متى سنتوقف عن العمل؟ وهل يمكن أن يكون الجهد الإنساني غير محدد حقًا، بمعنى لا حدود له، وغير مقيد، ولا ينتهي أبدًا؟ وهل المطالبة بإيقافه معيبة؟

قد يكون الكسل جزءًا لا يتجزأ من معنى أن نكون بشرًا. فلا توجد آلات كسولة، أو حيوانات كسولة، عدا حيوان الكوالا المعروف بسمعته، الذي – على الأرجح – لا يشعر بالعار جراء ذلك، ولا يملك مفردة تصف هذا السلوك في لغته. إذًا فنحن الكائنات المحتكرة للكسل بمعناه الذي نفهمه، لكن هل يجب أن نفخر بهذا الكسل أو نجازيه إحسانًا؟

ربما علينا ذلك؛ فالكسالى هم أشخاص يبنون قوتهم على مهلٍ، يتنافسون في ماراثون يعدو أمامهم عداء لا يُقهر، ومن خلفهم رجل يزحف على أربع. هم بشر لا يستيقظون في السادسة والنصف صباحًا وهم يصرخون، ثم يأتون إلى المكتب في التاسعة؛ لأنهم يفضلون على هذا استكشاف حياتهم الروحية، أو قراءة الأعمال الكاملة لكاتبهم المفضل، أو فقط تأمل الوقت القليل المتبقي لهم قبل رحيلهم عن الدنيا.

فن السعي نحو الكسل الإستراتيجي

في حين أن التركيز يجعلنا أكثر إنتاجية، فإن عدم التركيز يجعلنا أكثر إبداعًا، ونحن نتأرجح بين الحالتين كل يوم. يحظى التركيز بكل الاهتمام؛ فهو ما يساعدنا لإنجاز العمل، وتحقيق الأهداف، ودفع حياتنا إلى الأمام، لكن اتضح أيضًا أن عدم التركيز له نفس القوة، وإن كانت بشكل مختلف.

«عندما لا نفعل شيئًا، نحلم به. وعندما نحلم، فإننا نبني».
*الكاتب الفرنسي جان جيونو

الكسل هو حين لا يتعين عليك تنظيم تفكيرك؛ مما يجعلك تستعيد طاقتك وتشحن عقلك، من أجل التركيز بشكل أعمق في وقت لاحق، لكن تأتينا أكثر أفكارنا إبداعًا ونحن ممددون على الأريكة، أو نتنزه في الحديقة، أو نأخذ حمامًا طويلًا. السبب وراء ذلك أنه عندما يكون انتباهنا لما حولنا منعدمًا، كما هو الحال أثناء نوبات الكسل، يتجول تفكيرنا في أماكن لن يطرقها في أوقات العمل. 

فلسفة

منذ سنة واحدة
هل تبحث عن معنى لحياتك؟ هذا الحل الياباني القديم قد يساعدك

أكدت إحدى دراسات الدكتور جوناثان دبليو سكولر، الأستاذ في قسم العلوم النفسية والدماغية في جامعة كاليفورنيا، التي أخذ فيها عينات دورية من أفكار الناس أثناء فترات راحتهم الطويلة، أن المناطق التي تتجول فيها عقولنا تشمل المستقبل بنسبة 48% من الوقت، والحاضر بنسبة 28%، والماضي في 12% من الوقت. وبالنسبة للوقت المتبقي، عادة ما يكون عقلنا فارغًا، أو تشغله أفكار بلا معنى. 

بهذا التعريف يمكن أن تتخذ قضية الكسل شكلين رئيسين: أولهما ما يمكن أن نسميه نسخة إصلاحية، وتتطلب منا هذه النسخة أن نفكر في تقليل الضغوط التي يفرضها العمل على وقتنا وطاقتنا ومنحنا فرصة للاستمتاع والترفيه.

أما النسخة الثانية فهي مناقضة، وليست إصلاحية، بل عدمية، إذ ترحب هذه النسخة بالخمول والكسل باعتباره المدمر المحتمل لأكبر عقبة أمام السعادة البشرية، هذه العقبة هي الهوس الذي نواجهه في صنع شيء ذي قيمة من أنفسنا، والمدمر لذاتنا الأنانية بكل أشكالها.

مع الاعتراف بوجود بعد آخر لمسألة الكسل، وهو ما إذا كان مدفوعًا بالقلق من الإفراط في العمل، وعدم تطوير الفرق بين مفهوم وقت الفراغ والكسل. 

اشتهاء الكسل وملذاته في عصور اضطهاده

في كتابها «الخلاصة الوافية: استقصاءات متعددة للكسل ومعارضيه»، ترى فيليسيتي كالارد، مديرة قسم الدراسات النفسية في جامعة لندن، أن العمل كان عقابًا منذ بداية التاريخ، بل عنصرًا حاسمًا به، عندما عاقب الله آدم وحواء فأصبحوا ملزمين بالعمل دومًا لإطعام أنفسهم.

ثم كان ما نسميه الآن الكسل يُفهم أصلًا على أنه خطر محدق بالمسيحيين الأوائل، المعروفين باسم «آباء الصحراء»، والنساك والرهبان الذين حولتهم الأنظمة المستبدة الحاكمة من التقوى والصلاة ونكران الذات لإغراءات التثبيط والإهمال والسلب والسرقة للعيش، ليتم تجريم مظاهر الكسل وصولًا إلى النوم في الكنيسة، وانتشار استخدام الكسل مفردةً دينيةً، وشيوع الأساطير عن رجال قضى عليهم كسلهم.

استمر ذلك في قصص القرون الوسطى؛ مجرد قصص مصممة لتخويف البسطاء حتى من النوم، لذلك يمكننا من خلال تتبع الإنجيل واللاهوت المسيحي المبكر حتى أدب العصور الوسطى ملاحظة ظهور ما نسميه الآن «أخلاقيات العمل»، وفكرة أن العمل والجهد هما مصدران لا غنى عنهما للقيمة والكرامة والمعنى في التجربة الإنسانية. 

يمكن فهم التعامل مع خطيئة الكسل في العصور الوسطى من خلال «الكوميديا الإلهية» لدانتي، تلك الجولة الملحمية في الحياة الآخرة من أعمق دوائر الجحيم إلى مكان الذات الإلهية، حيث يجتاز الشاعر الكسالى والبطيئين في شرفة الكسل في الطابق الرابع من جبل التطهر.

على الرغم من اسمها، فإن شرفة الكسل تلك كانت خلية من النشاط، وهو المكان الذي يتجول فيه الآن من كانوا كسالى في حياتهم السابقة، ينسجون حكايات تحذيرية حول الإفراط في الكسل، وقصصًا حول فضائل العمل الجاد، فيما بدا محاولة منهم للحاق بركب كل ما ظنوا أنهم تهربوا منها في حياتهم.

في خيال دانتي، كل عمل نتخلى عن القيام به في الدنيا، سيلحق بنا في الآخرة لتأديته.

خرج البطل الأكثر كسلًا في القرن التاسع عشر، بارتلبي، الناسخ القانوني السلبي الغامض المثير للسخرية، في قصة هيرمان ميلفيل، «بارتلبي الناسخ».

لم يدم ذلك طويلًا، إذ تجرأ الأدباء في استخدام الكسالى أبطالًا لرواياتهم، بل والتماس العذر لهم، فخرج البطل الأكثر كسلًا في القرن التاسع عشر، بارتلبي، الناسخ القانوني السلبي الغامض المثير للسخرية، في قصة هيرمان ميلفيل، «بارتلبي الناسخ». 

على مدار حياته، اتخذ بارتلبي لنفسه بقعة لا يتزحزح عنها أبدًا، في إضراب فردي دائم عن العمل، دون أن يطالب برفع الأجور أو ببيئة أفضل، لكنه فقط يفضل ألا يعمل، حتى أصبح نموذجًا للإضراب الوجودي تقريبًا، في حملة مقاومة للنظام تعتمد على الطريقة التي يمكن بها إفساد حياتنا بسبب رتابة العمل البائسة.

ببساطة، يمكن وصف بارتلبي الذي ما ترك بقعته في المكتب إلا بالطرد والسجن بأنه سلبي، لكن رأى ميلفيل أنه ربما يكون الأشخاص الكسالى حقًا في القصة هم الممثلون الآخرون، الذين يسعون بكل سرور إلى الطريق الأقل مقاومة ويحملون على العمل، مقابل بارتلبي الذي واجه كل الضغوط التي حشدها المجتمع التقليدي ضده.

متى أصبح العمل ضرورة والكسل رذيلة؟

ثبت تاريخيًا أنه من الصعب أن يحسم البشر قرارهم بأنفسهم بشأن ما هو مهم، ويرى الفيلسوف والأديب الفرنسي جان جاك روسو أن البشر مهيئون بشدة للاستماع إلى اقتراحات الآخرين حول الوجهة التي ينبغي أن تتخذها أفكارهم، وما يجب عليهم أن يمنحوه قيمة ثمينة، لكي يبلغوا المكانة والسعادة. 

