نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» ما قالت إنها تفاصيل كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية، في إطار تحقيقاتها بشأن التدخل الأجنبي بانتخابات عام 2016، التي أفرزت فوز الرئيس دونالد ترامب. وتشير المعلومات الحديثة إلى استخدام الإمارات أذرعا بالولايات المتحدة، بشكل غير قانوني، لدعم حملات انتخابية ماديًا، مقابل مواقف سياسية، وترجيح كفة مرشحين على حساب آخرين.

كما تلفت الصحيفة إلى استخدام تلك الأذرع بأول حرفين من كلمة «صاحب السمو» بالإنجليزية (H.H) للإشارة إلى محمد بن زايد، الذي وصفته «نيويورك تايمز» بأن الحاكم الفعلي للإمارات. وتاليا ترجمة «عربي21» لتقرير الصحيفة الأمريكية:

كان المتبرعون يشيرون إلى تبرعاتهم للحملة الانتخابية بعبارة «البضائع المشوية»، وفي العادة «البقلاوة»، ويطلقون على هيلاري كلينتون لقب «أختنا» أو «السيدة الكبيرة». وكانوا يشيرون إلى ولي أمرهم بالحرفين الأولين من عبارة «صاحب السمو»، ويقصدون به محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهو أحد أقرب شركاء البنتاجون في الشرق الأوسط وأحد أكبر المنفقين الأجانب على شراء النفوذ داخل واشنطن.

كتب جورج نادر، المبعوث المؤتمن لدى ولي العهد، رسالة نصية في أواخر شهر يونيو (حزيران) من عام 2016 قائلًا: «سأرسل لك ملاحظة حول الموضوع تتضمن تكليفا من ولي العهد». يصف في رسالته تلك دفعة بمليون دولار من «البقلاوة»، وذلك بحسب ما ورد في لائحة اتهام وجهتها له وزارة الدفاع هذا الأسبوع.

وبعد شهور قليلة، وفي رسالة أخرى وجهها لأحمد الخواجة، رجل الأعمال المقيم في كاليفورنيا الذي اتهم بأداء دور القناة لتوصيل تبرعات السيد نادر غير القانونية، كتب السيد نادر قائلًا: «سوف أغادر في الصباح الباكر عائدًا لأنضم إلى ولي العهد. وقد أخبرته عن المناسبة الرائعة مع أختنا، وقد أثلج ذلك صدره، ويود معرفة كل شيء عن ذلك شخصيًا».

توجه إلى السيد نادر تهمة توصيل ما يزيد عن 3 ملايين ونصف المليون دولار من التبرعات غير المشروعة للحملة من خلال السيد الخواجة، وذلك بهدف شراء النفوذ داخل واشنطن – في بادئ الأمر مع السيدة كلينتون وحلفائها الديمقراطيين خلال حملة عام 2016، ثم مع دونالد جيه ترامب بعد أن فاز بالانتخابات – وذلك لكسب «الحظوة» و«الدعم المالي المحتمل» من حكومة أجنبية غير مسماة.

تكشف القراءة المتأنية للائحة الاتهام المكونة من 64 صفحة عن أن الحكومة غير المسماة هي دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يملك السيد نادر مصالح تجارية ويعمل مستشارا لدى ولي العهد.

في وقت تشهد فيه واشنطن جدلا محتدما حول التدخل الأجنبي في السياسة الأمريكية، يقول النقاد: «إن الخطة المذكورة في لائحة الاتهام هي واحدة من أجرأ المحاولات في التاريخ من قبل سلطة أجنبية لشراء النفوذ في أثناء عملية انتخابات». على الرغم من أن الناشطين في اللوبي لصالح عملاء أجانب يساهمون بشكل روتيني في دعم الحملات الانتخابية، إلا أنه من النادر أن يرتبط رئيس دولة بنفسه وبشكل شخصي بمزاعم تتعلق بتجاوز قوانين تمويل الحملات الانتخابية.

وهذا هو أحدث مثل لمسعى يقوم به من يفترض فيه أن يكون حليفا أمريكيا لتشكيل السياسة الأمريكية من الداخل، وأكثر ما هو صادم في الأمر أن ولي العهد محمد بن زايد هو واحد من أكثر المنفقين الأجانب على الأشكال القانونية للتأثير – من استئجار مؤسسات اللوبي المسجلة إلى تمويل مراكز البحث والتفكير.

يقول بن فريمان، مدير قسم مبادرة الشفافية للتأثير الأجنبي التابع لمركز السياسة الدولية: «تشتهر الإمارات العربية المتحدة بوجودها المكثف في قطاع التأثير الأجنبي بشكل عام، ولكنهم أيضًا يجيدون ذلك. وهذا يثبت إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا لإنجاز ما يريدون: زعيم دولة يزعم أنها حليف للولايات المتحدة يتورط شخصيا في انتهاك قوانين تمويل الحملات الانتخابية الأمريكية ليصب الأموال في جيوب سياسيينا – هذا ضرب من الجنون في رأيي». وقد رفض ممثل لسفارة الإمارات في واشنطن التعليق على الموضوع.

لفت السيد نادر انتباه السلطات الأمنية للمرة الأولى بسبب مساعيه لتوثيق الصلة بحملة ترامب وإدارته نيابة عن الأمير محمد بن زايد. وبعد الانتخابات، عمل السيد نادر على مساعدة رجل أعمال روسي مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين في تأمين اتصالات مع فريق ترامب. وقبل وقت قصير من حفل التنصيب، ساعد السيد نادر ولي العهد محمد بن زايد في ترتيب لقاء بمنتجعه الكائن في سيشلز جمع رجل الأعمال الروسي بإريك برينس، المقاول الأمني والمتبرع للحزب الجمهوري الذي تربطه صلات وثيقة بفريق السيد ترامب.

Embed from Getty Images

جورج نادر

أدلى السيد نادر بشهادته العام الماضي في التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص حول التدخل الروسي في انتخابات عام 2016، ويقبع الآن في السجن داخل الولايات المتحدة بتهم لها علاقة بحيازة مواد إباحية لأطفال. يذكر أن السيد نادر وشريكه السيد الخواجة كليهما أمريكي الجنسية من أصول لبنانية.

وأما السيد الخواجة، والمشهور باسم آندي، فهو مؤسس شركة متخصصة في معالجة القبض المالي عبر الإنترنت، وكان قد توصل مرتين إلى تسوية لتهم وجهتها له هيئة التجارة الفيدرالية، ومفادها أنه ساعد مواقع إنترنت غير قانونية على غسيل الأموال – وذلك بتنازله في عام 2009 عن 13 مليون دولار، وفي العام الماضي عن قصر كان يملكه في بيفرلي هيلز قيمته 15 مليون دولار.

وهو صارخ في سلوكه، ومن أمثلة ذلك أنه بينما كانت شركته تنمو، تزوج السيد الخواجة عارضة أزياء من مواليد ليثوانيا، واشترى عدة سيارات فاخرة، بما في ذلك واحدة من طراز فيراري، وبدأ يظهر في الأماكن العامة برفقة زوجته الجديدة، كما يظهر من صور أخذت له في بعض الحفلات وفي بعض متاجر المجوهرات والملابس التي تبيع أفخر الماركات. وفي عام 2014، أنتج السيد الخواجة برنامجًا لتلفزيون الواقع اسمه «عارضة تحولت إلى نجمة كبيرة»، تظهر فيه الفتيات وهن يثبن معه على متن قارب بحري.

لم يقدم السيد الخواجا تبرعًا سياسيًا واحدًا قبل أواخر عام 2015 وهو الوقت نفسه الذي التقى فيه مع السيد نادر في أثناء زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بحسب ما يقوله أشخاص مقربون من السيد نادر. وجه السيد الخواجة، الذي يتحدث العربية بطلاقة، رسالة إلى ولي العهد محمد بن زايد يطلب فيها لقاء معه قال فيها: «لكي أعرض على صاحب السمو خطط شركتنا لنقل ما تجمع لديها من خبرات ومعارف في مجال التكنولوجيا والتعليم والخدمات المالية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة».

رغم أنه من غير الواضح ما إذا كان مثل هذا الاجتماع قد حصل، إلا أن السيد الخواجة بدأ بإجراء محادثات مع السيد نادر حول بعض من المشاريع التجارية. في ذلك الوقت نفسه، بدأ السيد الخواجة بالتبرع بمئات الآلاف من الدولارات لحملات الحزب الديمقراطي، وضمن بذلك حضور بعض المناسبات جنبًا إلى جنب مع السيدة كلينتون وكبار مستشاريها – بما في ذلك عشاء لجمع التبرعات في منزل السيد الخواجة بحضور بيل كلينتون في يونيو من عام 2016 – وكثيرًا ما كان يصطحب معه السيد نادر.

في عدد من الرسائل النصية التي تقتبس منها لائحة الاتهام، يظهر السيد نادر وهو يطمئن السيد الخواجة بشأن توصيل كميات كبيرة من المال لدفع التبرعات. كتب السيد نادر قريبًا من 18 من يونيو 2016 يقول: «بقلاوة طازجة في طريقها إليك، صممت خصيصًا للمناسبة الخاصة التي تنظم في منزلك في وقت لاحق من هذا الشهر! الصينية الأولى في طريقها إليك. بمجرد أن تتذوقها وتعجبك أنواعها، سيكون المزيد منها في طريقه إليك في القريب العاجل».

