النقاد الذين يعتقدون أن «داعش» تُمثل الإسلام يتجاهلون الأسس الفكرية في قلب هذا الدين.

 

استضاف الرئيس أوباما هذا الأسبوع قمة عن احتواء «التطرف العنيف»، حيث قوبل بانتقادات بعض اليمينيين لرفضه تسمية هذا العنف بالعنف «الإسلامي». الصحف الأمريكية وخاصة The Atlantic و The New York Post  ضربتا على هذا الوتر الحساس في الآونة الأخيرة. ثمَّة أسباب قوية لهذا التوجه بالطبع، قبل بضعة أيام فقط أصدرت «داعش» شريط فيديو يظهر ذبح 21 مصريًا قبطيًا في ليبيا. الفيديو يحمل أيضا ما تعتبره «داعش» مبررا إسلاميا لفعلتها. بعد فترة طويلة من القمة، سيستمر المتخصصون في مجال مكافحة التطرف في طرح نفس السؤال: «هل تمثل «داعش» بالفعل الإسلام بشكل ما؟ وما هي حقا العلاقة بين مجموعة تسمي نفسها الدولة الإسلامية وبين ثاني أكبر ديانة في العالم؟».

ستكون هناك دائمًا تلك النظرة التي تصر على أن «داعش» ليس لها صلة بالإسلام أو بأي دين عمومًا، وأنها بالأساس ظاهرة سياسية واجتماعية، مجردة تمامًا من الأيديولوجيا؛ أو أنها ببساطة تستخدم الإسلام كقشرة لتبرير أفعالها. تشير دراسات مكافحة الإرهاب أن عوامل غير أيديولوجية تلعب دورًا هامًا في ظهور التطرف الإسلامي. في الوقت نفسه، فإن عنصر الأيديولوجيا في حياة الراديكاليين ليس موجودًا وحسب، بل هو أمر أساسي لفهم رؤيتهم للعالم. بشكل أو بآخر يلعب الدين دورًا أكيدًا لدى مؤيدي «داعش»، لكن أي دين تحديدا؟

الإجابة السهلة هي «الإسلام»! لكنها الإجابة الكسولة أيضًا. هناك نحو 1.5 مليار مسلم حول العالم، لسنا بحاجة لقول أن الغالبية الساحقة منهم ليسوا أعضاء في «داعش». في الواقع معظم ضحايا «داعش» مسلمون، كذلك أعداؤهم الأكثر نشاطا، ومعارضوهم الأكثر بروزًا.

بالتأكيد كان لـ«داعش» أن تستقطب مقاتلين أكثر كثيرًا من مجرد أقلية صغيرة من المسلمين لو كان «الإسلام» هو العامل الحاسم في تشكيلها. علاوة على ذلك، إذا كانت الأدلة الإسلامية التي يقدمونها قوية بما يكفي، حتى لو لم يتبعهم عامة المسلمين، فإننا بالتأكيد سنشهد عددًا كبيرًا من فقهاء وعلماء الدين الإسلامي يؤيدونهم. في الواقع، الغالبية العظمى من الفقهاء تعلن بعبارات لا لبس فيها أن أدلتهم باطلة وغير صحيحة. لذلك، أُرسلت العام الماضي رسالة إدانة طويلة إلى زعيم «داعش»، مُوقعة من أكثر من مائة عالم دين معروف.

عند تقييم دور الدين لدى «داعش»، فإن ثمة حقيقة هامة تُطرح: يفتقر الإسلام إلى هيكل هرمي للسلطة الدينية. ليس هناك ما يعادل سلطة البابا كما هو الحال لدى الكاثوليك الذين يمتلكون سلطة إكليركية واضحة. لهذا، يستطيع كل مسلم تعريف الإسلام على النحو الذي يراه مناسبا لعقيدته الإسلامية. ليس من الدقيق إذًا تعريف الإسلام باعتباره خيرًا أو شرًا، لأنه في الواقع لا توجد طريقة لتقديم تعريف واحد للإسلام. «داعش» إسلامية تمامًا كما خصومها. الفرق الوحيد هو في مدى شعبية كل طرف، وهي نقطة يتفوق فيها خصوم «داعش» بشدة.