ربما كان هذا تفسير قوي لتصاعد نبرة العمل وفضائله في أميركا، والتي ترجع إلى القرن السادس عشر، عندما كان مجتمع الأميركيين الأصليين متواضعًا من الناحية المادية، ولكنه مجتمع صغير ينعم بالمساواة والتآزر والرضا، حتى لو كان أفراده متخلفين تجاريًا وماليًا، يأكلون الثمار والحيوانات البرية، ويرتدون الفراء، وينامون في الخيام. 

بالرغم من ذلك، وفي غضون بضعة عقود من وصول الأوروبيين الأوائل، انقلب نظام المكانة في مجتمع الأمريكيين الأصليين، ولم يعد الأمر الأهم هو ما يتحلى به الفرد من حكمة وفهم لسبل عمل الطبيعة، ولكن امتلاكه للحلي والخمور والمرايا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«في قلب كل إنسان خنزير نائم».. كيف رسم المركيز دو ساد ملامح فلسفته؟

كان سبب هذا التحول هو سعي التجار الأوروبيون لدفع السكان الأصليين ليرغبوا في أشياء كثيرة، لم يحتاجوا إليها من قبل، حتى أنها لم تجعلهم أكثر سعادة، لكنهم تدريجيًا اعتادوا ربط الإنجاز بالامتلاك.

يقترب تفسير روسو من تفسير برتراند راسل زمنيًا، لكنهما يختلفان في الدافع، فيرى راسل أنه حتى الثورة الصناعية كان يمكن للرجل أن ينتج بالعمل الشاق ما يقيم أوده وأود عائلته، وما يزيد قليلًا من أجل الكهنة والمحاربين. وفي أوقات المجاعات لم يكن هناك فائض، وكان هنا الهلاك من نصيب الكادحين فقط، فورث أبناؤهم حكمة الموقف وضرورة العمل دومًا، لإنتاج فائضًا أكبر.

انتهى هذا النظام في أوروبا باستيلاء طبقة المنتجين على زمام السلطة، وانتهى في أمريكا بنشوب الثورة وسيادة التكنولوجيا الحديثة، ولكن ظلت أوقات الفراغ حكرًا تنفرد به طبقات ضئيلة العدد، وأصبحت أخلاقيات العمل هي أخلاقيات العبيد، وعلى الإنسان الناجح قبول أخلاق من شأنها أن تجعل الواجب عليه أن يكد ويكدح، بالرغم من أن بطون الآخرين مازالت تتخم في استرخاء وكسل.

في انتقاد فكرة العمل

رفض سلوك الكسل بعض الفلاسفة الأكثر نفوذًا، تماشيًا مع حاجة المجتمع المعاصر للأيدي العاملة، للتأسيس للطبقية بمفهومها الحديث، لشخص يأمر وآخر ينفذ، براتبين مختلفين لكليهما. فرأى كانط العمل ضرورة ليكون الإنسان مفيدًا، ورأى هيجل في ضرورته قبولًا للأعراف المجتمعية، واعتبره ماركس مساهمة للصالح الاجتماعي العام، واتخذه كلّ من شوبنهاور ودي بوفوار وسيلة لتجنب الملل.

وافترض جي. كي. جالبيرت، في كتابه «مجتمع الوفرة»، 1985، أن الناس يُعدون فقراء كلما كان دخلهم أقل بكثير من مستوى الدخل في المجتمع، حتى وإن كان كافيًا لاستمرار حياتهم، وعندئذ لا يستطيعون أن يحظوا بما يعتبره الجزء الأكبر من مجتمعهم الحد الأدنى الضروري لمعيشة لائقة؛ وبالتالي لا يستطيعون أن يهربوا تمامًا من حكم غالبية المجتمع بأنهم أشخاص غير لائقين.

من هنا جرى اعتبار الفشل في مراكمة الثروة علامة على إنسان ناقص أو معيب دون شك، بدلًا عن أن يكون دليلًا على نقص ما، أو إخفاق في جانب محدد من المخطط الأشد تعقيدًا، الضروري من أجل عيش حياة طيبة. وأصبحت مجرد القدرة على كسب المال مرة بعد أخرى تستدعي فضائل في شخصية من يمتلكها، وأصبح ارتداء قميص من الكتان له دلالته الواضحة.

الفراغ ضرورة للحضارة

ثبت تاريخيًا مرة أخرى أن عقولنا عجينة طرية، من السهل أن تؤثر عليها الأصوات الخارجية التي تخبرنا بما ينبغي أن نحتاج إليه لنشعر بالرضا، تلك الأصوات التي ربما تطمس الأصوات الخافتة المنبعثة من داخل نفوسنا وتلهينا عن المهمة الدقيقة والمجهدة، في أن نحدد أولوياتنا بمنتهى الدقة، لذا مثل صوت برتراند راسل نشازًا مزعجًا في ذلك الوقت بين زملائه من الفلاسفة المعاصرين.

قد يكون من الصعب ألا نندهش لموضوع مقالة راسل «في مدح الكسل»، على الأقل إذا كانت معرفتنا به تقتصر على الحجم الهائل لإنتاجه الأدبي؛ فقد كتب راسل كتابًا أو اثنين كل عام تقريبًا، وكان ناشطًا مدنيًا أيضًا. لكن مقالة راسل كانت بغرض الانتقال من العمل المدفوع بأخلاقيات العمل نحو المزيد من المساعي الهادفة، فيصف راسل الأنشطة البشرية اليومية في المصانع والمكاتب وما تنتجه بنوع من السخرية اللاذعة؛ مما جعل سخافة فكرة «أخلاقيات العمل» محل تركيز.

كتب راسل من وجهة نظر إنسانية، لكن مع نوع من المعرفة الداخلية لأولئك الذين يعتقدون أن العمل سلوك نبيل، وأن من الضروري تكليف البعض بالجد والكدح، وإن لم يكن بالضرورة أن يجدّ الجميع، وأولهم من يأمر لأنه يملك فقط.

وانتقد الاعتقاد بأن العمل فضيلة، الاعتقاد الذي لولاه لأصبحنا في عالم أكثر مساواة، حيث لن تكون للطبقة الاجتماعية أية ميزة. واعتقد أن العمل الذي يُنجز في العالم يزيد عما ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثمة ضررًا جسيمًا ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل، والسبيل إلى السعادة والرفاهية ينحصر في الإقلال المنظم للعمل. 

فلسفة

منذ سنة واحدة
«ضحايا مثاليون».. ماذا تعرف عن جمال قبول الأمر الواقع عند اليابانيين وعبئه؟

كان راسل واضحًا للغاية في أنه لا يود الدفاع عن العاطلين عن العمل؛ فذم مجموعات الكسالى، وهم من اختاروا الادخار، والاحتفاظ بالمال، أو استثماره في البنوك الحكومية لحرمانهم الطبقة العاملة من تدويره والاستفادة منه، وذم ملاك الأرض الخاملين، الذين ما كان ليتوفر كسلهم لولا جهد الآخرين وكدحهم. 

حقيقة الحال أن رغبة الطائفتين في الكسل هي منبع الإيمان العام بقدسية العمل من الناحية التاريخية، ونتيجة نجاح الحكام في إقناع الطبقة العاملة بأن مصالحها ومصالح الإنسانية عامة شيء واحد لا تعارض فيه، وهي في النهاية مصالح الأسياد. الأمر الذي جعل براين أوكونور، عميد كلية الفلسفة في جامعة دبلن يغير موضع مديح راسل، من مديح الكسل لأقاربه المستأنسة وأوقات الفراغ، في كتابه «الكسل: مقالة فلسفية»، ليأتي بعد عقود من راسل ليرى في الكسل حالة من الحرية الحقيقية. 

مثلًا، كان أصحاب العبيد في أثينا يسخرون جانبًا من فراغهم في إضافة شيء دائم إلى الحضارة، هذه الإضافة إلى بناء الحضارة لم تكن لتوجد تحت ظل نظام اقتصادي تسوده العدالة. وفي الأزمنة السحيقة كان الفراغ الذي تنعم به الأقلية ممكنًا فقط بفضل عمل الأكثرية الشاق وكدحها؛ مما جعل لكدحها قيمة، ليس لأن العمل سلوك حسن، بل لأن الفراغ شيء حسن. 

 وأخيرًا، عندما نسأل ما إذا كان الكسل أفضل، لن نتمكن من التيقن أي وضع ربما يصححه الكسل، وأي نوع من الكسل، إذ يمكن أن تتقاطع كل من هذه الاعتبارات، لكن لا يمكن أن يتحدوا جميعًا بنفس القوة، نظرًا للطرق المختلفة التي قد ينكرون بها بعضهم البعض بشكل واضح.

المصادر

تحميل المزيد