًا في إنتاج المواد الغذائية الضرورية، ولا يستطيع هذا البلد تربية الدواجن أو إنتاج المواد الغذائية التي كُتِب عليه أن يستوردها.

وورثت نظم ما بعد الاستعمار أيضًا تقسيمات جغرافية وُضعتْ لحاجة المستعمِر لا لحاجة السكان الأصليين، وارتبطت الحدود بمفهوم القومية، وهو مفهوم نشأ في ظل أوضاع أوروبية خاصة، ولم تكن له نفس خلفيات الصراع والتناحر الأوروبي في الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، في مناطق العالم الثالث.

فقُسِّمتْ القبيلة الواحدة بين بلدان مختلفة وقد كانت تعيش في بقعة جغرافية متصلة، وأصبح مفهوم القومية وافدا ثقافيا جديدا، يُلزم أبناء القبائل بولاء جديد يتجاوز القبيلة، ويمتد إلى الوطن ليظهر إشكال الاندماج الوطني، وهو الإشكال الذي لم يجد سبيله للحل في أفريقيا بصورة واضحة.

إذ تتنازع القبائل على الحكم، وتقوم الصراعات بناء على استبعاد أخرى من المشاركة في السلطة إذا لم يكن لها حظ في نيل منصب رأس السلطة التنفيذية، فالشعور بالانتماء للقبيلة لا يزال في مناطق عديدة يفوق الشعور القومي، ويتعذر معه الاندماج في مجتمع أوسع، وفقًا للنمط الغربي.

التبعية.. كيف تحكم بلدًا استعمرته من قبل؟

يوضح وودس أن «بريطانيا وفرنسا انطلقتا في مرحلة ما بعد الاستعمار وفي أيديهما أوراق على درجة كبيرة من الأهمية، بالرغم من أنهما ضعفتا من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، فهما تمتلكان مسبقًا جميع الصلات والمعارف الضرورية (الجغرافية والاجتماعية)، وهما متمركزتان في الموقع (الجغرافي) عينه منذ سنوات، بحيث أصبحتا قادرتين على فهم نفسية الشعوب، واستقطاب المؤيدين من النخبة الجديدة، فضلًا عن المؤيدين من الحكام التقليديين، وتشجيع أنماط من الفكر البريطاني والفرنسي، وتدريب كوادر عسكرية وتكنيكية في مؤسساتهما، فكانت البلدان قادرتين منذ البداية على أن تضمنا الاحتفاظ بمؤيديهما في الدول الجديدة (بعد استقلالها)، وفي مراكز رئيسة كما في المؤسسات الثقافية». 

أضف إلى ذلك أن حكمهما السياسي السابق قد أتاح لهما المجال للسيطرة على قطاعات رئيسة من اقتصاد الدول الجديدة، فحسب وودس فإن «بلدًا خارجًا من الاستعمار هو عمليًا لعبة للاحتكارات المتصلة مباشرة بالسلطة المستعمِرة سابقًا».

Embed from Getty Images

صورة كوامي نكروما على طابع بريد من غانا

وتقوم فكرة مدرسة التبعية على الربط بين المتغيرات الاقتصادية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية لدول العالم الثالث، فالقرار السياسي لا يمكن أن يكون مستقلًا عن القوة الاقتصادية، وهو ما وصفه الزعيم الغاني كوامي نكروما بقوله: «يتمثل جوهر الاستعمار الجديد في أن الدولة التي تخضع له مستقلة نظريًا، ولها كل الزخارف الخارجية للسيادة الدولية. والحقيقة أن نظامها الاقتصادي، وبالتالي خطط عملها السياسية، موجّهان من الخارج».

وبخلاف الاقتصاد فقد سادت في فترة ما بعد الاستعمار التدخلات السياسية والعسكرية في دول العالم الثالث، فمثلا تلاعبت الولايات المتحدة الأمريكية بدول أمريكا الجنوبية التي اعتبرتها بمثابة «الفناء الجنوبي» لها، ودعمت تغيير النظم السياسية المعارضة لها هناك.

لكن مثل هذه التدخلات الخشنة لم تعد بنفس الصورة، فهي تتجه إلى تقديم دعم اقتصادي للنظم التي ترضى عنها، وتقوم بحجب الدعم أو فرض عقوبات على النظم التي تعارضها؛ مما يضعف النظام السياسي ويحرجه، فيكون أمام خيار من اثنين؛ إما أن يتعاون، وإما أن يطيحه شعبه.

دور البيروقراطية بعد الاستعمار

يرى سميث أن للدول بعد الاستعمارية سمة مميزة في هيكل الدولة، وأسماها «دولة بيروقراطية مفرطة النمو»، ويقدّر أن هذه الظاهرة أسهم فيها عاملان؛ أولًا، ينتج الاستعمار هيكل دولة مشوهة، وذلك لأن بعض المؤسسات التي كانت مهمة بصورة خاصة للحكومة الاستعمارية، والتي كان لها تاريخ طويل نسبيًا، كانت بالغة النمو، أي البيروقراطية (الجهاز الإداري للدولة) والقوات المسلحة والشرطة، وتمثلت سمة أساسية للحكومة الاستعمارية في اعتماد شديد على هذه المؤسسات.

Embed from Getty Images

مجمع التحرير الإداري في القاهرة بمصر

ثانيا، تكثّفت هذه البَقْرَطَة (عملية خلق البيروقراطية) بالمشاركة غير المتناسبة للدولة في الاقتصاد بعد الاستعماري، فصارت الدولة الفاعل الاقتصادي الأساسي، فهي صاحب العمل الرئيسي، وهي تلعب دورًا بارزًا في إدارة تدفق التمويل الدولي من المساعدة والقروض والاستثمار الأجنبي، وتصير الدولة مصدر رأس المال، وهي توجه استخدامه، كانت السيطرة البيروقراطية على الاقتصاد والمجتمع المدني مكثّفة في كل مكان في أعقاب الاستقلال».

إن دراسات مجتمعات ما بعد الاستعمار، تكشف حجم التغلغل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في دول العالم الثالث، وقد دخلت عوامل جديدة للتأثير على القرار المحلي، مثل الشركات عابرة الجنسيات، بما تمثله من قوة في الاقتصاد العالمي، كما أن حجم الديون الخارجية لمعظم دول العالم الثالث تشير بوضوح إلى أن التخلّص من التأثير الخارجي على القرار الداخلي لا يزال أمامه أشواطًا كثيرة ليقطعها.

المصادر

تحميل المزيد