على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) صفحة حصلت على خمسين ألف إعجابٍ تقريبًا أنشأها متطوعون اسمها (الجنرال عبد الفتاح السيسي رجلٌ هز عرش الولايات المتحدة الأمريكية)، لا يبدو على الصفحة أي نشاط حقيقي أو تفاعل، قد يبدو اسمًا غير مألوف، طويل بما يكفي لتذكره أو استعماله، لكنه يعبر عن قناعة راسخة لم ينقطع الإعلام المصري في معظمه على مدار أكثر من عام ونصف عن ترديدها ومحاولة تسويقها وإقناع الناس بها تحت عناوين كثيرة، ما بين السيسي قاهر الأمريكيين، والسيسي الذي صفع أمريكا وتحدي العالم وعزل مرسي المدعوم من الولايات المتحدة، والجيش المصري الذي أسر أحد قادة الأسطول السادس، والسيسي – مرة ثالثة- الذي دعاه الرئيس الأمريكي أوباما لزيارته في البيت الأبيض أكثر من مرة ولكنه رفض، ودعوات مستمرة بأننا لا نحتاج للمعونة الأمريكية ومطالبات بقطعها، وصولًا إلى ادعاء أن أوباما نفسه ينتمي بشكل أو آخر إلى أو يدعم جماعة الإخوان المسلمين المصنفة حاليًا على القوائم المصرية الحكومية للجماعات الإرهابية.

في السادس من يوليو 2013، استمرت بعض المظاهرات في التحرير مؤكدة ومتناغمة مع الإعلام المصري على دعم أوباما للحركات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمين، كان كاتب هذه السطور يسير في شارع طلعت حرب على بعد عشر دقائق من التحرير، هذه القطعة من القاهرة – المشتعلة حينها بهتافات النصر والخلاص من نظام محمد مرسي- كانت مليئة بلافتات بأحجام ضخمة تضع السيد محمد بديع والسيد سعد الكتاتني والدكتور محمد البلتاجي “قيادات إخوانية” والرئيس الأمريكي أوباما بجوار بعضهم البعض، وتطالب بتعليق الجميع على المشانق، في وسط هذه النشوة الجماعية، كانت هناك نداءات يصعب تجاهلها عن الموت والدمار والجحيم الواجب، لأمريكا!

يحاول هذا التقرير أن يتقصى الحقائق المحضة بمصادرها – التي تجدونها في النهاية- بلا آراء شخصية، يتتبعها، ويجمعها ليصل في النهاية لإجابة سؤال محدد من اثنين، هل السيسي قاهر الولايات المتحدة ومتحديها فعلًا؟، أم أنها أساطير يروج لها إعلامٌ موالٍ للنظام الحاكم من القاهرة؟!

الأسطورة الأولى: ارفعوا أيديكم عن مصر!

في الثالث من مارس لعام 2013، وفي مقر وزارة الدفاع المصرية تم لقاء رسمي بين الفريق أول (عبد الفتاح السيسي) وزير الدفاع، وبين وزير الخارجية الأمريكي (جون كيري)، كان اللقاء غريبًا كونه اقتصر على وزير الدفاع، حيث كان هناك لقاءان منفصلان أحدهما مع الرئيس المنتخب حينها (محمد مرسي) والآخر مع الفريق السيسي، ومن غير المعتاد دبلوماسيًّا أن يلتقي وزير خارجية دولة أجنبية بوزير دفاع دولة أخرى في مباحثات ثنائية مغلقة عليهما بمعزل عن رئيس الجمهورية، خاصة مع حضور خاص لثلاثة أشخاص هم (رئيس الأركان حينها الفريق صدقي صبحي) ومساعد وزير الدفاع للشئون الخارجية (اللواء محمد العصار)، والسفيرة الأمريكية، مع عدد من قادة القوات المسلحة أعضاء المجلس العسكري، لكن الأغرب من ذلك أن كيري مخالفًا لكل التقاليد الدبلوماسية التقي وزير الدفاع أولًا قبل الرئيس.

بعدها، ومع الديباجات المعتادة عن المباحثات الثنائية وسبل التعاون المشترك والإشادة المتبادلة، خرجت الكثير من الصحف المصرية قائلة بأن السيسي كان حازمًا جدًا في اللقاء الذي استغرق ساعة كاملة، وأنه طلب من كيري التوقف عن مزاعم وجود صراع ثلاثي بين القوي السياسية والجيش المصري ورئاسة الجمهورية، ثم أبلغ السيسي كيري – بحسب نفس الصحف- أنه من الأفضل لأمريكا أن تتوقف عن التدخل في الشئون المصرية الداخلية، وأن ترفع أيديها عن مصر لأن المصريين قادرين على تولي شئونهم، وامتنع وزير الدفاع عن إعطاء كيري أي معلومات تخص الشأن الداخلي المصري، فعلها السيسي بحزم وصرامة.

الفترة من مارس وحتى الثالث من يوليو حين عزل الفريق السيسي رئيس الجمهورية محمد مرسي كانت تعج بتأكيدات أطراف عديدة أن الإخوان يحظون بالدعم الأمريكي مع تأكيد السيسي مرارًا على أن الجيش لن يخرج من ثكناته، وإلا عادت مصر للوراء أربعين عامًا على الأقل، بعدها، وكنتيجة طبيعة فإن الصيحات الحماسية المؤيدة صحفيًّا وشعبيًّا لعزل مرسي أكدت أن السيسي قام بصفع الولايات المتحدة – حليف الإخوان المسلمين الأهم- وأعطاهم درسًا لن ينسوه وأنقذ مصر من عمالة محققة رسمية في أعلى سلطة وهي سلطة رئيس الجمهورية.

قد يبدو ذلك منطقيًّا في حينها، لكن بعدها بشهر واحد فقط أتى حديث السيسي مع واشنطن بوست (الصحيفة الأمريكية الأكثر انتشارًا بعد نيويورك تايمز) في الخامس من أغسطس لينسف الجنرال هذه الأسطورة بنفسه تمامًا!

  • إليزابيث موريس (صحفية الواشنطن بوست الشهيرة): هل تشعر بخيبة الأمل من رد فعل الولايات المتحدة على أحداث الثالث من يوليو؟، هل تشعر أنه كان رد فعلٍ غير عادل؟
  • السيسي:
    لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة أبدًا عن أي شيء يحدث هنا، لقد كنا دقيقين تمامًا في تزويد الدوائر الأمريكية الرسمية بملخصات واضحة جدًا عما يحدث في مصر، منذ شهور، أخبرت الولايات المتحدة عن أن مصر بها مشكلة ضخمة جدًا، وطلبت منهم النصيحة، والاستشارة، والمساعدة والدعم، إنهم حلفاؤنا وشركاؤنا الاستراتيجيون!
  • إليزابيث:
    منذ شهور؟
  • السيسي:
    (مؤكدًا) منذ شهور، تطورات وتعقيدات المشهد الداخلي كنا نعطيها للأمريكيين منذ شهور عديدة!

الأسطورة الثانية: أوباما الإخواني والبيت الأبيض حليف الإخوان المسلمين!

(لا يبدو أوباما واثقًا من مصر الآن، فالدولة الكبيرة التي كانت في جيب الجالس وراء المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في عهد تولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم تبدو الآن عصية على الانقياد، خارجة من فلك التبعية، متحدية للهيمنة الأمريكية، لقد حرر الجنرال عبد الفتاح مصر، وأمريكا – التي في أعنف مأزق لها منذ سنوات- تلقت الصفعة من الجيش المصري ومن الفريق أول وزير الدفاع كما يجب!)
كان هذا لسان حال الصحافة المصرية وما أراده النظام الحاكم فيما بعد الثالث من يوليو أن ينتشر، لكن نظرة حيادية تمامًا على مواقف البيت الأبيض المعلنة والرسمية تدحض بلا شك كل ذلك.

في الأول من يوليو وقبل عزل الجيش لمرسي بيومين أجرى الرئيس الأمريكي اتصالًا بنظيره المصري محمد مرسي أبلغه فيها بعدة نقاط واضحة ومحددة، منها أن الولايات المتحدة ملتزمة بعدم دعمها المنفرد لأي حزب أو مجموعة بأي شكل، أي أنها تقف على قدم المساواة من الجميع، وأن الديموقراطية أكثر من مجرد انتخابات، إنها تشمل أيضًا السماع لأصوات المتظاهرين والمعترضين في الشوارع، ثم دعا مرسي لأن يؤكد لأنصاره بعدم قبول الولايات المتحدة بأي شكل من أشكال العنف ضد المعترضين على نظامه.

في الثالث الشهير من الشهر وبعد الإطاحة مباشرة بمحمد مرسي خرج بيان لأوباما وضح فيه موقف الولايات المتحدة المبدئي مما حدث، بالأساس لم تطلق الإدارة الأمريكية على تحرك الجيش (انقلاب عسكري) بل وصفته مع الوضع المصري بالكامل بأنه وضع شديد السيولة (يصعب فيه إبداء الرأي أو القطع بحقيقة ما)، وأكدت أنها تشعر بالقلق العميق إزاء تحرك الجيش المصري وعزل رئيس الجمهورية وتعطيل الدستور، ولذلك، فهي تطالبه بتسليم السلطة لإدارة مدنية منتخبة بأقصى سرعة.
كان البيان في مجمله إنشائيًّا داعيًا إلى التأني ودراسة الموقف والشعور بالقلق واحترام إرادة المصريين جميعهم وما شابه، وخُتم في النهاية بأن الشراكة طويلة الأمد بين واشنطن والقاهرة تستند إلى المصالح والقيم المشتركة، وأن الولايات المتحدة ستستمر في العمل مع الشعب المصري حتى تتحول مصر إلى الديموقراطية بنجاح.

مرحلة ما بعد الإطاحة:

في الثامن من يوليو وبعد الإطاحة بمرسي بخمسة أيام يقف جاي كارني المتحدث الرسمي باسم الإدارة الأمريكية وسكرتير المكتب البيضاوي الإعلامي ليجيب على أسئلة الصحفيين في قاعة جيمس برادي بقلب البيت الأبيض، تبدأ نيدرا بيكلر المراسلة الشهيرة لوكالة أسوشيتد بسؤال عن الوضع المصري وسقوط عدد كبير من القتلى قارب على الخمسين في ساعات معدودة، ما رد فعل الإدارة الأمريكية على ذلك وهل يعتقد أوباما أن ما حدث انقلاب عسكري أم لا؟!
طريقة إجابة جاي هي الطريقة المعتمدة بعد ذلك والمتكررة بلا جديد للتصريحات الرسمية الأمريكية، فبعد تقديم التعازي فيمن سقطوا قتلى من المتظاهرين مع حث جميع الأطراف على نبذ العنف وفقرة بلاغية طويلة أجاب جاي بشكل مباشر على سؤال نيدرا، إنهم لا يعتقدون أنه انقلاب، ولا يعرفون ما الذي يصفونه به لأن الوضع في مصر شديد التعقيد، ولأنه هناك عشرات الملايين (النص الحرفي لجاي كارني) عارضوا حكم مرسي، لذلك أعربنا عن قلقنا وسوف نرى تحرك السلطات والجيش في مصر ثم نصف ما حدث.

إجابة جاي التي جاءت متلعثمة ومرتبكة بشكل لا يليق بمتحدث البيض الأبيض في نصفها الثاني لا تبدو متفقة مع عداء أمريكي مفترض ومزعوم للجنرال حينها “السيسي” ومصر، منطقيًّا ولو كان ما سبق صحيحًا فإن رد فعل جاي ببساطة على نيردا سيكون (إنه تحرك سلطوي غير ديموقراطي للاستيلاء على السلطة) على أبسط الاحتمالات، لكن هذا الدفاع يوحي برضا أمريكي شبه كامل عن تحرك الجيش!

كان المؤتمر أشبه بمطرقة ضخمة على رأس جاي، سأله صحفي آخر “ستيف” بعدها مباشرة (جاي، ما الذي تحتاج لمراجعته بالضبط لتوضح إن كان انقلابًا أم لا؟، الجيش تدخل بقوته ومرسي خرج، الأمور تبدو واضحة تمامًا!).
كرر كارني نفس الرد، ليسأله ستيف مرة أخرى عن إن كان يحاول إيجاد طريقة لعدم قطع المعونة، لأن التصريح الأمريكي بأن ما حدث هو انقلاب يستوجب إلزام الجميع في الولايات المتحدة بقطع المعونة العسكرية تبعًا لقوانينها، لكن كارني رد بأن علاقات مصر وأمريكا أعمق من مجرد مساعدات، وكلها ردود تصب في صميم الرضا الأمريكي والعلاقات الوطيدة كما أعلاه.

كانت ال CNN
قد أجرت لقاءً مع رئيس هيئة الأركان المشتركة (مارتن ديمبسي) جنرال البنتاجون الشهير، اللقاء – الذي كان في الثالث من يوليو ونشر بتاريخ السادس من يوليو- أكد قبله بعض مسئولي وزارة الدفاع الأمريكية أن كبار جنرالات وقادة الجيش الأمريكي كانوا ينسقون باستمرار مع قادة الجيش المصري وعلى رأسهم الجنرال عبد الفتاح السيسي منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظام الرئيس المعزول محمد مرسي، ثم أضاف ديمبسي نفسه أن جنرالات الولايات المتحدة وقادة جيشها تربطهم علاقات لصيقة وفعالة مع قادة الجيش المصري، علاقات بنيت على سنوات من تبادل الضباط والخبرات وتدريبات وعمليات مشتركة، وأن قادة الـDOD يساعدون الجيش في تلمس طريقه وتحديده تحت ظل نظام جديد، ففي نهاية اليوم إنها بلدهم وسيجدون طريقهم!

في الخميس، الأول من أغسطس وبعد أقل من شهر من الإطاحة جاء التصريح الرسمي الأمريكي الذي كان واضحًا بلا أي مجال للشك في رضا الولايات المتحدة عن تحرك الجيش، كان (جون كيري) وزير الخارجية في باكستان، وأجرت قناة Geo News الإخبارية الباكستانية لقاءً معه، ليخبرها نصًّا أن ما حدث في مصر (ليس انقلابًا حسب أفضل وصف تراه الإدارة الأمريكية) وأن (تدخل الجيش كان حتميًا لمنع قيام حرب أهلية ولاسترداد الديموقراطية التي انتزعت في عهد مرسي)، تصريح على أعلى مستوى دبلوماسي قاطع وصريح وأنهى كل الجدل حول تأييد الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين.

الأسطورة الثالثة: لنرفض المساعدات ونحتفظ بكرامتنا

Soldiers atop US Army vehicle during joi

(ولماذا نتلقى المساعدات ؟، مصر ليست في حاجة لها، الحقيقة، مصر أكبر من أي مساعدات من أي دولة مهما كانت).

لم يكن السابق غريبًا، وإنما هو نداءات وتصورات راسخة في عقول مئات الآلاف من المصريين ليس في فترة حكم الجنرال السيسي فقط، بل وأثناء حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعلى مدار عقود طويلة، وساهم الإعلام الموالي للأنظمة المصرية الحاكمة باختلافها في تحويلها لحقائق متماسكة لا تقبل النقاش بأي شكل، حسنًا، ربما لا يبدو هذا صحيحًا وربما لا تستطيع مصر الاستغناء عن المساعدات العسكرية بأي طريقة، للأسف!

المساعدات الأمريكية هي جزء ركين ويمكن اعتبارها القلب الصلب للعلاقات المصرية الأمريكية ويد واشنطن العليا على القاهرة والجيش المصري، لفهم أكثر، فإن العلاقات العسكرية المصرية الأمريكية بدأت منذ عهد السادات وتحديدًا في عام 1976 قبيل اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب بشراكة رئيسية لواشنطن ومقاطعة عربية، قبل أن تتحول بعد كامب ديفيد لمنح لا ترد بواقع ثلاثة مليارات دولار لتل أبيب وملياري ومائة مليون دولار لمصر، منهم ثمانمائة مليون دولار مساعدات اقتصادية ومليار وثلاثمائة مليون مساعدات عسكرية، على مر السنوات تم تخفيض المساعدات الاقتصادية لتقل حاليًا عن المائتي مليون دولار، بينما كانت المساعدات العسكرية على مر أكثر من ثلاثين عامًا ثابتة بشكل تقريبي عند نفس رقمها في السبعينيات.

في 2014 قدرت ميزانية الجيش المصري بمبلغ يتجاوز الخمسة مليارات وربع مليار دولار، ما يوازي أربعين مليار جنيه تقريبًا، منهم 1.3 مليار دولار معونة أمريكية، لا تحصل مصر على هذه الأموال بشكل مباشر ونقدي، وإنما توزع على مدار العام وتقدم على شكل خدمات لوجستية ومعدات عسكرية ثقيلة.
تأتي هذه المساعدات من أربعة اتجاهات في الجيش الأمريكي، أولاها (رئيسي) هو برنامج التمويل الأجنبي للبنتاجون (FMF) والذd يقوم بتصدير الأسلحة ومعدات دفاعية للجيش المصري، ثانيها (رئيسي) هو برنامج الجيش الأمريكي الدولي للتعليم والتدريب (IMET) ويتخصص في تدريب الضباط بالأساس وبعض الفرق الخاصة، والاتجاه الثالث الفرعي هو برنامج مكافحة الإرهاب وإزالة الألغام غير الربحي (NADR)، والرابع الفرعي أيضًا هو برنامج مكافحة المخدرات وتنفيذ القانون (INCLE) وهو مخصص لتدريب الشرطة المدنية.

تعطي الولايات المتحدة كيانين فقط في العالم الحق في التعاقد مع الحكومة ومع عمالقة الأسلحة العالميين بلا دفع مباشر، بمعنى استلام الأسلحة ثم الدفع فيما بعد على مدار سنوات مقبلة ومن خلال المعونة السنوية نفسها، هذا الحق لا يتوفر إلا لمصر وإسرائيل!
ما تفعله الولايات المتحدة هو أن تعطي الجيش المصري الضوء الأخضر لشراء الأسلحة والتي تكون في معظمها من المعدات الثقيلة (دبابات/ مدرعات/ مجنزرات متنوعة)، يأخذ الجيش الأسلحة بالمجان، ثم تدفع الحكومة الأمريكية للشركات من المعونة السنوية، وتكون الصيانة حقًا حصريًّا لخبراء البنتاجون وكذا قطع الغيار التي لا تكون بديهيًّا إلا أمريكية لأسلحة أمريكية.
هذه السياسة ورطت الجيش المصري في عقود طويلة الأجل لسنوات قادمة مع شركات الأسلحة الأمريكية، فضلًا عن وقوع أغلب المعدات الثقيلة المصرية – وهي ترسانة من الأضخم في العالم- تحت رحمة واشنطن، يمكن الاستدلال على ذلك بمثال بسيط وهو تعطيل تسليم قطع غيار دبابات إم 1 إيه 1 وصواريخ هاربون في أواخر 2013 بعد توتر العلاقات بشكل طفيف، لم يكن من الإدارة وإنما من الكونجرس الذي ضغط على البيت الأبيض بشكليات محدودة الطاقة والرأي العام الأمريكي (الصحافة) الذي كان في حالة هيجان، توتر وهيجان تمت تهدئتهما سريعًا بتأجيل بعض الأسلحة التي لا تؤثر على وضع الجيش ولا علاقته مع واشنطن بأي شكل.

الرسم البياني بأعلاه يوضح أن المساعدات استمرت كما تقرر لها بلا تغيير اللهم إلا خفض المساعدات الاقتصادية التي لا تمثل نسبة تذكر من إجمالي المعونة، حتى إن الضغط من الكونجرس – والذي عطل بعض الأسلحة حتى تمام ما أطلقت عليه القاهرة انتخابات رئاسية بفوز الجنرال السيسي بالرئاسة المصرية- كان ضغطًا هشًّا وصوتيًّا فقط، يمكن فهم ذلك بسؤال السيناتور راند باول الذي تقدم باقتراح للكونجرس لوقف المساعدات حتى تتم الانتخابات الرئاسية، لكن جون ماكين ” الجمهوري الأشهر ” – نفسه الذي انتقد كيري والبيت الأبيض بسبب تأييدهم لما يحدث في مصر- قاد تحالفًا شرسًا لإنهاء التصويت ورفضه، وتم له ذلك بالفعل ورُفض اقتراح السيناتور باول بأغلبية 83 صوتًا مقابل 13 صوتًا فقط!

في هذا العام، ولتحمي الإدارة الأمريكية نفسها من انتقادات الكونجرس المتزايدة بشأن الوضع المصري، قامت بتمرير قانون فرعي استثنائي معدل لمصر فقط ضمن قانون تمويل الدولة الفيدرالية الأمريكية الذي صوت عليه في مجلس الشيوخ بـ56 صوتًا لنعم مقابل 40 لـ “لا”، القانون الفرعي “قانون الإنفاق العسكري” يعطي الحق للإدارة الأمريكية باستثناء مصر من أي محاولات لقطع المعونة، ويتيح للبيت الأبيض التصديق على المساعدات بدون أي التفاف للكونجرس أو سلطة منه لوقفها إن رأى الرئيس الأمريكي أن قطع المساعدات قد يضر بالأمن القومي!

الرضا الأمريكي كان متواصلًا، بعد فض اعتصام مسجد رابعة العدوية الذي أوقع قتلى بحسب النيويورك تايمز أكثر من ألف مع إصابة الآلاف، بعد هذا الفض الموصوف بالأكثر وحشية في تاريخ مصر الحديث قام الجيش المصري بتعاقد مع عملاق صناعة الأسلحة “رايثيون” حصل فيه على تقنيات حديثة لكشف الأنفاق في سيناء، ثم عقد خاص بأنظمة رادار متطورة في نفس الوقت، وجاء بعد عام عقد ثالث لتطوير القوات الجوية، وهي كلها عقود سلسلة مثلت الرضا الأمريكي عما يحدث وتماهي أوباما التام مع إدارة الجنرال للأزمة في مصر.

القاهرة لا تستطيع الامتناع عن استهلاك وإحلال وتبديل الأسلحة الأمريكية لأنها تمثل أساس الجيش المصري، وتحتاج صيانة أمريكية دورية وقطع غيار وذخيرة وبدون ذلك تصبح الترسانة الضخمة بلا أي فاعلية، فضلًا عن عمولات بعشرات الملايين ترافق أوامر التوريد كل عام، بينما يملك الرئيس الأمريكي بدون أن سلطة عليه من الكونجرس أن يوقف البيع بالآجل لمصر ويلزمها بالدفع المباشر، وهو ما يعني ديونًا فوق الديون وهزة عنيفة للاقتصاد، لكن أوباما لم يفعل ذلك على الرغم من امتلاكه للأدوات الفاعلة والقرار الملزم بوقف هذا الدفع، هذا لأن العلاقة الاستراتيجية ليست معكرة لاتخاذ خطة كهذه، ولأن المصالح الأمريكية التي هي الدافع الوحيد لاتخاذ قرار كهذا ليست مهددة بأي شكل يجعل أوباما يصدر القرار، على عكس الشائع من أن مصر تهدد المصالح الأمريكية، بل بالعكس فإن المعونة ما زالت الاستثمار الأمريكي الأفضل في المنطقة بعد تل أبيب نفسها، ما زالت تعطي الحق للولايات المتحدة باستخدام المجال الجوي المصري لطائراتها الحربية الرابضة في دول الخليج وفي البحر المتوسط، وتعطيها الحق أيضًا في الحصول على تصاريح لمرور سفنها الحربية في قناة السويس بسرعة قياسية

بشكل أوضح، لا يبدو العداء توصيفًا صحيحًا لسياسة دولتين إحداهما عظمى تضع شئون الأخرى ضمن أمنها القومي وتضغط لتمرير القوانين بشكل استثنائي من أجلها، لا يبدو أن هذا نوع من العداء أبدًا.

{العلاقات بين مصر وأمريكا تشبه الزواج الشرعي، وليست نزوة ليوم واحد!}.

(نبيل فهمي وزير الخارجية المصري في معرض زيارته لواشنطن منتصف العام الماضي)

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد