ظلت إقامة القواعد العسكرية حول العالم من ثوابت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لعقود عديدة؛ باعتبارها أداة ضرورية لاستمرار الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، بحسب رأي باحثين سياسيين.

وهذا الرأي في الواقع ليس سوى رجع صدى مذكرة داخلية لوزارة الدفاع الأمريكية، بتاريخ عام 1992، نصّت على أن الانتشار العسكري الأمريكي في الخارج يخدم الهدف الأساسي المتمثل في «إقناع المنافسين المحتملين بأنهم لا يحتاجون إلى التطلُّع إلى لعب دور أكبر أو السعي وراء موقف أكثر عدوانية لحماية مصالحهم المشروعة».

مرت سنوات، وظل هذا الرأي راسخًا في الأوساط الحكومية والبحثيّة على حد سواء. وحين أصدر عالما العلاقات الدولية ستيفن جي بروكس، وويليام كورتي وولفورث كتابهما «أمريكا في الخارج: الدور العالمي للولايات المتحدة في القرن الـ 21» عام 2016 خلصا إلى أن هذه القواعد الخارجية تساعد على توسيع نطاق النفوذ والمسؤولية الأمريكية، بما يمكّن واشنطن من استخدام القوة لمراقبة العالم (باعتبارها شُرطِيَّه) وكبح جماح الصراعات.

أما تخفيض مستوى التواجد الأمريكي في الخارج فمن شأنه – بحسب الكتاب – أن يعرض المصالح الأمنية والاقتصادية الأمريكية الأساسية للخطر؛ ولذلك خلُص المؤلفان إلى ضرورة استمرار الهيمنة الأمريكية على الصعيد العالمي، لكن مع التركيز على ثلاثة أهداف كانت في صميم السياسة الخارجية الأمريكية منذ فجر الحرب الباردة، هي: الحد من تنافس القوى العظمى والمنافسة الأمنية في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط، وتعزيز العولمة الاقتصادية، والحفاظ على التعاون المؤسسي الذي يخدم مصالح أمريكا.

تحالف من الحزبين يشكك في جدوى القواعد العسكرية الخارجية

لكن في السنوات الأخيرة، تجرأ تحالفٌ من الحزبين أخيرًا على التشكيك في هذه الحكمة التقليدية، وارتفعت أصوات مطالبة بمراجعة جدوى ما اعتبر لفترة طويلة – ولا يزال كثيرون مقتنعون بذلك حتى الآن – ثابتًا من ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية.

دولي

منذ شهر
آلاف القوات وعشرات القواعد.. هكذا تحاصر أمريكا إيران عسكريًا

أحد أبرز الأمثلة على ذلك كانت الرسالة التي حظيت بدعم الحزبين في أكتوبر 2011، ووقع عليها السناتور جون تستر وخمسة من زملائه في مجلس الشيوخ، للمطالبة بـ«تقليص وجودنا العسكري في الخارج إلى حدٍ كبير»، مطمئنين بأن ذلك لن يؤدي إلى «تأثير سلبي كبير على استعداد أمتنا أو قدرتها على الاستجابة بكفاءة للتهديدات الناشئة»، خاصة وأن القدرات العسكرية المتقدمة تقلل من الحاجة إلى «قواعد عفا عليها الزمن» في الخارج.

حذرت الرسالة من أن نقص المعلومات حول تكلفة المشاريع العسكرية يؤدي إلى إهدار المليارات؛ ولذلك طلبت من وزارة الدفاع النظر في إغلاق القواعد والمنشآت العسكرية الخارجية، التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وهي خطوة من شأنها أن توفر لدافعي الضرائب مليارات الدولارات.

كان المؤيدون لهذا الرأي يدركون أن السباحة عكس التيار ليست سهلة، ولذلك قدم السيناتور الديمقراطي جون تيستر، ثم السناتور الجمهوري كاي بيلي هاتشيسون، تشريعًا في العام التالي، يدعو وزارة الدفاع إلى «تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة احتياجات القوات العسكرية في الخارج والتكاليف المرتبطة بها، في خطوة أولى نحو إغلاق المنشآت التي لم تعد هناك حاجة إليها».

