default-avatar
زهراء مجدى

1

default-avatarزهراء مجدى

1

3,074

في صيف عام 1930، كان لغوي أمريكي يدعى موريس سواديش يبلغ من العمر 21 عامًا يسعى لتسجيل اللغات الأمريكية الأصلية في منطقته، والتي تختفي سريعًا دون ملاحظة أحد. وفي خضم سباقه مع الزمن قابل بول ودلفين دوكلوكس في بلدة تشارنتون الصغيرة، عضوين في قبيلة صغيرة تسمى شيتيماشا، وآخر المتحدثين بلغتهم.

حكى الصديقان عن فترة قبل اتصال أمريكا الأصلية بأوروبا، وكيف كانوا يحكمون أمريكا من الساحل الشرقي للساحل الغربي، وكانوا خبراء صناعة السفن وعلى معرفة دقيقة بالممرات المائية ومتاهاتها، ولكن بمجيء الفرنسيين إلى لويزيانا عام 1699 تضاءل عدد أفراد القبيلة إلى 4 آلاف، بسبب عدوى الأمراض الأوروبية التي انتشرت بينهم أسرع من انتشار الأوروبيين أنفسهم بأمريكا.

بعد حربٍ طويلة مع الفرنسيين، انهزم فيها السكان الأصليون لأمريكا، وصل عدد أهل القرية عام 1910 إلى 69 شخصًا، قال بول: كنت أحفظ قصصًا كثيرة عن حربنا من الأوروبيين، نسيت بعضها، ولكني لم أنسَ كل شيءٍ بعد، عندما أموت ستموت معي القصص، فأنا الوحيد الذي يعرفها. توفي بول بعد ثلاث سنوات، ولم يمض وقت طويل وتوفي دلفين، وماتت لغة قريتهم في صمت، وما كان ليعرفها أحد لولا الصدفة.

في ورقة بحثية للجمعية اللغوية المعنية باللغات المهددة بالانقراض أكدت أن العالم يمر بفترة غير مسبوقة من تعرض اللغة للخطر. ويتوقع بعض الخبراء أن نصف لغات العالم سوف تختفي خلال قرن من الزمان، مع مفهوم التحضر والعولمة والاستخدام المتزايد للغات العالمية الرئيسية، مما يقلل من فرص بقاء اللغات الأخرى. وهو أيضًا ما جاء في  عرض لجمعية إل إس آي، الجمعية اللغوية الأمريكية للنهوض بالدراسات العلمية للغة.

كم لغة لن نسمع عنها قريبًا؟

وفقًا لإحصاء تم عام 1996، فقد كان على الأرض 6993 لغة مستقلة، منهم ألف لغة في الأمريكتين، و2011 في أفريقيا، و255 في أوروبا، و 2165 في آسيا، و1320 في المحيط الهادئ، بما فيه أستراليا. هذه الأرقام لا يمكننا التسليم الكامل بدقتها، فمن هذه اللغات ما كان على وشك الانقراض لقلة المتحدثين بها، ولصعوبة تحديد الفرق بين اللغة واللهجة؛ ولكن رغم هذا فإن معظم علماء اللغة يتفقون على أن هناك أكثر من 5 آلاف لغة في العالم، ويعتقدون أيضًا أن هذا العدد سينخفض بمقدار النصف خلال قرن من اليوم.

من خلال بعض التقديرات فإن 80% من لغات العالم قد تختفي بنهاية القرن الحالي. وسيتقلّص عددها لبضعة مئات، لأن أغلب لغات العالم التي يتحدث بها بضعة آلاف أو أقل ستترك الساحة للغات مثل الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والمندرينية لغة الصين وتايوان وسنغافورة، واللغة الروسية، والإندونيسية والعربية والسواحلية والهندية.

على الرغم من التهديد الذي تواجهه هذه اللغات، وأن جميعها يتحدث بها أقليات، إلا أنها تمثِّل معظم لغات العالم اليوم. فمثلًا قبائل بابوا غينيا الجديدة التي تتحدث وحدها 900 لغة، وأكثر من 80% من اللغات الأصلية بأستراليا سوف تموت مع الجيل الحالي من السكان الأصليين، و90% من اللغات التي ما زال يحتفظ بها الشعب الأصلي للأمريكتين، والأقليات القومية والقبلية في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا، والذين يتحدثون وحدهم عدة آلاف من اللغات المهددة، والشعوب الأوروبية المهمشة مثل الأيرلنديين والفريزيين والبروفينسال والباسك.

كيف تنقرض «لغة»؟

من المرجح أن تختفي اللغة المهددة بالانقراض قريبًا، إذا لم تتغير طريقة استخدامها. فلغة مثل الإنجليزية يصعب الاستغناء عن استخدامها أو استبدالها لاتساع الرقعة التي تتحدث بها في أمريكا، وكذلك اللغة الإسبانية التي تسكن قارّتين. ولكن اقتصرت لغات عديدة على الكبار فقط، في حين لم تصل لأطفالهم وأحفادهم، ولهذا ستموت هذه اللغة بموت متحدثيها الكبار، ووقتها ستنقرض ولن ينطقها أو يعرفها أحد وكأنها لم توجد من الأساس.

اللغة غير الكثير من الأشياء التي تموت بيننا، فاللغة لا تموت، بل تحل محلها -فجأة- لغات أخرى. فقد تطورت اليونانية القديمة ببطء إلى اليونانية الحديثة، واللاتينية تطورت ببطء إلى الإيطالية الحديثة والأسبانية والفرنسية والرومانية، وغيرها من اللغات، بالضبط كما اختفت الإنجليزية الوسطى، لغة الشعر والأدباء، وجدَّت علينا الإنجليزية الحديثة.

الإبادة الجماعية بمعناها المادي، هي واحدة من أسباب انقراض لغة ما، فعلى سبيل المثال، عندما غزا الأوربيون تسمانيا في أوائل القرن 19، توفي عدد غير معروف من اللغات مع شعبها. ومن ناحية أخرى فقد تنقرض لغة شعب وجد نفسه تحت ضغط للاندماج مع شعبٍ أقوى وأكبر. وأحيانًا يتعلم أفراد الشعب لغة ثانية غريبة بالإضافة للغتهم الخاصة بهم، وهو ما حدث في غرينلاند، وهي مقاطعة بالدنمارك، والتي تعلم أفرادها الكالاليسوت جنبًا إلى الدنماركية، حتى تخلوا عن الأخيرة.

ولكن هل يمكن قتل لغة يتحدثها أصحابها عنوة؟ حدث هذا كثيرًا، عند الضغط على مجموعة لتتخلى عن هويتها العرقية والثقافية وحتى لغتها؛ وهو ما حدث للأكراد الإثنين في تركيا، بعد ما حظر القانون الكتابة أو الطباعة أو تعليم لغتهم الرسمية بالمدارس.

الكاميرون.. لكل حفنة مواطنين لغة

وفي مثل حالة الكاميرون فهي واحدة من أكثر الدول تنوعًا لغويًا في العالم. فحوالي 300 لغة يتحدث بها ما يقرب من 20 مليون شخص. وتشمل هذه اللغات الاستعمارية مثل الإنجليزية والفرنسية، فضلًا عن مئات اللغات المحلية المتمركزة في الجنوب، ففي مساحة حوالي 100 كيلومتر مربع، تقريبًا حجم مدينة باريس، يتحدث 12 ألف شخص 9 لغات محلية.

ووجدت دراسة استقصائية أجراها أنجياشي إيسن أغوارا، أحد المتعاونين الكاميرونيين، أنه لا توجد لغة أحادية في الجنوب للتفاهم، فيمكن للشخص البالغ أن يتكلم أو يفهم ما بين خمس إلى ست لغات مختلفة. ويتم تعلم معظمهم دون أي تعليم رسمي ويتم اكتسابهم من خلال العلاقات الأسرية أو الصداقات أو العمل.

في حالة الكاميرون لقد تم التحقيق في ما يحفز الناس على أن تصبح متعددة اللغات في القطب السفلي، وكانت النتيجة المذهلة هي أن اللغات لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهويات «العميقة» مثل الانتماء العرقي؛ وهو ما يخالف التقليد السائد، ففي بلد مثل فرنسا، التحدث باللغة الفرنسية هو جزء لا يتجزأ من ما يعني أن تكون فرنسيًّا.

إذا اتضح لك أن اللغة ليست مهمة بالكاميرون، فهذا ليس سهلًا أبدًا، لأنه في وقت قد يكلفك حياتك. فعن رواية يحكيها أهل قرية مبوك، فإن رجلًا من خارج القرية تعرض للغرق، وظن أنه إذا استغاث بلغة أهل القرية سيأتي أحدهم لينقذه، ولكن ما حدث هو أن الموبوكيون لم يفهموا سبب الاستغاثة إلا عندما رأوه يغرق عميقًا، وبعد ما أنقذوه اعتقدوا أنه لو كان استغاث باللغة الإنجليزية كان احتمال إنقاذه فوريًا سيكون مضاعفًا نسبته.

كيف تضمن لغة مستقبلها؟

وفق دراسة حديثة، فإنه من أصل مئات اللغات التي كانت مستخدمة في أمريكا الشمالية، بقي منها 194 لغة فقط. ومن بينهم 33 لغة يتحدث بها الكبار والأطفال على السواء، و34 لغة أخرى يتحدث بها الكبار وعدد قليل من الأطفال، و73 لغة يتحدث بها الكبار فوق 50 عامًا، و49 لغة يتحدث بها عدد قليل معظمهم أكثر من 70 عامًا، و5 لغات في طريقهم للانقراض وأنت تقرأ هذا التقرير.

وتؤكد الدراسة أن اللغات التي لا تنتقل إلى الأطفال من المحتمل أن تنقرض. ففي الواقع هناك 33 لغة فقط تبدو آمنة، والمعظم مهدد لأن متكلميها يعيشون بالقرب من مجتمعات أخرى يتحدث فيها الأطفال الإنجليزية؛ فيشعر الجيل الصغير خاصة بالضغط المباشر عن طريق التليفزيون والأفلام والتي في كثير من الأحيان ترسل مضمونًا يثنيهم عن الحفاظ على قيمهم وثقافتهم، وتدعو المراهقين والشباب للانضمام إلى عالم براق واقتصاده ضخم ومتحرر لا يمت لواقع مجتمعهم الأصلي وتقاليده بصلة.

ماذا يعني انقراض اللغة للمجتمع وكيف نلمس غيابها؟

عندما يفقد المجتمع لغته، فإنه يفقد في الغالب جزءًا كبيرًا من هويته الثقافية معها. وعلى الرغم من أن فقدان اللغة قد يكون طوعيًا أو غير طوعي، فإنه ينطوي دائمًا على ضغط من نوع ما، يتبعه فقدانًا للهوية الاجتماعية وتلويحًا بالضعف والهزيمة لفترة ليست قصيرة.

هذا لا يعني أنه بالضرورة ستفقد المجموعة هويتها الاجتماعية بفقدان لغتها، فعلى سبيل المثال، فقد كل من تشوماش في كاليفورنيا، ومانكس في جزيرة مان، لغاتهم الأم، ولكن احتفظت المجموعتان بهويتهم. ولكن هذا لا يمنع قوة اللغة باعتبارها رمزًا للهوية الاجتماعية.

نحن نعبر عن الكثير من حياتنا الثقافية والروحانية والفكرية من خلال لغتنا، في الصلوات، والخرافات، والطقوس، والشعر، والخطابة، والنكت، وتعبيرات عن الحب، والتحيات اليومية بالصباح والمساء، واللغة المكتوبة على الصحف اليومية، وما يدرسه أطفالنا في المدارس. فعند فقدان لغتنا، يجب إعادة صياغة كل هذا في اللغة الجديدة، مع كلمات مختلفة، ونغمات حروف مختلفة، وقواعد نحوية جديدة. لذا عادة من يفقد لغته يفقد معها تقاليده بشكل مفاجئ وسط صعوبة الانتقال بها وتحويلها ثم الحفاظ على شكلها الجديد، ويستبدلها بثقافة أصحاب اللغة الأقوى، وهذا السبب من أسباب أخرى كثيرة للتدليل على أهمية بقاء اللغة حية للبقاء على المجتمع نفسه.

من ناحية أخرى، فإن الشعب يحفظ تاريخه بلغته، والذي يختفي باختفاء لغته، ويختفي معهما جزء كبير من التاريخ المبكر للشعب، كما أن فقدان معظم اللغات البشرية يحد بشدة من قدرة علماء اللغة على إدراك العقل البشري؛ فمن خلال دراسة المشترك بين جميع لغات العالم، يمكننا ما هو ممكن وغير ممكن على لسان البشر، وما قد تفيدنا به نتيجة هذه الدراسة حول العقل البشري، وكيف يمكن للأطفال تعلم تركيبة معقدة كاللغة في وقت قصير وبسهولة، وهو ما لن يحدث إذا قل عدد اللغات.

قصة لغة عادت من الموت

القصة الأكثر دراماتيكية عن إحياء لغة مهددة بالانقراض، أراد أصحابها الحفاظ عليها، هي قصة اللغة العبرية الحديثة. فقد أُعيد استخدامها بوصفها لغةً بعد قرون من دراستها في شكلها القديم. وقد حظي الأيرلنديون على دعم سياسي ومؤسسي كبير لاستعادة لغتهم الأصلية في أيرلندا، على الرغم من التقدم الذي كانت قد حققته الإنجليزية بالفعل. وفي نيوزيلندا أسست جماعة الماوري مدارس ورياض أطفال عمل بها شيوخ وكانت المناهج بالكامل باللغة الماورية، وأسموها «كوهانغا ريو» أو «أعشاش اللغة».

هناك في هاواي وألاسكا، ومناطق أخرى يتم إرساء فكرة «أعشاش اللغة» هذه حتى المدارس الابتدائية، والثانوية في بعض الحالات. وفي كاليفورنيا يتدرب صغار السن على التحدث بلغة جماعات لا يزال يعيش فيها عدد قليل من كبار السن يتحدثون بها. وهناك عدد متزايد من المؤتمرات وحلقات العمل والمنشورات تقدم الآن كل الدعم للأفراد والهيئات المحلية والمدارس التي تحاول الحفاظ على لغات تراثية.

ولأن لغات كثيرة تواجه اليوم خطر الاختفاء، يحاول اللغويون تسجيل أكبر قدر ممكن عنها، فإن معارف اللغة لا تختفي معها في نفس الوقت، فيحفظ الباحثون أشرطة فيديو، وتسجيلات صوتية، ووثائق مكتوبة، لطبيعة استخدام شعب للغته في كل من البيئات الرسمية كالدول، أو غير الرسمية كالقبائل والأقليات.

هل يمكن إنجاب لغة جديدة لتحل محل اللغة التي تموت؟

نعم، فإن لغات رسمية وقوية اليوم ظهرت في القرون القليلة الأخيرة، مثل الأمريكية. واللغة الوطنية لبابوا غينيا الجديدة وهي «توك بيسين» تكونت من اللغة الإنجليزية ممزوجة بلغتين أو أكثر. وعلى مدى قرون عديدة نمت لهجات مختلفة للغة واحدة حتى أصبحت اللهجة لغة مميزة وحدها؛ تمامًا كما الهجات اللاتينية التي تحولت للفرنسية والإيطالية.

الأزمة هنا ليست في إحلال لغة محل السابقة، ولكن أن اللغات الجديدة لا تُقارن بالتراث اللغوي الذي تم فقدانه. فلقد تطورت آلاف اللغات التي يتحدث بها العالم اليوم على مدار التاريخ البشري؛ وتم فصل كل لغة عن الأخرى من قبل 5 آلاف سنة على الأقل قام كل شعب فيها على تنمية لغته، والبعض أخذ الوقت منهم أكثر من ذلك. وإذا كانت اللغة الإنجليزية تسعى لتصبح اللغة الوحيدة على وجه الأرض، فإن الأمر سيستغرق عشرات الآلاف من السنين لينتج كل مجتمع من البداية تراثه الخاص الذي يضمن اختلافه -على افتراض توافر ظروف تسمح بالتنوع- وحتى تحقق هذا أو عدمه، فإن التنوع الذي يتميز به كل مجتمع لا يمكن الاستغناء عنه.