889

نستيقظ من نومنا كل صباح، وقبل أن نستفيق بشكل كامل نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على هواتفنا، تتدافع أمامنا الكثير من المنشورات التي تعكس نمط حياة بعينه، وعادة ما تخلف لدينا تلك المنشورات إحساسًا بعدم الرضا نابعًا بالأساس من مقارنة حياتنا بالمشاهير على السوشيال ميديا، يداهمنا الإحساس بأننا لن نحظى يومًا بحياة استثنائية تشبه تلك الحيوات الموجودة على حائط «فيسبوك».

والحقيقة أن ما نعايشه يعود بالأساس إلى حاجتنا إلى التقدير؛ فوفقًا لنظرية عالم النفس «أبراهام ماسلو» حول التسلسل الهرمي للاحتياجات الإنسانية؛ تأتي الحاجة إلى التقدير في المرتبة الرابعة، وذلك بعد الحاجات الفسيولوجية، والحاجة إلى الأمن، والحاجات الاجتماعية، وهو ما يفسر بجلاء سعي الإنسان الحثيث إلى تحقيق مكانة اجتماعية بين الناس، والبحث عن حياة استثنائية.

هوس الحياة الاستثنائية والمختلفة ليس وليد اليوم

الرغبة المستمرة من جانبنا في عيش حياة مختلفة، والمحاولة الدائبة لتغيير المجتمع للأفضل، وتخليف أثر يظل من بعد رحيلنا ليس وليد الساعة؛ فقد تكلم أرسطو عن غايات الاجتماع الإنساني، وذكر أنها الحياة والحياة الجيدة، ورأى أرسطو أن الوجود الثاني هو الوجود الإنساني الممتلئ، فالعبيد والحيوانات وحدهم هم من يهتمون حصريًا بالحياة، أما حياة البشر الصحيحة فهي الحياة التي تُبنى على سلسلة من النشاطات مثل: الامتياز الأخلاقي، والتداول في المصلحة العامة، والتأمل في نظام الأشياء، وممارسة السياسة عن طريق صياغة القوانين وتطبيقها.

وفي أوائل العصور الحديثة، عادت تلك الفكرة لتطفو على السطح مرة أخرى؛ ففي أوروبا كانت حياة المواطن يجب أن تكون أرستقراطية، تحكمها أخلاق الكفاح الكبير، والكرامة، والشرف، والإحساس المفرط بالذات، وقد ظهر مع مفهوم الحياة الاستثنائية مفهوم آخر، وظل ملازمًا له فترة طويلة، وهو «التراتبية» أو الطبقية؛ فقد كان المحارب أو الحاكم هو صاحب الشرف والمجد، الذي لا يُقارن بحياة الناس العادية.

جاءت الثورة العلمية لتهدم التفكير التأملي من أساسه؛ فمحاولة فهم العالم عبر المفاهيم المجردة، والنظام الأخلاقي، والتفكير التأملي هو محض عبث وتضليل، أما العلم فهو محاول جريئة لاكتشاف نظام الأشياء؛ فحسب الفيلسوف الإنجليزي «فرانسيس بيكون» العلم ليس نشاطًا مستعليًا وعلى الحياة العادية أن تخدمه – كالتفكير التأملي- بل العكس هو الصحيح، على العلم أن ينفع الحياة العادية، بمعنى أن كليهما في المستوى نفسه، ليس للعلم ترفع على الحياة العادية.

نحن نريد أن نجعل جميع الأشياء ملائمة لسخافتنا، وليس كما تلائم الحكمة الإلهية، ليس كما هي موجودة في الطبيعة، فنحن نفرض خاتم صورتنا على المخلوقات وعلى أعمال الله* فرنسيس بيكون

ولأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بصور مختلفة، جاءت الرأسمالية لتسوق من جديد لمفهوم الحياة الاستثنائية، ولكن أسس تلك الحياة ليس المجد، والشرف، والتفكير التأملي، وإنما الشهرة وجني المزيد والمزيد من المال؛ فأغلب الشباب اليوم يحلمون بإنشاء شركات عالمية ناجحة، أو ربما يحلمون بالسير على خطى مارك زوكربيرج، ذلك الفتى اليانع الذي حقق أحلامه، وجنى ثروة هائلة، وعمره لم يتخط الثلاثين.

الحياة الاستثنائية «محض هراء»

بداية يجب التفريق بين البحث عن معنى للحياة، أو البحث عن الشهرة والرغبة المفرطة في التميز والظهور؛ فالأشخاص الذين يرغبون دومًا في أن يكون أطفالهم موهوبين مواهب فريدة، أو أن يكون أصدقاؤهم أكثر ذكاء، أو أكثر جمالًا، أو أكثر جرأة، أو أكثر نجاحًا، والذين ينظرون إلى الأشخاص الذين لا ينتمون إلى الفئات السابقة بازدراء كونهم على حد وصفهم «عاديين»، عادة ما يخضعون لتصور نخبوي واستعلائي ومضلل عن الواقع المُعاش.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فعادة ما يشعر الأشخاص غير الخاضعين للتصنيف السابق بعدم الأمان، وبأنهم غير مرغوبين، أو غير محبوبين؛ ولذا عليهم اللهاث وراء سراب الحياة الاستثنائية، حتى يقبلوا في النظام الاجتماعي الصارم، الذي تمليه عليه الأفكار السائدة التي لم نشارك حتى في وضعها، والضغوط المجتمعية.

مفردة «عادي» في معجم اللغة العربية المعاصرة هي اسم منسوب إلى عادة ويُقصد بها: بسيط، أو مألوف، أو معهود، وعيش حياة عادية بالمعنى الاصطلاحي لا يعني انعدام القيمة أو المعنى، ففي النهاية لا يجب أن تحدد لنا قواعد المجتمع المسار الصحيح الذي يجب علينا انتهاجه، ولكن المهم هو أن نكون راضين عن تلك الحياة وصورتها النهائية بحرية واستقلال، دون انصياع لأي أفكار سائدة.

Embed from Getty Images

روتين الحياة اليومية- المصدر

الحياة التي تحمل معنى عادة لا تحمل صخبًا مدويًّا، تحمل فقط أثرًا عميقًا داخلنا وداخل المحيطين بنا، ولهذا فإن الذين يعيشون حياتهم عيشًا عاديًّا يحظون بسلام نفسي، على عكس أولئك الباحثين عن الحياة الاستثنائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما يسببه ذلك البحث من مشاكل نفسية، تتجسد في تزكية مشاعر النرجسية، والتفكير باستمرار في الأشخاص الآخرين الذين يعيشون حياة أسعد من تلك التي نعيشها.

انظر حولك.. هناك حياة لا تتخيل وجودها

ما معنى الوقوف للفرجة على مكان اعتدت العبور عليه أكثر من 20 سنة. * إبراهيم عبد المجيد

حديقة صغيرة وسط ميدان مزدحم مكتظ بالمارة والسيارات، من فرط عاديتها لا تتخيل أنها موجودة من الأساس، فعطفًا على قصر سورها وأشجارها، فإنها أيضًا تكاد تكون خالية من الزوار، وعلى الرغم من وقوع الحديقة في قلب الميدان فإن المارة لم يفكروا يومًا في ارتيادها.

كانت تلك الحديقة هي المكان الرئيسي الذي اختاره الكاتب المصري الكبير«إبراهيم عبد المجيد» لتدور فيه غالبية أحداث رواية«عتبات البهجة»، وتقع تلك الحديقة على مقربة من موقف سيارات الميكروباص وقسم الشرطة، وتحتوي على عدد قليل من المقاعد؛ 10 تقريبًا، ولم يكن بداخل الحديقة أشجار ملحوظة، فقط مساحة صغيرة من النجيل.

بداخل تلك الحديقة كان هناك كل من؛ حسن، وأحمد، وبائعة الشاي، وابنتها سعدية، وبائعة الحلوى، أبطال العمل الذين أدخلهم عبد المجيد إلى الحديقة وكونوا معًا عالمًا صغيرًا يجمعهم، وتفاعلوا فيما بينهم، وبعد المضي قدمًا في قراءة صفحات العمل، نجد أن هؤلاء جميعًا لا تجمعهم فقط الحديقة، ولكن تجمعهم العتبة؛ عتبة البهجة.

على العتبة الكل خارج التصنيف

العتبة اصطلاحًا تعني الوقوف بين عالمين مع عدم الانتماء إلى أي منهما انتماء كاملًا، يتأرجح القابعون عليها بين الحزن والفرحة، فلا هم تعساء ولا هم سعداء، فقط يقفون على عتبات البهجة، فهناك نجد البطلين الأساسيين؛ حسن وأحمد الموظفين بأحد الأماكن الحكومية، والمنقطعين عن العمل دون إبداء أي أسباب.

أما أحمد، فعلى الرغم من أنه يعيش في القاهرة، فإنه من مواليد مدينة الإسكندرية التي يتوق كثيرًا إلى العودة إليها بعد وفاة زوجته، ولكنه لا يتخذ هذا القرار أبدًا، فقد تخطى عمره الستين، ولا يمكنه ترك أولاده والعودة إلى الإسكندرية، وما يساعد أحمد حقًا على تجاوز مشكلاته، هو أن له عشيقة يقابلها في شقته السرية تُدعى دنيا.

أما حسن رفيق درب أحمد؛ فهو يحاول دومًا مساعدته في العلاج من مرض القلب وتخطي وفاة زوجته، حسن لديه هوس بالإنترنت والطب البديل، ويملك قناعة كبيرة بأن العلاج بالأعشاب هو العلاج المستقبلي الأوحد، بعيدًا عن أروقة المستشفيات الكئيبة، حسن يملك أيضًا طاقة شعرية في الحكي تجعله قادرًا على سرد الحكايات الممتعة دون كلل أو ملل، ويحلم دومًا بامتلاك كلب يكون له صديقًا وفيًا في أيامه الأخيرة.

بائعة الشاي وابنتها سعيدة، وبائعة الحلوى، هما أناس بسطاء يعيشون كل يوم كبداية جديدة لحياتهم؛ سعيدة ابنة بائعة الشاي المطلقة، التي تزوجت في عمر الثالثة عشر، ولديها طفل صغير، تأتي إلى الحديقة كل يوم لتساعد والدتها، وتلعب مع طفلها الصغير، ليحتار القارئ من منهما الأم ومن الطفل؛ سعيدة تتعرض يوميًا لمضايقات من سائقي الميكروباصات بسبب جمالها الآخاذ، ولكنها تعرف جيدًا كيفية التعامل مع تلك المضايقات.

بائعة الحلوى هي طفلة أيضًا، تتعرض للتحرش والكثير جدًّا من المضايقات من قبل أمين الشرطة الذي يفرض عليها إتاوة يومية، كما تتعرض البائعة أيضًا للضرب من زوجها، ولكن في إحدى المرات تتجرأ بائعة الحلوى الصغيرة، وتضرب زوجها أمام الجميع.

حذار أن تتعثر في العتبة

لقد تعقدت المشكلة، وأصبح إصلاح هذه البلاد ضربًا من المُحال، لأنك لو غيرت النظام تحتاج إلى عشرات السنين لضبط إيقاع الناس، أن يكونوا طبيعيين ليكون المكان طبيعيًّا، أسوياء ليكون المكان سويًّا* إبراهيم عبد المجيد

وفقًا لكاتب الرواية، فالسياق الاجتماعي المصري يقضي بحتمية عدم الدخول إلى منطقة الفرح في تلك المرحلة، ولذا على أبطال الرواية أن يحاولوا بشدة عدم التعثر في العتبة والولوج إلى منطقة الحزن، عليهم التمسك بعتبات البهجة، ولكي يظلوا هناك؛ فقد تعثروا كثيرًا وقابلوا مواقف عصيبة، كانت كل يوم تدفعهم بعيدًا عن العتبة، ولكنهم تمسكوا بها، ربما الوحيد الذي خانته قوته هو بائع الورد، الذي استطاعت قوات الشرطة القبض عليه بسبب بيعه للورد في الشارع، وليس غريبًا أن الكاتب لم يجعله يدخل الحديقة لربما كان احتمى قليلًا بالعتبة.

خارج الحديقة توجد أيضًا دُنيا، عشيقة أحمد التي جسدت السعادة في أول الرواية، ثم سرعان ما انهارت إلى غياهب الحزن وقررت الانتحار؛ بسبب خيانة أحمد لها مع صديقتها فادية المتزوجة من رجل شاذ وترفض الطلاق بسبب خوفها من المجتمع، الذي ينظر إلى المطلقة نظرة شائنة، وعلى الرغم من المستوى الاجتماعي المرموق لفادية، ومستواها التعليمي، فإنها عجزت عن تقرير مصير حياتها، في الوقت الذي استطاعت فيه سعيدة ابنة بائعة الشاي أن تفعل ذلك، ولهذا بقيت سعيدة على العتبة.

الوقوف على عتبات البهجة دائمًا أفضل من البهجة نفسها، البهجة أمر سهل، لكن إذا طمعت فيها قتلتك وأهلكتك. * إبراهيم عبد المجيد

الوقوف على عتبات البهجة يعني الاحتفاء بعادية الحياة، والتعامل معها كمعجزة تتكرر يوميًّا، عندما تحدث الكتاب إبراهيم عبد المجيد عن حديقة الميدان كان يعني التدقيق في تفاصيل حياتنا اليومية والعادية، وعندما اختار أبطاله لم يختر أبطالًا خارقين، ولا أشخاصًا لديهم أحلام بتغيير العالم – وهذا طريق لا يمكن أبدًا التقليل من شأنه ولا أهميته- وإنما اختار شخوصًا من نوع مختلف؛ بطولتهم تختبئ تحت عاديتهم.

وعاديتهم لا تعني أنهم لا حياة لهم، وإنما على العكس هؤلاء الأبطال يصارعون الحياة يوميًّا، ولكن بهدوء ودون صخب؛ أحمد يصارع مرض القلب وضيق الشرايين الذي يداهمه، وحسن يصارع النسيان والزمن الذي يحاول تجاوزه، ويأبى حسن أن يتم هذا التجاوز، سعيدة تصارع محاولات السائقين اليومية للتحرش بها، وبائعة الحلوى تصارع أمين الشرطة الذي ينهب من قوتها اليومي.

الوقوف على عتبات البهجة يعني قبول التأرجح اليومي الذي يجابهنا بين الحزن والفرح، بين الانتصار والانكسار، وبين الهزيمة والعزيمة.