حتى إدارة جورج دبليو بوش، وإن لم تكن خير من يُستشهَد به في هذا المقام، نظرًا لمغامراتها الخارجية، فإنها طرحت خطة تقضي بتقليل ودمج الوجود العسكري الأمريكي الخارجي في أوروبا الغربية وشمال شرق آسيا، الذي كان يُنظر إليه على أنه «أقل فائدة للتعامل مع التحديات الأمنية المستقبلية»، وقدمت مقترحات في هذا الصدد رصدها كتاب مكون من 482 نشرته مؤسسة «راند» في عام 2013 تحت عنوان «تمركز القوات العسكرية الأمريكية في الخارج».

نتيجة لهذه المقترحات وغيرها، شكل الجيش الأمريكي ست لجان للنظر في هذا الموضوع ما بين عامي 1988 و2005، وأغلق بالفعل عشرات المنشآت العسكرية في الداخل، وسلَّم أراضيها إلى بلديات الولايات. لكن لطالما كانت تلك العملية محفوفة باللغط السياسي، بين مؤيدين يرونها موفرة اقتصاديًا وأكثر أمنًا عسكريًا، ومعارضين يحذرون من فقدان الوظائف العسكرية، والتقليل من هيبة أمريكا العسكرية.

هل يتحول «رأس الرمح» إلى «خاصرة رخوة»؟

تعتمد سياسة الأمن القومي الأمريكي على هذا «التواجد المتقدم» لضمان «السلام والأمن» العالميين؛ ولذلك فإن الهدف من هذه القواعد الخارجية ليس هو حماية الولايات المتحدة من الهجوم المباشر، بل توفير الأمن لدول أخرى حليفة، واحتواء الضرر في حالات الطوارئ حتى لا تتضرر المصالح الأمريكية الحيوية، أو على الأقل هذا ما تدفع به وزارة الدفاع الأمريكية والمنظِّرون المؤيدون لسياستها.

لكن الأكاديمي ديفيد فاين، في كتابه «الأمة القاعدة: هكذا تضر القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج أمريكا والعالم» الصادر في 25 أغسطس 2015، يدحض هذا الادعاء، ويثبت في 432 صفحة من مؤلفه أن الشبكة الأمريكية مترامية الأطراف من القواعد الخارجية تفرض تكاليف – ليست فقط مالية بل أيضًا سياسية وبيئية وأخلاقية – تتجاوز بكثير ما يعترف به البنتاجون، وهو الرأي الذي يدعمه أندرو باسيفيتش، مؤلف كتاب «حدود السلطة وانتهاك الثقة».

وعلى الجانب الآخر من الفوائد التي يتوخاها البنتاجون، ينطوي الانتشار العسكري في الخارج على تكاليف وعيوب كبيرة، ويكشف نقاط ضعف الولايات المتحدة، وقد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة، خاصة وأن تطور تكنولوجيا المراقبة والاستهداف الحديثة جعلت القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم أكثر عرضة للخطر؛ ما يعني أن «رأس الرمح» يمكن أن يتحوّل إلى «خاصرة رخوة».

وأبرز الأمثلة على ذلك، قواعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي الأكثر عرضة للهجمات المحتملة من إيران أو وكلائها أو الجماعات المسلحة الأخرى المناهضة لأمريكا، خاصة تلك المنشآت العسكرية المتواجدة في البحرين وقطر والكويت والإمارات وعمان وأفغانستان، وطبعا في العراق.

وكذلك القواعد الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية، المعرضة أيضًا للخطر في حالة نشوب نزاع مسلح واسع النطاق في تلك المنطقة، وقد تصبح هدفًا لهجمات صاروخية من الدول المجاورة الثلاث – الصين وكوريا الشمالية وروسيا – على اختلاف مستوى عدم الاستقرار في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وأيضًا شبكة القواعد الواسعة التي دشنها الجيش الأمريكي في ربوع أفريقيا منذ 11 سبتمبر 2001، تقع في بؤرة استهداف الجماعات المسلحة النشطة التي كان عددها خمسة فقط في عام 2010، لكنها زادت إلى حوالي 25 جماعة، وهي قفزة هائلة تبلغ نسبتها 40%، بحسب إحصائيات المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع (البنتاجون).

وهذا ليس استشرافًا لخطرٍ يلوح في الأفق بل تشخيصًا لواقع قائم، إذ ارتفع النشاط المسلح إلى مستويات قياسية في عام 2019، وأُبلِغ عن 3471 أحداث عنف مرتبطة بهذه الجماعات العام الماضي، بزيادة 1105% منذ عام 2009، كما ارتفع عدد الوفيات المبلغ عنها نتيجة هذا النشاط المسلح إلى حوالي 10460 حالة، بزيادة نسبتها 7% مقارنة بالعام الماضي.

وأصبح الوضع «قاتمًا جدًا» – على حد وصف موقع «ذي إنترسبت» الذي اشتهر في بداية انطلاقته عام 2014 بنشر الوثائق التي سربها إدوارد سنودن – لدرجة أن الجيش الأمريكي خفض سقف أهدافه العسكرية في غرب أفريقيا مؤخرًا من استراتيجيته الطموحة الرامية إلى تقليص قوة ونفوذ الجماعات المسلحة ليكتفي حاليًا بمجرد «احتواء» الخطر.

القواعد الأمريكية تثير التوترات الجيوسياسية وتشجع على الأعمال العسكرية

تغري القوات المنتشرة في مواقع متقدمة زعماء أمريكا باستخدام القوة، حتى عندما لا تكون المصالح الأمريكية الأساسية على المحك، مثلما تشجع القواعد الأمامية وقدرات الانتشار السريع صناع السياسات – داخل أمريكا وفي الدول الحليفة – على اتخاذ قرارات عسكرية سيئة، ناهيك عن تشجيع الحلفاء على المخاطرة التي قد يتجنبونها عادة في حال عدم وجود القواعد الأمريكية، وبالتالي زيادة عدم الاستقرار في هذه البلدان، بالإضافة إلى توريط الولايات المتحدة في صراعات غير ضرورية.

لكن ماذا عن الردع؟ يجيب روبرت جونسون في كتابه «مخاطر غير محتملة: مفاهيم الولايات المتحدة عن التهديد في الحرب الباردة»، مستشهدًا بالحرب الباردة، إذ يؤكد أن القلق المفرط بشأن التهديد السوفييتي لم يكن مبررًا، وحتى بدون القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا الغربية كان الهجوم السوفيتي مستبعدًا تمامًا.

سياسة

منذ 3 شهور
مترجم: واشنطن أم برلين.. أيهما يحتاج القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا أكثر؟

يذهب إلى القول نفسه عالم العلاقات الدولية روبرت جيرفيس، الذي لم يجد في الأرشيف السوفييتي أي خطط جادة لشن عدوان غير مبرر على أوروبا الغربية، ناهيك عن شن ضربة أولى ضد الولايات المتحدة.

صحيحٌ أن القواعد الخارجية، في بعض الحالات، تستطيع ردع الخصوم ومنع اندلاع صراعات، لكنها أيضًا تخلق العديد من المشاكل، وبذلك قد يأتي الردع الأمريكي في بعض الأحيان بتأثير معاكس.

على سبيل المثال، في مقابل الرؤية القائلة بأن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا رادع للعدوان العسكري الروسي، فإن تدخلات روسيا في أماكن مثل جورجيا وأوكرانيا إنما كانت نابعة في الأصل من الشعور الروسي بالخطر المحدق نتيجة التوسع في المؤسسات الاقتصادية والعسكرية الغربية بقيادة الولايات المتحدة.

كما أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية يؤدي في الغالب إلى عسكرة النزاعات، ويمكن أن يستعدي المعارضين الذين ربما يكونون أكثر تجاوبًا لو لم يكن التواجد العسكري الأمريكي مسلطًا على رقابهم.

حتى على صعيد النووي، قد تؤدي الضمانات العسكرية الأمريكية للدول الحليفة إلى تحفيز الجهات الإقليمية الأخرى على الاندفاع إلى الحلبة بذعرٍ شديد، مثلما يحدث حاليًا مع كوريا الشمالية وإيران.

ناهيك عن أن الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، تُصِرّ على امتلاك أسلحتها النووية الخاصة، على الرغم من الحماية التي توفرها القواعد الأمريكية داخل أراضيها أو بالقرب منها، ما يعني أن سباق التسلُّح لا يهدأ بل يتسارع.

التواجد العسكري الخارجي يزرع بذور كراهية أمريكا في أنحاء العالم

كثيرون يسألون عن «الإرهاب»، لكن قليلون من يملكون جرأة ووضوح الباحث روبرت بيب من جامعة شيكاجو ليخبرهم بأن أحد الدوافع الرئيسية للعمليات «الانتحارية» هو: إخراج القوات الأجنبية من أوطانهم، كما أورد في ورقة قوامها 19 صفحة بعنوان «المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري»، نشرت في أغسطس 2003 على صفحات مجلة «أميركان بوليتيكال ساينس ريفيو» الأكاديمية الفصلية، الصادرة عن جمعية العلوم السياسية الأمريكية.

ولا دليل على ذلك أوضح من هجمات 11 سبتمبر 2001؛ التي كتب أحد منفذيها في وصيته: إن وجود «الكفار» في شبه الجزيرة العربية كان أحد الأسباب التي دعته للمشاركة في الهجمات. والمفارقة أن الولايات المتحدة حين ردّت بزيادة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، واجهت في المقابل زيادة كبيرة في الهجمات على قواتها وقواعدها في المنطقة؛ أي أنها عرَّضت رعاياها لخطرٍ أكبر بينما أرادت حمايتهم. وهذا بالضبط ما حدث في أفريقيا، كما أوضحنا آنفًا.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: مجزرة بحر الصين.. أمريكا تتوقع سيناريو حربها ضد الصين واليابان

ولا غروَ، فالوجود العسكري الأمريكي في الخارج يُنظَر إليه باعتباره «من بقايا الاستعمار وإهانة للسيادة الوطنية»، وهو الوصف الذي استخدمه مجلس الشيوخ الفلبيني في عام 1991، وأقرّته الحكومة حينذاك حين طلبت من الولايات المتحدة الانسحاب من القاعدة البحرية في خليج سوبيك مترامية الأطراف بحلول نهاية عام 1992، منهية بذلك وجودًا عسكريًا أمريكيًا بدأ بالاستيلاء على الجزر من إسبانيا عام 1898.

لم تكن الفلبين تغرد خارج السرب العالمي، فيما بين عامي 1947 و1990، طُلب من الجيش الأمريكي مغادرة فرنسا ويوغوسلافيا وإيران وإثيوبيا وليبيا والسودان والسعودية وتونس والجزائر وفيتنام وإندونيسيا وبيرو والمكسيك وفنزويلا، وانطلقت جهود تفاوضية نتيجة الاعتراضات الشعبية والسياسية على هذه القواعد في إسبانيا والفلبين واليونان وتركيا خلال فترة الثمانينيات.

هذا الغضب الوطني ضد التواجد الأمريكي لا يزال مستمرًا حتى اليوم، ففي يونيو (حزيران) الماضي، خرجت أكبر مظاهرة في جزيرة أوكيناوا منذ عام 1995 ضد الوجود الأمريكي في اليابان، وطالب عشرات الآلاف ممن شاركوا فيها بغلق القواعد العسكرية التابعة للولايات المتحدة.

وفي العراق يخرج آلاف المتظاهرين للمطالبة بطرد القوات الأمريكية من العراق، بل وجميع القوات الأجنبية، وإلغاء الاتفاقيات الأمنية العراقية مع الولايات المتحدة، وإغلاق المجال الجوي العراقي أمام الطائرات العسكرية والمسيّرة الأمريكية.

ومن أجل استمرارية هذه القواعد، تلجأ الولايات المتحدة إلى عقد شراكاتٍ مع الطغاة – وما أكثرهم في التاريخ والحاضر الجاثم على الصدور – ونتيجة لذلك فإنها تزرع المزيد من بذور كراهيةٍ لكل ما هو أمريكي، ناهيك عن تقويض المُثُل الديمقراطية التي تدافع عنها كلامًا وتنتهكها فعلًا، وهو ما يضرُّ بالمصالح الأمريكية ذاتها على المدى الطويل.

وهذا التأثير السلبي مثبت بدراسات مؤسسة «بيو» للأبحاث التي تظهر التدهور المستمر في صورة الولايات المتحدة حوال العالم، وتؤيده نتائج دراسة استقصائية أجراها باحثون من شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية في 14 دولة لها تاريخ مع الانتشار العسكري الأمريكي الكبير.

نتائج استطلاع حول شعور المواطنين في 14 دولة لها تاريخ مع التواجد العسكري الأمريكي الكبير. (أزرق: محبذ. أحمر: مكروه. أصفر: محايد. رمادي: بلا إجابة.) المصدر: شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية / موقع «ذا كونفرزيشن».

ليست عسكرية فقط.. مخاطر بيئية قد تضرب قواعد أمريكا العسكرية في مقتل

يمتد التهديد المحدق بالقواعد العسكرية الأمريكية لما هو غير عسكري أيضًا، بالنظر إلى المخاطر المحدقة بالبنية التحتية لهذه المنشآت نتيجة زيادة الفيضانات والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحار والأنهار وذوبان الجليد وموجات الجفاف وحرائق الغابات وغيرها من آثار التغير المناخي.

وفي هذا الصدد، يحذر «مشروع الأمن الأمريكي» من أن «تغير المناخ سيؤثر على الأمن القومي للولايات المتحدة بعدد لا يحصى من الطرق، وسيؤثر بعمق في قدرة وزارة الدفاع على ضمان الاستعداد العسكري»، كما يتضح من الخريطة التالية التي ترصد بعض أهم المنشآت العسكرية الاستراتيجية المعرضة لتأثيرات تغير المناخ.

على الرغم من هذه التهديدات، خلُصَ الكونجرس العام الماضي إلى أن وزارة الدفاع ليست مستعدة بما يكفي لمواجهة هذا النوع من المخاطر، وحين طلب المشرعون الاطلاع على قائمة تفصيلية تضم القواعد العسكرية الأكثر عرضة لتهديدات التغير المناخي، عجز مسؤولو البنتاجون عن جمع المعلومات في الوقت المناسب، وتأخروا ستة أشهر عن الموعد المتوقع لتقديم البيانات.

حتى التقارير التي قدمتها أفرع القوات المسلحة الأمريكية المختلفة أخيرًا في يونيو 2019 إلى مجلس الشيوخ، حول التأثيرات المحتملة على مهام القوات المسلحة، وخططها العملياتية ومنشآتها العسكرية، أثارت المزيد من المخاوف بشأن احتمالية انهيار أنظمة الطاقة – بما فيها المنشآت النووية – وتفشي المرض والعطش والمجاعة والنزاعات، وفي مقابل هذه السيناريوهات المرعبة لم تقدم توصيات لمعالجة أسباب ظاهرة التغير المناخي، رغم أنه أحد أكبر المتسببين الرئيسيين في تفاقمها نظرًا لاستخدامه الكثيف للوقود الأحفوري.

ولذلك، خلُص تقرير مكون من 53 صفحة أصدره مكتب محاسبة الحكومة في الشهر ذاته (يونيو 2019) إلى أن المنشآت العسكرية تتحرك ببطء السلحفاة لمواجهة هذه المخاطر المحتملة، وأن كبار المسؤولين في البنتاجون لم يصدروا توجيهات كافية في هذا الصدد، ناهيك عن تزويد قادة القاعدة «بالمعلومات الأساسية» الضرورية لاتخاذ إجراءات فعالة ومتسقة، وهو الواقع الذي قد يؤدي إلى استثمار وزارة الدفاع في مشروعات تنطوي على مخاطر محتملة دون دراسة مسبقة متأنية.

الفاتورة الاقتصادية 150 مليار دولار.. وما خفي أعظم!

يبلغ إجمالي إنفاق الولايات المتحدة على قواعدها وأفرادها في الخارج 150 مليار دولار سنويًا، وتتحمل الخزانة الأمريكية 10 – 40 ألف دولار إضافية سنويًا في المتوسط للإنفاق على الأفراد العسكريين في القواعد الخارجية، مقارنة بإنفاقها على الأفراد العاملين في القواعد الداخلية، بالإضافة إلى 51.5 مليار دولار في العام لبناء وصيانة البنية التحتية في الخارج.

إذا وجَّهت الولايات المتحدة نصف هذا المبلغ فقط إلى الداخل؛ لخلقت 450 ألف وظيفة في البنية التحتية، أو 300 ألف وظيفة في المدارس الابتدائية. وحتى لو سلَّمنا بتقديرات وزارة الدفاع التي تهبط بمستوى الإنفاق على هذه المرافق إلى 24.4 مليار دولار فقط في السنة المالية الحالية – حوالي 4% من ميزانيتها – يظل هذا المبلغ ضخمًا، خاصة وأنه يستبعد تكاليف العمليات القتالية الجارية.

صحيحٌ أن الولايات المتحدة في عهد ترامب حاولت بدأب التخفُّف من هذا العبء المالي الهائل، لكنها في المقابل تخاطر باستعداء الحلفاء حين تُحَمِّلهم أضعاف ما يدفعونه حاليًا لصيانة القواعد العسكرية الأمريكية في بلادهم، أو تُلَوِّح بتقليص عدد القوات الأمريكية المنتشرة على أراضيهم إلى النصف؛ وهو ما يُحدِث شرخًا عميقًا في جدار ثقة الحلفاء، وآخر لا يقل خطورة في جدار ردع الخصوم.

الضرورات الاستراتيجية الراهنة اختلفت عن حقبة الحرب الباردة

إذا كانت المبررات الاستراتيجية للقواعد الخارجية تتلخص في: ردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وتمكين عمليات الانتشار السريع؛ فإن مدير دراسات السياسة الخارجية في معهد «كاتو»، جون جلاسر، يرى أنها فقدت الكثير من قيمتها وأهميتها في البيئة الأمنية المعاصرة.

وحجة جلاسر هي أن الردع يمكن أن يتحقق في عصر التكنولجيا الفائقة بوسائل أخرى غير القواعد العسكرية الأمريكية القريبة من الهدف، ويحذر من أن الانتشار المتقدم قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الدولية عن طريق إشاعة الخوف وتحريض الخصوم على بذل جهودٍ مضاعفة لتحقيق توازن القوى.

تاريخ

منذ 3 شهور
«نيويورك تايمز»: ثمن الزعامة الأمريكية.. هكذا بُني «النظام العالمي الليبرالي» على سفك الدماء

يخلُص تحليل نشرته مجلة «تايم» الأمريكية، في أكتوبر 2016، إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج لا تحمي أراضي الولايات المتحدة من الهجوم المباشر، وهي ليست في حاجة إلى ذلك في ظل وجود محيطين كبيرين يعزلانها عن الدول القوية الأخرى وترسانة تضم آلاف الأسلحة النووية توفر مظلة حماية معقولة.

يذهب تحليل آخر، نشرته مجلة «فورين أفيرز» في يوليو 2017، إلى أن القواعد العسكرية الأمريكي في الخارج لم تعد «أصولًا استراتيجية». وعلى الرغم من أن المصالح التجارية والاقتصادية ليست هي العامل الوحيد الذي يفسر عدم نشوب حرب بين القوى العظمى منذ عام 1945؛ إلا أن هناك أدلة قوية على أن هذين العاملين يقللان من احتمالية نشوب حرب على هذا المستوى في العصر الحديث.

وحين قيَّمت مؤسسة راند في عام 2013 التكاليف النسبية للقواعد العسكرية الأمريكية في الخارج نصحت بالحفاظ على هذا التواجد المتقدم بما يتجاوز الحدود الدنيا، نظرًا لأن قيمته الأمنية المضافة تفوق تكاليفه ومخاطره، لكنها في الوقت ذاته ذهبت إلى أن «القوات البرية الأخف وزنًا يمكن أن تنتشر جوًّا من الولايات المتحدة بالسرعة ذاتها كما لو كانت متمركزة داخل المنطقة»، فيما يمكن للقاذفات بعيدة المدى أن تحلق لتنفيذ مهام على بعد تسعة آلاف ميل، كما يمكنها إعادة التزود بالوقود في الهواء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد