ربما يكون أول ما يتبادر إلى ذهنك عند ذكر كولومبيا مافيا المخدرات وبابلو إسكوبار، وقد تسعفك معلوماتك لتتذكر أنها ضمن أكبر منتجي البن في العالم، وفي حال كنت من محبي الطبيعة فقد تعرف أن البلد الواقع في الجهة الشمالية الغربية من قارة أمريكا الجنوبية بها شواطئ جميلة ومناظر طبيعية جذابة، لكن ما قد لا تعرفه هو أن كولومبيا وجهة مثالية للمستثمرين الباحثين عن الفرص في الكثير من القطاعات.

وخلال السطور القادمة سنسرد مجموعة من الأسباب تجعل من كولومبيا وجهة مميزة للاستثمارات، فوفق تقرير «ممارسة أنشطة الأعمال» الصادر عن «البنك الدولي» عام 2018، فإن كولومبيا تأتي في المركز الرابع في أمريكا اللاتينية كدولة مناسبة لممارسة الأعمال، وهناك كثير من العوامل تجعل منها مكانًا مثاليًا للمستثمرين، ولكن قبل عرض هذه العوامل سنشير إلى بعض الملامح التي تجعل من كولومبيا بلدًا يمكن للمستثمرين توقع تحقيق نجاح تجاري مستمر فيها.

لماذا يتوقع المستثمرون النجاح في كولومبيا؟

تحتل كولومبيا المرتبة الأولى في المنطقة والمركز السادس في جميع أنحاء العالم  فيما يخص حماية المستثمرين، كما يتم تنفيذ واعتماد تقنية «5G» لشبكات المحمول في الوقت الحالي؛ مما سيعطي سرعة أكبر للوصول إلى البيانات في الأجهزة المحمولة، بينما تعمل على تحديث قانون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التابع لوزارة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

إضافة إلى ذلك فإن الطبقة الوسطى المتنامية في كولومبيا – من حيث عدد السكان والثروة – تحرك الطلب والنمو الاقتصادي بصورة واضحة، وهذه الطبقة تجعل مستقبل الاستهلاك في معظم المجالات إيجابيًا، وهو ما يشجع المستثمرين، بينما قامت البلاد بإصلاحات بلغت 34 إصلاحًا تهدف إلى تحسين بيئة التفاوض.

«ذا نيويوركر»: إرث بابلو إسكوبار ما زال مستمرًا.. وقد غير تاريخ كولومبيا

كما أن تركيز البلاد على خطة التنمية الوطنية، التي يطلق عليها «ميثاق كولومبيا، ميثاق العدالة»، التي تعمل على مجموعة من المجالات، والتي أعلنتها حكومة الرئيس إيفان دوكي مؤخرًا، وتم اعتمادها في مايو (أيار) الماضي، يحدد مسار البلاد الاقتصادي للسنوات الأربع القادمة، بالرغم من الجدل واحتجاجات النقابات والمعارضة، الذين شعروا أنها لا توفر ما يكفي من التمويل الاجتماعي واحتياجات العمال.

يضاف إلى ذلك أن الاستقرار السياسي في كولومبيا يعزز من فرص المستثمرين، وفق «تقرير المواهب العالمية» الصادر عن «المعهد الدولي للتنمية الإدارية» عام 2017، فإن كولومبيا تحتل المركز الثالث من حيث توافر أكثر القوى العاملة المؤهلة في أمريكا الجنوبية، إضافة إلى أنها تتسم بعمالة منخفضة التكاليف، وهو ما يمثل ميزة أخرى للشركات التي ترغب بالاستثمار.

1- نمو مستقر على مدار آخر 7 سنوات

وفق تقديرات «صندوق النقد الدولي»، فقد شهد اقتصاد كولومبيا نموًا بمعدل 3.8% في المتوسط على مدار السبع سنوات الماضية، بينما من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بنسبة 3.59% خلال هذا العام وبنسبة 3.7% في 2020، هذه المعدلات – وإن كانت غير ضخمة – ولكن استقرار المعدل بنسبة كبيرة يوفر حالة من الأمان لدى المستثمرين، خاصة أن النمو مصدره غالبًا يكون قطاعات حيوية.

وتوضح بيانات «البنك الدولي»، أنه منذ الانكماش الذي أصاب اقتصاد البلاد في 1999 حققت كولومبيا منذ بداية عام 2000 وحتى الآن نموًا إيجابيًا، وخلال تلك السنوات تسجل البلاد معدل تضخم يمكن وصفه بالمقبول، حيث وصل إلى 3.3% خلال العام الماضي.

2- إمكانية الوصول إلى 1.5 مليار مستهلك

يشير تقرير نشر على موقع «بيز لاتين هاب»، أن كولومبيا مرتبطة بـ16 اتفاقية تجارية، تتيح للمستثمرين الوصول إلى أكثر من 60 دولة ونحو 1.5 مليار مستهلك، ووقعت هذه الاتفاقات مع دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمكسيك، وكندا، والسلفادور، وجواتيمالا، وهندوراس، وبنما، إضافة إلى أن كولومبيا عضو مؤسس في «تحالف المحيط الهادئ» إلى جانب تشيلي، وبيرو، والمكسيك.

هذه التحالفات تمكن المستثمر الذي يعمل في كولومبيا من الوصول أكبر اقتصادات في العالم؛ ما يعزز القدرة على الوصول إلى الكثير من الأسواق، وفي ظل وجود الكثير من الصناعات الواعدة للاستثمار هناك يجد المستثمر أن السوق الكولومبي ربما يكون مثاليًا، خاصة أن قطاع الصناعات التحويلية يمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة جيدة.

3- ضرائب أقل.. استثمار أكبر

من أهم ما يشغل أي مستثمر في الغالب هي الضرائب، ويبحث المستثمرون دائمًا عن الدول التي تقدم مزايا ضريبية، وهذا الأمر يبرز في كولومبيا بشكل واضح، فبالإضافة إلى الكثير من الحوافز الاستثمارية التي تقدمها الحكومة الكولومبية هناك مزايا ضريبية، حيث باتت ضريبة الدخل بنسبة 20% مؤخرًا بدلًا عن 33%، كما أن ضريبة القيمة المضافة تساوي صفر%.

4- قطاع زراعي مزدهر

يعد القطاع الزراعي أهم القطاعات الاقتصادية التي تجعل من كولومبيا مكانًا مثاليًا للاستثمار، فبحسب «منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)» فإن أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة في العالم موجود في سبع دول من بينها كولومبيا، فالبلاد تتمتع بتنوع المناخ والأراضي الخصبة؛ مما يجعل بيئتها مناسبة لزراعة الفواكه والخضراوات على مدار العام.

إضافة إلى ذلك أصبحت صناعة القنب وزراعته للأغراض الطبية والعلمية مقننًا منذ أغسطس (آب) 2017، حيث توفر وزارة الصحة والحماية الاجتماعية التراخيص حسب نوع البذور ونوع عملية التصنيع والعملاء، وهذا السوق تحديدًا يتوقع أن يصل حجمه عالميًا إلى 43 مليار دولار أمريكي في عام 2025.

هذه التعديلات التشريعية جذبت استثمارات أجنبية لسوق القنب الطبي في البلاد، خاصة مع توفر فرص إنتاج وزراعة منخفضة التكلفة للشركات، كما يتم تصدير منتجات القنب الطبية لجميع أنحاء العالم، فهناك 214 شركة مسجلة للحصول على ترخيص مع نهاية عام 2018.

على الجانب الآخر، فإن كولومبيا هي خامس أكبر منتج لألياف الموز في العالم؛ وذلك بسبب اهتمام المستهلكين بالتنمية المستدامة، لذلك فقرار الاستثمار في الألياف المستدامة هناك، مثل: ألياف الموز، وقشر البرتقال، يعتبر قرارًا جديدًا تعززه إمكانيات القطاع الزراعي كما ذكرنا. بينما يظل البن على رأس المنتجات الزراعية الواعدة دائمًا في كولومبيا، وذلك مع تزايد الطلب على القهوة واستمرار صناعة القهوة في البلاد في التطور.

5- اقتصاد تكنولوجيا المعلومات المتنامي

قد يكون قطاع التكنولوجيا في كولومبيا الأكثر تميزًا خاصة إذا ما تم النظر إليه من ناحية الأجل الطويل، فالبلاد هي رابع أكبر سوق في قطاع تكنولوجيا المعلومات في أمريكا اللاتينية، كما تتمتع ببيئة قوية وجذابة لتطوير صناعة تكنولوجيا المعلومات، وذلك بفضل دعم الحكومة والتزام القطاع الخاص، الذي أثر على وصول المستثمرين العالميين الذين يجدون في كولومبيا منصة تصدير.

واختارت عملاق التجارة الإلكترونية وأكبر شركة البيع بالتجزئة عبر الإنترنت «أمازون» كولومبيا بدلًا عن شيلي والأرجنتين لافتتاح مركز خدمة العملاء في أمريكا الجنوبية في العاصمة بوغوتا، بينما اختار «المنتدى الاقتصادي العالمي» مدينة مادلين – ثاني أكبر مدينة في كولومبيا – لاستضافة أول مركز للثورة الصناعية الرابعة في أمريكا اللاتينية، والذي سيعزز البحث في مواضيع وتقنيات مثل «البلوك تشين».

ووفق التقديرات الرسمية فصناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات الكولومبية ضاعفت من مبيعاتها خلال السنوات السبع الماضية، كما تحتل كولومبيا المرتبة الخامسة للاستثمار الأجنبي المباشر بهذا القطاع في أمريكا اللاتينية، وذلك في ظل اتجاه الحكومة لزيادة الملكية الأجنبية، بهدف تمكين قوي للشركات التي تعتمد على التكنولوجيا الصغيرة والكبيرة.

6- صناعة مستحضرات التجميل

تعد صناعة مستحضرات التجميل في كولومبيا رابع أكبر سوق في أمريكا اللاتينية ويقدر نموها بنسبة 11.6% حتى عام 2020، ويشكل سوق كولومبيا حاليًا ما قيمته 3.1 مليار دولار، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم في مع استمرار نمو هذه الصناعة، فإلى جانب المرأة التي تبحث عن منتجات أكثر طبيعية، فإن الرجال في كولومبيا يشترون أيضًا المزيد من المنتجات المتخصصة.

ويعتبر معدل استهلاك الفرد في منتجات العناية بالبشرة في أمريكا اللاتينية هو الأعلى عالميًا، لذلك مع الإمكانيات الزراعية واتساع هذا السوق فالاستثمار في هذا القطاع هو قرار جيد، وبالفعل تقوم العديد من الشركات الدولية بإنشاء مراكز للمنتجات في بوغوتا لتقليل المسافة بين مكان العمل والمستهلكين، مثل «لوريال» الفرنسية.

7- التعدين بملكية 100% للشركات الأجنبية

تمتلك كولومبيا قطاع تعدين مميز يتكون من ثلاث مجموعات سلعية؛ هي الفحم والذهب والزمرد، وبالرغم من أن الصناعة قد تلقت صدمة في منتصف عام 2016 بسبب انخفاض الأسعار الدولية بسرعة، إلا أن الأمور تبدو إيجابية حاليًا، خاصة أن التوقعات تشير إلى نمو قوي في عام 2020.

وتعمل الحكومة الكولومبية على تشجيع  الاستثمار الأجنبي في قطاع التعدين، وذلك عن طريق السماح للشركات الأجنبية بملكية 100%، إضافة إلى انخفاض الضرائب على الشركات، ناهيك عن الاتجاه نحو زيادة الإنفاق على البنية التحتية، وفق خطة التنمية الوطنية، لذا فهذا القطاع هو استثمار جيد للغاية.

كيف يمكن لكلمات صغيرة أن تغير مسارات الاقتصاد العالمي؟

المصادر

عرض التعليقات
s