يبنما هذه حجة أكثر دقة لفهم علاقة الإسلام بـ«داعش»، أو على الأقل أكثر دقة من تلك التي تدعي أن «داعش» تمثل الاتجاه السائد في الإسلام، فإنها أيضا تمثل إشكالية عندما تُدرس في سياق التاريخ الإسلامي. من ناحية فإنه صحيح تماما أن لا سلطة هرمية دينية في الإسلام السني، لكن مجتمعا بأكثر من 1400 سنة من التاريخ لا يبقى كمجتمع دون سلطة دينية صريحة، حتى ولو كان نوعًا من السلطة لسنا معتادين عليه في الغرب.

في الوقت نفسه، كان هناك في الواقع انهيار لتلك السلطة الدينية، وفهم كيفية حدوث هذا الانهيار تجعلنا أقرب لفهم كيف تشكلت «داعش».

سلسلة مكسورة

خلال مسيرتي الأكاديمية، تباحثت مع العديد من الممثلين المعاصرين لنظام الإسلام السني لتوارث السلطة الدينية. بين علماء جامعة الأزهر في القاهرة، وخريجي جامعة القرويين في المغرب، وطلبة الحوزات العلمية الماليزيين، بل وبين المؤسسات الإكليركية الوليدة في الغرب نفسه، أدهشني الاختلاف الواسع بين وجهات نظرهم في العديد من المواضيع المتعلقة بالدين. وجهات نظرهم ليست دائما مستساغة بالنسبة لنا كغربيين، لكنها أيضا ليست عشوائية. ثمة مستويات عديدة ومعقدة من التفسيرات ينتج عنها هكذا تباين.

يمتلك الإسلام بوضوح تنوعًا وتباينًا كبيرين في الروحانيات، الفقه واللاهوت. لكن السلطات الدينية – الفقهاء والروحانيين ورجال الدين- حاولوا دائما جمع ذلك التنوع تحت مظلّة متجانسة. تحتوي تلك المظلة على أنظمة تفسيرية ترفضها «داعش» ومؤيدوها. وهنا يكمن جزء هام من اللغز.

في قلب تلك الأنظمة، يقع «السَنَد»، أو السلسلة. المعاصرون من طلبة العلوم الدينية يشعرون بفخر كبير عند إخبارك بأنهم قرؤوا هذا النص على شخص قرأه على شخص آخر قرأه على الكاتب بنفسه، وأن الكاتب بدوره تعلم على يد شخص تعلم نصوصا سابقة وقرأها على يد شخص بعينه إلى آخر السلسة حتى يصلوا إلى الرسول نفسه. القدرة لإظهار مصداقية تاريخية واتصال بالرسول لنص ما كانت حيوية للحصول على اعتبار وسلطة دينية إسلامية، على الأقل حتى وقت قريب. لأتباع ذلك النظام، فإن حتى درجة جامعية – ناهيك عن الدراسة الشخصية – لن تكون كافية لتأهيل حاملها لتأويل نصوص ثانوية، ناهيك عن النص الأساسي، القرآن.

هذه الأنظمة المعقدة تؤسس سلطة دينية من خلال عملية أشبه بالتقييم الأكاديمي. في الواقع أجزاء من أنظمة تناقل النص هذه – وخاصة فيما يتعلق بالفقه – تبلورت بأشكال ومعايير مختلفة في المذاهب المختلفة، كما ألهمت حتى الجامعات الغربية الحديثة، وفقا لمؤرخين مثل جورج مقدسي. هذه الأنظمة لا تعمل فقط على نقل النصوص بين الأجيال المتتابعة، ولكن أيضا على فهم تلك النصوص ومنهجية تناولها.

النزعات الحداثية الراديكالية داخل المجتمع الإسلامي تحاول التخلص من هذه النظم، بالنسبة لهم، المجتمع الإسلامي قد أخطأ بشدة، وهم يحاولون إصلاح ذلك. باختصار، هم يحاولون تمكين الناس من أدوات ليفسروا النصوص بأنفسهم.

تاريخ من الإصلاحات

في الأعوام القليلة الماضية، تحدَّث الكثيرون عن حاجة المسلمين لإصلاح شامل يقتلع التطرف. في الواقع تنخرط المجتمعات الإسلامية غالبا في محاولات تجديد، لكن تلك المحاولات تقام من خلال نفس البنية الموجودة. حدثت إصلاحات شاملة وأساسية على مدار التاريخ الإسلامي، لكنها لم تكن ذات نتيجة كافية خاصة في الماضي.

على مدار القرنين الماضيين، شهد العالم الإسلامي عمليتي إصلاح، إحداهما والتي حدثت في الأراضي التي أصبحت فيما بعد المملكة العربية السعودية، أدت إلى ظهور السلفية، والتي يدعوها كثيرون الآن: “الوهابية”. والثانية كان مسرحها مصر، لتشهد صحوة تحديث تم تسييسها لتنبثق منها لاحقا جماعة الإخوان المسلمين.

في الحالتين، ومنذ البداية كانت السلطات الدينية حينها معادية لأنصار الإصلاحات، وقامت إما بالتبرؤ من منهجيتهم في فهم وتفسير النصوص الدينية، أو باتهامهم بالابتداع.

كما رأينا سابقا، فإن السلطة الدينية يتم تعريفها من خلال عملية شبيهة بالتقييم الأكاديمي تؤكد على أصالة النص. إذًا، فإن التخلي عن هذه العملية وتقديم رؤية إصلاحية ليس مجرد ابتداع، بل هو معارضة حقيقية لتلك السلطة. وضعت هذه الحركات التاريخية بذور الإسلام الراديكالي. لهذا هناك نقاد لا يسطحون الأمر بقول أن «داعش» هي الإسلام، لكنهم يصفونها بأنها حركة إسلاموية.

من المهم ملاحظة أن «الإسلاموية» ليست «الإسلام». «الإسلاموية» تأتي في أشكال مختلفة، كرد فعل أو حتى هجوم في بعض الحالات على الفكر الديني الذي تروجه السلطة. قد يجادل البعض أنه دون فهم الإسلاموية ليس من الممكن تتبع الأسباب الكاملة لظهور «داعش». لكن هذا ليس تماما ما أقصده.

منذ فترة طويلة قبل ظهور الإسلاموية، ظهرت حركات متطرفة أخرى بين المسلمين، مثل الحشاشين أو القرامطة. وصفت هذه الحركات عند ظهورها بكونها مبتدعة. بالطبع لأنها على المستوى المنهجي لم تتقيد بدقة بالأساليب السائدة في التأكد من أصالة النصوص الدينية أو طرق تفسيرها.

عندما تصف العشرات من السلطات الدينية في العالميْن السني والشيعي «داعش» بأنها غير إسلامية فإن هذا ليس من باب الفكاهة. إنهم يرون بوضوح أن «داعش» تستشهد بالنصوص الدينية، القرآن نفسه وأقوال النبي وأقول السلطات الدينية ما قبل الحداثة. هذه الاستشهادات على أي حال لا تستطيع إثبات صحة أفعال «داعش» أو أصالتها. بل فقط القدرة على تفسير النصوص الأولية كما فعل النبي، والنصوص الثانوية كما فعل مؤلفوها، هي ما تؤسس الأصالة. ما تفهمه السلطات الدينية أن هكذا قدرة لا يمكن أن تأتي إلا عن طريق نظام السند وانتقال النص انتقالا دقيقا. ثمة تفسيرات واسعة وضخمة أضيفت على كل النصوص على مدار ألف عام، لهذا يدخل في الحسابات عامل مهم آخر: «السياق».

منذ أعوام بينما كنت أدرس الشريعة الإسلامية في القاهرة، ناقشت بحثًا أكاديميًا حديثًا مع شيخ درس بالطريقة التقليدية. هذا الأخير كان قد درس بجهد كبير لأكثر من عقد من الزمان، منهاجه الدراسي بدوره هو نتيجة لأجيال متعاقبة من الدراسة والمراجعة الدينية. الأكاديمي – والذي كان بارعًا بحسب تقديري – كان على النقيض منه قد أمضى عاما واحدا من الدراسة الشخصية لبعض كتب النصوص التقليدية، بناء على منهاج كان قد اختاره بنفسه. الشيخ المتدين كان معارضًا للبحث، وقال عن الأكاديمي: «لقد غمس إصبع قدمه في المحيط، هذا لا يعني أنه تعلم السباحة». بالنسبة للشيخ تتحدد مصداقيتك التفسيرية من خلال ربط نفسك بالسلطة الدينية.

استئصال «داعش»

يرى البعض أن السلطات الدينية يجب أن تعلن مقاطعة «داعش»، وهذا سيحل المشكلة. هذا قد حدث في التاريخ الإسلامي من قبل وإن كان أمرا نادرا، لكنه لم يحدث بسبب ارتكاب المحرمات. المجرمون يمكن معاقبتهم أو المحاربة ضدهم أو حتى قتلهم. لكن السلطات الدينية التقليدية تصر على أنه لا يزال من الضروري الاعتراف بهم كمسلمين؛ إلا إذا تخلوا عن اعتقاداتهم الإسلامية الإساسية، مثل وحدانية الله. من المفارقات، أن الحركات الإسلاموية هي التي تلجأ في الغالب إلى المقاطعة لأسباب غير دينية. في الواقع يبدو أن «داعش» تقوم بهذا بانتظام. على كل حال فهذا لن يحل المشكلة. ببساطة ستتجاهل «داعش» الأمر، وتستمر في الوجود.

لكن هناك أمرًا فريدًا من نوعه بالنسبة لداعش – بخلاف الوحشية والهمجية – تاريخيًا، في المجتمعات الإسلامية ما قبل الحداثة، الحركات المبتدعة لم تدم طويلًا ولم تستطع الحصول على تأييد ملحوظ. لكن حالة «داعش» تظهر أن القرنين الماضيين استطاعا تعقيد الأمور بشكل بالغ.

أولًا: تحطمت وتشوهت السلطة الدينية من خلال أفعال فرق مختلفة من السلفية. السلفية تمكنت من البقاء على قيد الحياة بل والازدهار بواسطة تحالفات سياسية داخل المملكة العربية السعودية ومساعدات مالية ضخمة. كان تأثير هذا كبيرا على المسلمين، فهو لا يكسر فقط معايير فكرة المؤسسة الدينية ونقائها، لكنه يستبدلها بشيء آخر مخالف بشدة لتلك المعايير.

بالإضافة إلى ذلك، فإن معايير التعليم في المعاهد الإسلامية التقليدية خضعت لتدهور ممنهج بدأ قبل الاستعمار، واشتدَّ أثناءه ثم تعرَّض لتدهور أكبر بعد انتهاء الاستعمار بواسطة المناهج التعليمية القومية.

كمثال نموذجي فإن الأنظمة التعليمية في معظم الدول العربية لها هيكل يشبه هرمًا مقلوبًا، أي كلما حصلت على مجموع أعلى في شهادتك الثانوية، كلما استطعت اللحاق بتخصصات أكثر في الجامعة. الذين لا يحققون تفوقا أكاديميا تقل أمامهم الاختيارات الممكنة للدراسة الجامعية. الدراسات الدينية تجد نفسها في أسفل هذا الهرم تماما. بعد سنوات عديدة تظهر الآثار السلبية لهكذا نظام ليس فقط في مستوى الطلبة، بل في مستوى الأساتذة أنفسهم، والذين يتم اختيارهم غالبا من الخريجين. هؤلاء هم الذين من شأنهم أن يرشدوا المسلمين فيما يخص دينهم بشكل عام، وكذلك هم من تقع على عاتقهم مسؤولية تثقيف المسلمين وتحصينهم ضد التطرف.

في النهاية تعاني هذه المؤسسات الدينية من ضعف في المصداقية أمام القاعدة الشعبية في بلدانهم وخارجها. عدم وجود استقلال عن الدولة وعدم الرغبة في انتقاد انتهاكات السلطة، هو القاعدة اليوم في المؤسسات الدينية في العالم العربي وليس الاستثناء. في ظل هذا الوضع تصبح مصداقية انتقاد «داعش» وغيرهم ممن ينتقدون السلطة أقل مما يجب أن تكون عليه في الحقيقة.

لكن بعيدا عن مسألة المؤسسات الدينية، فإن هناك أيضًا قضية المسلم العادي. الجنس البشري يتطور ويصبح أكثر إدراكا بعد الحداثة. لكن المؤسسات الدينية لم تكن مستعدة لهذا أبدًا. لعدة قرون، كانت جميع المؤسسات الدينية تتوقع أن رعاياهم سيعتمدون بشكل تام على المتخصصين لتفسير النصوص الدينية، لأن معظم الشعب لم يكونوا حتى قادرين على قراءة تلك النصوص. مع انتشار التعليم والإنترنت أصحبت النصوص الدينية متاحة لدى الجميع، تلك التي لم تكن حتى وقت قريب متاحة إلّا لدى المؤسسات الدينية. تغير إذا الوضع السابق تغيرا هائلا.

عندما تدعي «داعش» أن الكتاب «أ» الذي كتبه الكاتب «س» يحتوي على المقولة «ص»، فإن أي مسلم يستطيع أن يجد الكتاب ويتحقق بنفسه. إذا كان تفسير «داعش» ذا مصداقية فإن القراء يصابون غالبا بالحيرة. لأنهم – تماما كما «داعش» – لم يتلقوا تعليمًا دينيًا يتيح لهم التعامل مع هذه النصوص في سياقها طبقا لنظام السند المذكور أعلاه.

من المرحب به تمامًا أن تنهض جميع المؤسسات الدينية وتعلن أن «داعش» ليست إسلامية وأن جرائمها محظورة وما شابه ذلك. لكن هذا لن يعالج أي قضية من الأساس، فالسؤال هو: لماذا ليست «داعش» إسلامية؟ وهنا نعود مجددًا إلى جدل المصداقية والنسبية في تأويل النصوص.

من المحتمل جدًا أن تختفي «داعش» كما اختفت الحركات المبتدعة ما قبل الحداثة، لكن فقط بعد أن يحدث قدر كبير من الدمار والقتل. إضافة إلى ذلك، فإنه من المحتمل أيضا بسبب مشاكل السلطة والهيكلة المذكورة أعلاه أن تظهر تنظيمات مشابهة أخرى مرارا وتكرارا. كسر تلك الحلقة ليس من اختصاص الحكومات الغربية. إذا أرادت المجتمعات الإسلامية نفسها الاهتمام بهذه القضية، فإن هناك العديد من القضايا التي من الممكن معالجتها على المدى القصير والطويل.

لدى دراسة التفاعل الفلسفي بين الإسلام والحداثة، وجدتُ أن باحثين مسلمين يشيرون كثيرا إلى أن الأنظمة التقليدية للمؤسسات الدينية قادرة على “إحياء” نفسها وتحديثها من الداخل. لكن هذا يتطلب أن تكون تلك المؤسسات على مستوى أكاديمي وعلمي لائق، وأن يكون لها قدر كبير من المصداقية بين عموم المسلمين. يتطلب هذا بدوره تطويرا هائلا داخل تلك المؤسسات، سواء على مستوى المناهج أو على مستوى الاستقلالية التي يجب أن تتمتع بها لتتمكن من انتقاد ليس فقط «داعش»، ولكن أيضا السلطات الاستبدادية داخل العالم الإسلامي نفسه.

ثانيًا على المدى القصير تحتاج المؤسسات الدينية أن تفعل أكثر بكثير من مجرد قول «هذا ليس من الإسلام» في مواجهة جريمة لـ«داعش» أو غيرها. يجب أن يعقب هذا تفنيد شامل للسؤال «لماذا هذه الجرائم غير إسلامية»؟ وتقديم شروحات مفهومة للمسلم العادي. في الوقت نفسه، على المدى المتوسط والطويل، فإن المؤسسات والمعاهد الدينية ستحتاج لفهم والتعامل مع الواقع الجديد الذي أنتجته الحداثة في الأجيال الأخيرة. في مرحلة ما قبل الحداثة، المتخصصون فقط كانت لديهم القدرة على فهم وتأويل النصوص الدينية الأساسية أو الثانوية. الحفاظ على هذه النخبوية في التعرض للنصوص الإسلامية مسؤول جزئيا عن وجود مسلمين كثر يسهل تجنيدهم من قبل الجماعات المتطرفة. الحل ليس تحويل عامة المسلمين إلى فقهاء بشكل جماعي. لكن قد يكون نشر المنهجيات أو المعايير التي تستخدم عادة لتأويل النصوص حلًا أكثر واقعية. تحسين علاقتهم مع عامة المسلمين وجعل معايير التأويل أكثر بساطة وفهما على نطاق واسع هي المهام المعاصرة والهامة للمؤسسات الدينية الإسلامية.

كما ذكر من قبل، فإن العديد من الحركات المبتدعة ظهرت بين المسلمين فيما مضى، ثم انقرضت وأصبحت مجرد حواشٍ في كتب التاريخ. ليس ثمة سبب للاعتقاد بأن «داعش» لن تواجه بالضبط نفس المصير. لكن بالتأكيد من الأفضل مساعدة عجلات التاريخ في الحركة بشكل أسرع، مع العمل على ألا تحل محلّها جماعات أخرى.

عرض التعليقات
تحميل المزيد