بعد أن تلقت شركته تحويلا بمبلغ مليونين ونصف المليون يورو من السيد نادر، رد السيد الخواجة قائلًا: «وصلت البقلاوة الصغيرة. 2.7 قطعة وصلت هذا الصباح». وفي رسالة وجهها بعد أسبوعين، وعد السيد نادر «بالضغط على الخباز ليعد لي صينية أخرى من البقلاوة».

كما تشير الرسائل المتضمنة في لائحة الاتهام أيضًا أن السيد نادر كان يبلغ ولي العهد محمد بن زايد أولا بأول بالجهود التي يبذلها السيد الخواجة؛ ففي السادس من يونيو، كتب السيد نادر إلى مسؤول إماراتي يبدو أنه ولي العهد نفسه قائلًا: «أسافر صباح السبت لألحق بأختنا الكبيرة وبزوجها: سوف أراه يوم الأحد وسوف أراها هي يوم الثلاثاء، يا سيدي. أود رؤيتك غدًا في الوقت الذي يناسبك .. لأسعد بتوجيهاتك وتعليماتك ومباركتك!».

وبحسب ما ورد في لائحة الاتهام، كتب في مناسبة أخرى يقول: «عقدت اجتماعًا رائعًا مع الأخت الكبيرة هـ. (هيلاري كلينتون) ولسوف يسعدك كثيرًا ما جرى في اللقاء».

إلا أن السيد نادر كان يعمل في الوقت نفسه على بناء علاقات مع فريق ترامب، كما أرسل يقول للمسؤول الإماراتي. فقد كتب السيد نادر في يوليو (تموز) من عام 2016 يقول: «أتواصل مع الشخصيات الرئيسية في كلا المعسكرين، وأعمل على إقامة علاقة دائمة وثابتة وبناءة مع كلا المعسكرين!» حضر كل من السيد الخواجة والسيد نادر حفلة ليلة الانتخابات التي نظمتها السيدة كلينتون في مانهاتن، وذلك بحسب ما شهد به أشخاص على معرفة بتفاصيل الحفلة.

Embed from Getty Images

ولكن مباشرة بعد يوم الانتخابات، كما ورد في لائحة الاتهام، قرر السيد نادر والسيد الخواجة كلاهما نقل دعمهما غير المشروع ليصب في صالح السيد ترامب، بدءا بتبرع قدره مليون دولار لحفلة التنصيب. في رسالة وجهها إلى السيد نادر بعد شهر من ذلك، قال السيد الخواجة: «لا أستطيع أن أحكي، فأنا الآن مع السيد ترامب». وأرفق الرسالة بصورة له مع الرئيس المنتخب في نشاط لجمع التبرعات في مانهاتن، وذلك بحسب ما رواه شخص رأى الرسائل بنفسه. يبدو أن الجمهوريين بدورهم لم يثيروا سوى القليل من الأسئلة حول التغير المفاجئ الذي طرأ على موقف السيد الخواجة أو حول مصدر أمواله.

سرعان ما بدأ إليوت برويدي، أحد كبار جامعي التبرعات لصالح الحزب الجمهوري، يتواصل مع السيد الخواجة باعتباره متبرعًا كبيرًا. ثم ما لبث السيد برويدي، الذي كانت مؤسسته التي تعمل في مجال المقاولات العسكرية تسعى حينها للحصول على عقود من ولي العهد محمد بن زايد، أن بدأ بالعمل عن كثب مع السيد نادر في عام 2017، وهو الآن رهن التحقيق من قبل المباحث الفيديرالية لاحتمال أن يكون قد عمل وكيلًا أجنبيًا غير مرخص لصالح الإمارات.

بحسب نص حصلت عليه «نيويورك تايمز»، كتب أحد العاملين في الحزب الجمهوري في وقت مبكر من عام 2017 يقول للسيد برويدي: «اتصل بآندي الخواجة في وقت لاحق اليوم (في حدود الساعة الخامسة) لتذكره بأننا نحتاج منه أن يحول غدا 250 ألف دولار». بعد خمسة أيام، تبرع السيد الخواجة وزوجته بما مجمله مئتين وخمسين ألف دولار للجنة الوطنية في الحزب الجمهوري.

وبعد أن علم بأن السيد الخواجة ينوي التبرع بالمزيد من المال، بعث السيد برويدي لاحقًا برسالة نصية إلى الموظف في الحزب الجمهوري يقول له: «أظن أننا نعلم بأن جميع المال في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أخضر. اطلب الحد الأعلى من المبلغ المتبقي. وتأكد من أن تتم دعوة السيد والسيدة الخواجة إلى حفلة الإجازة بالبيت الأبيض».

عرض التعليقات
تحميل المزيد