نجت المنطقة المغاربية، نسبيًّا، من جائحة كورونا مقارنة بأوروبا، على الرغم من القرب الجغرافي لإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، البلدان التي ضربها «تسونامي» الوباء بشدة، والتي تضم ملايين المهاجرين من شتات البلدان المغاربية.

يرجع العديد من المراقبين الفضل في ذلك إلى مسارعة البلدان المغاربية الثلاثة إلى إغلاق الحدود وإعلان الحجر الصحي الشامل في وقت مبكر، لكن تونس تحديدًا بدت الأقل تأثرًا بالوباء، حتى مقارنة بجيرانها الجزائر والمغرب.

في حين اتخذت البلدان الثلاثة نفس الإجراءات الاحترازية تقريبًا، حصلت تونس على نتائج ممتازة بالنظر إلى بياناتها الرسمية المعلنة بخصوص الوباء، إذ استطاعت تسطيح منحنى الفيروس إلى صفر حالة خلال الأيام الأخيرة، لتقدم إحدى التجارب العربية الفريدة في مواجهة جائحة كورونا.

الطريق نحو «صفر إصابة»

مثل باقي البلدان المغاربية، اكتشفت تونس أول حالة مصابة بفيروس كورونا الجديد في الأسبوع الأول من شهر مارس (آذار)، ومنذ ذلك الحين، أصدرت الحكومة التونسية قرارات متتابعة من أجل الحد من تفشي الفيروس.

في 9 مارس، أغلقت تونس أجواءها مع إيطاليا، وعلّقت الدراسة في جميع المدارس والجامعات. وفي 13 مارس، أعلنت السلطات التونسية الانتقال إلى المستوى الثاني من الحماية، لتقرر إغلاق المقاهي والمساجد والمطاعم والنوادي الليلية، وإلغاء المؤتمرات والأحداث الثقافية، وكافة المسابقات الرياضية. وبعد أقل من أسبوع، شمل الإغلاق الأسواق والحمامات العامة، وخُفّضت ساعات العمل إلى خمس ساعات في اليوم، وفُرض حظر التجوال على كامل أرجاء الأراضي الجمهورية التونسية، بعد أن بدا أن الوباء قد وصل.

عدد الحالات المصابة بكوفيد-19 في تونس بين 23 أبريل و23 مايو. المصدر: جوجل، نقلًا عن منظمة الصحة العالمية.

مع أواخر مارس، بلغ الوباء الذروة في تونس، وبدأت تسجل أكثر من 50 إصابة في كل يوم، ثم بعد ذلك سُجل هبوط تبعه ذروة صغيرة ثانية في منتصف إبريل (نيسان). وبحلول 10 مايو (أيار) أعلنت السلطات الصحية التونسية أنها لم تسجل أية حالات جديدة من حالات الإصابة بفيروس كورونا، لتبدأ الحكومة بتخفيف القيود المفروضة على الحركة والأعمال.

وسجلت تونس في الأسبوعين الماضيين أقل من 15 حالة، تخللها العديد من الأيام بصفر إصابة، بينما لا تزال تسجل كل من المغرب والجزائر في كل يوم ما يقارب 100 حالة أو أكثر. وبلغ عدد إجمالي الإصابات بفيروس كورونا بتونس حتى اللحظة 1045 حالة، شفي منها 862 حالة، فيما توفي حوالي 47 شخصًا.

هذا ما جعل رئيس الحكومة التونسية، إلياس الفخفاخ، يصرح بفخر في كلمة بثها التلفزيون التونسي، قائلًا إن «تونس نجحت في تجاوز أزمة كورونا، وكل المؤشرات والأرقام تؤكد أن مقاربتنا في مواجهة الفيروس ناجحة»، مشيرًا إلى أن البلاد ستخرج من حالة الحجر الصحي المشدد بعد عيد الفطر.

أسباب قد تفسر نجاح تونس

عزا إلياس الفخفاخ هذا النجاح، الذي حققته بلاده في مواجهة أزمة وباء كورونا، إلى «المقاربة الاستباقية والإجراءات السريعة التي اعتمدتها حكومته، بالإضافة إلى وعي الشعب وقدرته على خوض المعارك الكبرى».

صحيح أن السلطات التونسية قد اتخذت إجراءات استباقية لتطويق الفيروس مثل إغلاق الحدود مع إيطاليا وفرض الحجر الصحي الشامل، غير أن مراقبين يرون أن هناك أسبابًا أخرى ساعدت تونس في محنتها.

أحد هذه الأسباب هو العامل الديموغرافي، إذ يقدر عدد سكان تونس بنحو 11.4 مليون نسمة فقط، أي أقل من ثلث ساكنة المغرب أو الجزائر، كما أن لديها كثافة سكانية منخفضة، بمعدل 74.4 شخص في كل كيلومتر مربع، وهو ما يساعد في تطويق الوباء، بعكس البلدان المكتظة بالسكان.

كما استعانت تونس بالخبرة الصينية في مواجهتها للجائحة، إذ صرّح وزير الصحة التونسي عبد اللطيف المكي في مقابلة لوكالة أنباء «شينخوا» الصينية، إن: «التعاون الصيني التونسي على صعيد مجابهة مرض فيروس كورونا الجديد، اتخذ عدة أشكال، إذ عقدنا ندوات بالفيديو بين خبراء تونسيين وصينيين، واشترت تونس من الصين مواد صحية منها الوقائية».

وكان من اللافت، خلال هذه الأزمة، نزوع تونس إلى اعتماد التكنولوجيا المتطورة على غرار بعض البلدان الآسيوية، مثل توظيف روبوتات طبية في المستشفيات التونسية الرئيسية المخصصة للعناية بمرضى كوفيد 19، من أجل الحد من الاتصال بين مقدمي الرعاية والمرضى وبالتالي تجنب خطر العدوى. مثلما تم اللجوء إلى طائرات الدرون لمراقبة الحجر الصحي وقياس حرارة المارة، ومؤخرًا أعلنت السلطات التونسية عن تطبيق «احمي» للتتبع حالات كورونا.

تجربة نموذجية لطائرات درون في إطار التقصي لفيروس كورونا تم اليوم الجمعة 24 أفريل 2020 بمنطقة سيدي ثابت من ولاية أريانة…

Geplaatst door ‎Ministère de la santé وزارة الصحة‎ op Vrijdag 24 april 2020

تحديات لا تزال تواجه تونس

من جهة أخرى، يشكك البعض في هذا الانتصار الذي أعلنته الحكومة التونسية ضد وباء كورونا، لا سيما وأن عدد الاختبارات قليل جدًا، وتصل في المتوسط إلى 300 اختبار في اليوم. كما أن وزارة الصحة التونسية تطالب المواطنين الذين تظهر عليهم أعراض فيروس كورونا الجديد بالعزل الذاتي في المنزل، وبالتالي لا يتم اختبار الكثير من المصابين فعليًّا، ما يحول دون احتسابهم مرضى للفيروس التاجي.

وفي هذا الصدد، يقول محسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس، في حديثه مع صحيفة القدس العربي، إن رئيس الحكومة: «تسرّع في إعلانه نجاح الحكومة في مقاومة كورونا»، مضيفًا بأن هناك عدة أشياء يُحتكم إليها للإقرار بالنجاح من عدمه، وأولها كيفية الخروج من الحجر ومن أزمة كورونا، على حد قوله.

اقتصاد الناس

منذ 7 شهور
هل تصمد دول المغرب العربي اقتصاديًّا أمام جائحة كورونا؟

فيما صرح عضو اللجنة العلمية التونسية لمكافحة فيروس كورونا المستجد، الدكتور الحبيب غديرة، لقناة نسمة، بأن «الإصابات المحلية الأخيرة بفيروس كورونا، تؤكّد وجود دلالات لعودة الوباء مرة أخرى».

وتبقى الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها الجائحة أكبر تحدّ يواجه تونس اليوم، فبحسب المسؤولين في تونس، فإن اقتصاد البلاد سينكمش بنسبة تصل إلى 4.3%، وهو أكبر انخفاض منذ الاستقلال عام 1956. وقد تشهد السياحة، القطاع الرئيسي في بلاد الياسمين، خسارة بنحو 1.4 مليار دولار، وإلغاء 400 ألف وظيفة هذا العام، بسبب جائحة فيروس كورونا، فضلًا عن توقع تراجع مورد العملة الصعبة من السياحة في السنوات القادمة. وهو ما يدفع الحكومة التونسية إلى المضي قدمًا في فتح البلاد واستعادة النشاط الاقتصادي مبكرًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد