ابنة وثلاثة آباء؛ قد يبدو عنوانًا لفيلم سينمائي، لكن ما يقوله لنا العلماء أنه ممكن!

يقول العلماء أن الجنين يتكون من خلال بويضة الأم مجتمعة مع الحيوان المنوي للأب، وهذا الجنين يرث صفاتهما الوراثية مجتمعة، ومنها الأمراض المحتملة، ومن ضمنها الأمراض التي تصيب الميتوكوندريا mitochondria. وما نعلمه من كتاب العلوم أن الميتوكوندريا هي مراكز الطاقة في كل خلية، وتحتوي هذه المراكز على التركيب الوراثي الخاص بها، والذي لا يؤثر بأي حال من الأحوال على السمات المظهرية مثلًا. وأن الخلل في الميتوكوندريا ينتقل فقط من خلال الأم، وقد يؤدي إلى اعتلالات خطيرة في الدماغ وفقدان العضلات، والفشل القلبي وفقدان البصر.

لذلك لجأ العلماء إلى تقنية من أجل استبدال الميتوكوندريا السليمة بالأخرى ذات الخلل.

خلايا داخل الخلايا

من الممكن اعتبار الميتوكوندريا في حقيقة الأمر خلية داخل الخلية تحتوي كلاهما على مادة وراثية منفصلة. وتعد الميتوكوندريا جسيمات بيضاوية الشكل يتراوح قطرها ما بين 0.5 إلى 1 جزء من مليون جزء من المتر. وتعتبر RED Pull الخاص بالخلايا، وذلك بتوليدها كميات كبيرة من الطاقة في صورة أدينوسين ثلاثي الفوسفات ATP . وبجانب ذلك تقوم بتخزين الكالسيوم اللازم لعمليات إرسال الإشارات عبر الخلايا، وتولد الحرارة، وتساهم في عمليات نمو الخلايا وموتها.

 

وطبقًا لقوانين الوراثة، تُورّث الميتوكوندريا للجنين عن طريق الأم فقط، ذلك لأن الميتوكوندريا تتواجد في سيتوبلازم الخلايا دونًا عن أنويتها. وعند حدوث الإخصاب، يشارك الذكر بالحيوان المنوي الذي يمثل فقط نواة الخلية، وتشارك الأنثى بباقي محتويات الخلية التي تشتمل على الميتوكوندريا التي تنتقل إلى الجنين سواءً كانت سليمة أم بها خلل.

 

 

في البدء كانت ألانا

 

تُعدّ ألانا سارينين Alana Saarinen من أشهر الأطفال الذين ولدوا بتقنية “الإخصاب الصناعي الثلاثي”، حيث أنها تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا، وتعيش حياة طبيعية كغيرها من الأطفال الذين ولدوا بشكلٍ طبيعي.

 

نتيجة لفشل وسائل الحمل الطبيعية، حاولت والدة ألانا الحمل عن طريق تقنية التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب لمدة عشر سنوات لكن دون جدوى. تسبب هذا الأمر في معاناتها النفسية لرغبتها في الحصول على طفلٍ كغيرها من الأمهات. الأمل الأخير تمثل في مركز القديس بارناباس الطبي، والذي تميز في إجراء عمليات عرفت باسم “نقل السيتوبلازم” من أجل توفير حلول للأمهات غير القادرات على الحمل والإنجاب، عن طريق نقل السيتوبلازم الخاص بالخلية المانحة بما تحتويه من ميتوكوندريا إلى بويضة الأم التي يتم إخصابها.


 

من حسن الحظ أن تلك التقنية سمحت للوالدة بالحمل والإنجاب، وأصبحت ألانا أحد الأدلة التي تم استخدامها لتمرير قانون السماح بتقنية الإخصاب الصناعي الثلاثي داخل المملكة المتحدة حيث أنها ولدت بتلك الطريقة ولا تعاني من أي آثار أو أعراض جانبية.

 

كيف يحدث ذلك؟

هناك طريقتان، في الأولى تخصب بويضتان بواسطة الحيوانات المنوية، ليتكون جنينٌ من الأبوين الأساسيين، وآخر من المتبرعة. ثم يتم نزع النواة من كلا الجنينين مع الاحتفاظ بتلك الخاصة بالأبوين. ليتكون الجنين السليم عبر إضافة نواتي الأبوين للجنين المتكون من بويضة المتبرعة بعد نزع نواتها، حيث يُزرع الجنين في النهاية بالرحم.

بينما تُعالج في الطريقة الثانية بويضة الأم التي تحتوي على ميتوكوندريا معيبة، حيث يتم نزع نواة هذه البويضة، واستبدالها بنواة بويضة المتبرعة التي تحتوي على ميتوكوندريا سليمة، لتتكون في النهاية بويضة سليمة تحتوي على المادة الوراثية الخاصة بالأم جاهزة لعملية التخصيب بالحيوانات المنوية.


https://www.youtube.com/watch?v=nLMEfbTM1R0

هل التقنية تعمل؟

هناك حقيقة تقول أن قرابة 15% من الأمراض التي تصيب الميتوكوندريا يتسبب فيها DNA الميتوكونديريا، مما يعني أن هذه التقنية لن تساعد النساء ضد 85% من أمراض الميتوكوندريا. علاوة على أنه هناك المئات من مختلف أمراض الميتوكوندريا حيث تشكل الطفرات وتنوعها في الخلايا أمر غير معروف بالكامل. إلى جانب تفشي التشخيص الخطأ لأصحاب أمراض الميتوكوندريا.

هل هي آمنة؟

هناك أيضًا عدد من المخاطر المحتملة للنساء الذين يخضعون لهذه التقنية؛ فاستخراج البويضات يتطلب حقنًا هرمونيًا وإجراء جراحة، مما يسبب مخاطر على المدى القصير والبعيد. كما أن الحمل يشكل للأم صاحبة الميتوكوندريا المعيبة عددًا من المخاطر الصحية.


وطبقًا لوكالة الغذاء والدواء الأمريكية FDA هناك مخاطر معروفة وأخرى لا نعرفها بعد للأطفال الناتجين. ومنها الضرر الذي قد يتسبب للبويضة أو الجنين نتيجة للتلاعب، أو عدم التكافؤ بين الميتوكوندريا والنواة، أو طفرات قد تصيب النواة. إلى جانب تأثير الأدوية والمواد الكيميائية المستخدمة خلال مختلف مراحل العملية.

هل هناك بدائل؟

هناك عدد من البدائل المطروحة تتضمن التبني أو الاستعانة ببويضة امرأة متبرعة، أو الاستعانة بتشخيص جيني preimplantation genetic diagnosis (PGD) يتم خلاله اختبار الجينات للأجنة المتكونة من خلال التلقيح الخارجي، وتحديد مستوى الطفرات المحتملة لكل جنين، من أجل أن يتم زرع الجنين صاحب النسبة غير المضرة داخل الرحم. حيث أثبت عدد من الدراسات أن هذه التقنية من الممكن أن تساعد النساء ذوات أمراض الميتوكوندريا ليحظين بأطفال أصحاء.

 

التقنية تفجر جدلًا أخلاقيًا وقانونيًا

 

بالرغم من عدم وجود أية آثار جانبية على ألانا سارينين وغيرها من الأطفال الذين ولدوا بتلك التقنية، مما يعني نجاح التقنية في التغلب على بعض مشاكل انتقال الأمراض من الأم إلى الجنين عن طريق الميتوكوندريا، إلا أن تلك التقنية تأتي مصاحبة لمزيدٍ من الجدل الأخلاقي والمجتمعي حول مدى تأثيرها على الإنسان.

المؤيدون: للأطفال الحق في حياة طبيعية

تنقسم الآراء بين مؤيدٍ ومعارض لاستخدام تلك التقنية، حيث يرى مؤيدوها أن التقنية تساهم ولو بشكلٍ بسيط في تجنب انتقال بعض الأمراض من الأم إلى الجنين مما يساهم في الحصول على أجنة تعيش بشكلٍ طبيعي كغيرها من الأطفال.

FDA تمنع استخدام التقنية لمخاطرها المجهولة

أما الرأي المعارض لتلك التقنية فقد ظل هو الرأي السائد منذ تسعينات القرن الماضي، حيث منعت وكالة الغذاء والدواء والجهات المتخصصة في مختلف الدول استخدام تلك التقنية نظرًا للمخاطر المجهولة وغير المتوقعة والتي قد تصيب الأطفال المولودين من خلال تلك التقنية.

هل نحن نلعب دور الإله؟

كذلك لا يقتصر الاعتراض على المخاطر العلمية والطبية التي قد تنتج عن استخدام التقنية، بل ترتبط أيضًا بالجوانب الأخلاقية، والاجتماعية، والدينية. هناك العديد من الآراء التي ترفض اتباع تلك التقنية نظرًا لاعتراضها – من وجهة نظرهم الخاصة – مع مبادىء الأديان السماوية، حيث يرفض المعارضون لعب “دور الإله – Playing God” عن طريق التحكم في مدى سلامة الأجنة من خلال الاستعانة بميتوكوندريا امرأة أخرى، ليصبح للطفل الجنين ثلاثة آباء بيولوجيون بدلًا من اثنين.

أما على الجانب الأخلاقي والاجتماعي، ينتصر المعارضون لمبدأ العدالة والحرية الاجتماعية التي تتمثل – من وجهة نظرهم الخاصة – في عدم التحكم في خلو الجنين من الأمراض أو تركه ليولد مصاحبًا ببعضها والتي قد تؤدي إلى وفاته، فأولا وأخيرًا هي حياة الجنين الخاصة ولا يمكن لشخصٍ أن يتدخل في تفاصيلها حتى وإن كان هذا في صالح الجنين!

بريطانيا أول دولة تسمح باستخدام التقنية

بعد أن ظلت تلك التقنية ممنوعة نظرًا للمخاوف المتعلقة بها منذ تسعينات القرن الماضي، قام مجلس العموم البريطاني بالتصويت لصالح استخدام تلك التقنية منذ ثلاثة أسابيع، لتصبح بهذا أول دولة تتبنى الاستخدام الشرعي لتلك التقنية.


حث وزير الصحة البريطاني اللورد هاو مجلس اللوردات تمرير تعديل مثير للجدل على قانون 2008 المتعلق بالأجنة والإخصاب البشري يسمح بتقنيات التلقيح الاصطناعي التي تهدف إلى منع الأمراض الميتوكوندرية الموروثة والخطيرة.

 

أحد الأسباب التي دفعت المجلس إلى الموافقة على استخدام التقنية، هو عدم ظهور أية أعراض جانبية على العديد من الأطفال الذين ولدوا بتلك التقنية من بينهم ألانا سيرانين التي تعيش حياتها بشكلٍ طبيعي كغيرها من الفتيات. كذلك من أهم الأسباب التي ساهمت في دفع المجلس للموافقة على هذا القرار، هو تمكين الأمهات اللاتي يمتلكن أمراضًا وراثية أو جينية تحول بينهن وبين الولادة الطبيعية، أو تتسبب في امتلاكهن أجنة مشوهة؛ من الولادة بشكل طبيعي مع إقصاء الجين أو الشفرة الوراثية التي تتسبب في تشويه الجنين.

يبقى الجدل مستمرًا، وتتزايد الأصوات التي تطالب إما بتعميم تطبيق التقنية وما يشابهها من التقنيات التي تساهم في تحسين الأجنة عن طريق معالجة الأمراض الوراثية التي قد تنتقل إليهم، أو بعدم السماح بتلك التقنيات إما خوفًا من المخاطر المحتملة، أو خوفًا لاعتراضها مع أيديولوجيات دينية، أو اجتماعية.

هل يقف العلم في صف المجتمع؟


بدأت جامعة نيوكاسل بالفعل في تقديم 500 جنيه إسترليني للنساء ليصبحن “أمهات ثانيات” للأطفال ذوي الآباء الثلاثة.

 

السؤال الذي يظل مطروحًا بعد استمرار العلم في تقديم المزيد من الحلول التي تساهم في تطوير حياة البشر نحو حياة بلا مرض، هل نمتلك السلطة لاستخدام كافة الأساليب العلمية المثبتة والمدروسة من أجل تحسين الأجنة البشرية عن طريق إقصاء الأمراض الوراثية، أو تعديل الجينات والشفرات الوراثية؟ كذلك هل نحصل على نفس الجدل القائم في تطبيق تقنيات مشابهة على الحيوانات من أجل الحصول على نسلٍ ذي صفاتٍ أفضل تساهم في رفاهية الحياة البشرية؟

الحسم يقف حائرًا بين العلم في كفة، والأخلاق والآراء المجتمعية في كفة أخرى. إلى أي الطرفين علينا أن ننساق؟ أخبرنا برأيك في هذا الأمر؛ هل أنت مع استخدام تلك التقنية وما يشابهها، أم معارضٌ لاستخدامها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد