تحول الأطفال، ممن لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة، لمتهمين يقبعون خلف أسوار الزنازين بعدد من الدول العربية، ممن ارتأت سلطاتها في سجنهم حفاظًا على ما تزعمه بـ«الأمن القومي»، وتحقيقًا لمبدأ التعايش المجتمعي، وفقًا لتصوراتها عن هذا التعايش.

القضايا الواهية التي ارتبطت بسجن أغلب هؤلاء الأطفال تنتمي لنوعية القضايا السياسية، والانتماء لتنظيمات إسلامية متشددة، فيما ترى منظمات حقوقية سجن هؤلاء الأطفال جريمة كُبرى، تُناقض المواثيق الحقوقية لحق الطفل، معتبرة أن الزج بهم في القضايا السياسية الكُبرى هي محاولة من السلطات لاستخدامهم كفريسة لبث الرعب في مجتمعاتهم.

أطفال فلسطين أمام المحاكم العسكرية في إسرائيل.. والتهمة رمي حجارة

في نوفمبر العام الماضي، تعرض (س.ع) شاب فلسطيني لم يتجاوز 12 عامًا، لتجربة اعتقال على يد جنود إسرائيليين بتهمة حمل السكين، ليقتادوه معصوب العينين ومشدودة يداه بالأغلال لمركز الشرطة لاستجوابه قبل أن ينتقل إلى مجمع عسكري.

يوثق الطفل الفلسطيني اعتقاله قائلًا «وجدت ستة أو سبعة جنود أسقطوني أرضًا وراحوا يضربونني ويركلونني، ضربوني على ظهري ورجليّ بالعصي، وصفعوني على رأسي. لم أدرِ كم دام ذلك، ولكنني كنت أشعر بألم شديد وكان الوقت يمرّ ببطء». يضيف: «بعد 15 يومًا حبسًا انفراديًا، صدر قرار بالإفراج عني بعد أن أثبت اختبار الحمض النووي أن السكين التي عُثر عليها ليس لها صلة به».

بحسب «الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال/ فرع فلسطين»، فعدد الأطفال الفلسطينيين الذين توقفهم إسرائيل سنويًا أمام محاكم عسكرية نحو 500 إلى 700 طفل فلسطيني للاشتباه في قيامهم بمخالفات جنائية في الضفة الغربية المُحتلة، بينما وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام قوات الأمن الإسرائيلية القوة غير الضرورية في توقيف أو احتجاز أطفال فلسطينيين صغار في سن 11 عامًا في القدس الشرقية والضفة الغربية، وخنقت، وضربت، وهددت، واستجوبت أطفالًا في الحجز دون حضور أولياء أمورهم أو محاميهم.

تشترك أغلب قضايا الأطفال المحالين لمحاكم عسكرية بإسرائيل في ثبوت تهمة إلقاء الحجارة –التي تُوجه لأغلب الأطفال الفلسطينيين رهن الاحتجاز العسكري– قبل أن يُشتق من هذه التهمة تهمٌ فضفاضة كتهديد الأمن القومي، والتعدي علي المنشآت العامة.

مصر: أطفال محالون للمحاكم العسكرية.. وأحكام بالمؤبد والإعدام

توسعت سلطات المحاكم في مصر في الأحكام الصادرة بحق الأطفال القصر، الذين تنوعت التهم الصادرة بحقهم بين الانضواء لجماعة إرهابية، أو الاشتراك في مُمارسة أعمال عنف حيال المنشآت العامة للدولة. «عمار علاء»، لم يتجاوز عُمره 15 عامًا، ظل مختفيًا عن ذويه لأكثر من شهرين، قبل أن يستدل والده على مكان تواجده أثناء مشاهدته القناة المصرية الحكومية، إذ ظهر ولده مكبّل اليدين أمام عشرات من طلقات الرصاص، ويعترف بالتخطيط لقلب نظام الحُكم، والانتماء لجماعة إرهابية، والتحريض ضد مؤسسات الدولة.

يصف والده هذه التهم بـ«الملفقة» معللًا ذلك بعدم ثبوت أي تهمة عليه بدليل مؤكد، وأنها محاولة للانتقام منه بعد رؤيته يتظاهر في إحدى التظاهرات المناهضة للسلطة الحالية.

ويُظهر توثيق صادر من حملة «الحرية للأطفال»، التي أطلقتها إحدى المنظمات الحقوقية المعنية بحصر قضايا القُصّر المُحتجزين في السجون، في الفترة الممتدة بين 3 يوليو (تموز) 2013، إلى فبراير (شباط) 2016، بلوغ عدد المحتجزين القصر 970 داخل السجون، تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 18 عامًا. ورصد التوثيق بلوغ عدد الصادر بحقهم أحكام بالمؤبد والإعدام ثمانية أطفال، من بينهم طفل سوري مُقيم بمصر.

وتخالف أحكام الإعدام والمؤبد الصادر بحق الأطفال القصر المادة 111 من قانون الطفل المصري 12 لسنة 1996 والمعدل برقم 126 سنة 2008، إذ ينص القانون على أنه «لا يحكم بالإعدام ولا بالسجن المشدد على المتهم الذي لم تتجاوز سنه الثامنة عشرة عامًا ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة».

سوريا: أطفال سوريا والتعذيب بالكهرباء

بحسب «مركز توثيق الانتهاكات في سوريا»، فإن عدد الأطفال من بين المحتجزين منذ نشوء الانتفاضة السورية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد لا يقل عن 1433 طفلًا، بينما تتراوح أعمار الأطفال المحتجزين بين 13 و17 عامًا، فضلًا عن وجود بعض الأطفال المحتجزين في المعتقلات السورية لم تتجاوز أعمارهم ثمانية أعوام.

حسب رواية لضابط سوري من الفوج 46 – القوات الخاصة: فالمعسكر الذي كان يعمل فيه في إدلب كان يستقبل بين 10 و30 معتقلًا كل مساء، يوضعون في صف واحد، وهم معصوبو الأعين وجالسون على رُكبهم، ويتعرضون للضرب. يضيف الضابط: «أغلبهم بين 16 و18 عامًا، لكن بعضهم كان يبدو أصغر من ذلك بكثير».

حسام، 13 عامًا، أحد من جرى توقيفهم في نقطة تفتيش، بعد مشاركته في إحدى التظاهرات المناوئة للسلطة، قبل أن يتم اقتياده إلى منشأة عسكرية قرب «تلكلخ». يصف فترة احتجازه بالمنشأة: «في أوقات كثيرة كانوا يفتحون باب الزنزانة ويضربوننا. قالوا لنا: يا خنازير، تريدون حرية؟ استجوبوني وحدي. سألوني: من ربك؟ فقلت: الله. فصعقوني بالكهرباء في بطني، بعصا مكهربة. فقدت الوعي. عندما استجوبوني للمرة الثانية، ضربوني وصعقوني بالكهرباء ثانية. المرة الثالثة كان معهم كلابات، نزعوا بها ظفر إصبع قدمي. قالوا: تذكر ما سنقوله ولا تنسَه: نحن نأخذ الصبية والكبار على حد سواء، ونقتل الاثنين.. بدأت أبكي، ثم أعادوني إلى الزنزانة».

العراق: انتزاع اعترافات من أطفال قصَّر بتورط ذويهم في عمليات إرهابية

توسعت الحكومة العراقية في إحكام قبضتها على الأطفال، بعد صدور «قانون مكافحة الإرهاب» العراقي للعام 2015 الذي يفرض عقوبة الإعدام على «كل من ارتكب أيًّا من الأعمال الإرهابية» و«كل من مكّن الإرهابيين من القيام بهذه الجرائم».

بحسب الأمم المتحدة، فقد استخدمت الحكومة العراقية هذا القانون لتوجيه اتهامات –أو إدانات– تتعلق بالإرهاب لـ314 طفلًا، منهم 58 فتاة، واحتجازهم في مراكز اعتقال حتى ديسمبر (كانون الأول) 2015. بعضهم مُحتجز منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وتستخدم الحكومة العراقية مسألة اعتقال الأطفال للضغط على ذويهم لتسليم أنفسهم لجهات التحقيق، أو انتزاع اعترافات منهم بتورط أقاربهم في بعض العمليات الإرهابية، تحت قوة التعذيب الذي تمارسه السلطات حيالهم. كما تستخدم السلطات الأمنية أساليبَ متنوعة من التعذيب الجسدي والصعق بالكهرباء والحرق بالسجائر حيال هؤلاء الأطفال المحتجزين، الذين قد تمتد فترات احتجازهم لثلاث سنوات في بعض الحالات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد