في منطقة وسط البلد بالقاهرة، وتحديدًا في أحد الشوارع المتفرعة من شارع شبرا، يقف سائق تاكسي مضطرًا تحت إجبار شخص يشير له بالقوة أن يتوقف، كان الوقت يشير إلي العاشرة صباحًا، يقف السائق ليجد شابًا عشرينيًا نحيلًا، في وجهه آثار جروح غائرة، كان يستقل دراجته البخارية، ليقف بها عرضًا سادًا الطريق على السائق حتى لا يستطيع التحرك، ينزل سائق التاكسي الثلاثيني ليرى ما الأمر، ليجد الشاب، الذي يتحدث بطريقة تبدو مختلة وغير طبيعية، يتهمه بأنه قد كسر له هاتفه النقال، وأنه قد وقع من جيبه أثناء سيره، وأن التاكسي قد صدمه كاسرًا للشاشة.

يقول الشاب للسائق إنه الآن مجبر أن يدفع له ثمن الهاتف، لم يتصاعد الأمر من مناقشة لشجار، بل بدأ الأمر شجارًا، يتوعد فيه الشاب السائق بأنه لن يخرج من هذا الشارع سليمًا إن لم يدفع له ثمن الهاتف الذي لم يمر أسبوع على شرائه له بحسب قوله، ويمنع الشاب السائق من الحركة ويتصل بآخرين، ليجد السائق نفسه محاطًا بمجموعة من نفس عينة الشاب الذي كان يحاول إقناعه منذ دقائق أنه لم يصدم هاتفه، يُدرك السائق أن الأمر لا يحتاج إقناعهم بشيء، وأنه قد وقع هذا الصباح وسط مجموعة من البلطجية، ولن يخرج من بينهم سالمًا، إلا إذا دفع لهم أي مبلغ مالي.

نصف مليون بلطجي «شبيح»

فى الخامس من مايو (أيار) لعام 2015، رصد تقرير للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، ارتفاع معدلات الجريمة فى مصر بدرجة كبيرة، خاصة جرائم القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات وحوادث الاغتصاب والتحرش، فيما تصاعدت حوادث الجنايات بصفة عامة فى عدد كبير من المحافظات، وكشف التقرير عن وجود أكثر من 500 ألف بلطجى ومسجل خطر في محافظات مصر، يرتكبون كل أنواع الجرائم بمقابل مادي.

وأشار التقرير إلى أن هناك ما يقرب من 4 آلاف قضية موجودة داخل أدراج القضاء، من بعض الأهالى ضد شخصيات معروف عنها الإجرام، كما أن هناك نسبة مماثلة ترفض التقدم ببلاغات خوفًا من بطشهم.

كل ذلك تؤكده تصريحات صحافية للمستشار محمد عبد العزيز الجندى، وزير العدل –مارس (آذار) 2011 – حين قال: إن هناك حوالي نصف مليون بلطجي محترف في مصر، يتم تأجيرهم لليوم الواحد بـ5000 جنيه، على حد قوله، مما يعني أن كلفة استئجارهم تتجاوز ملايين الجنيهات شهريًا.

حاول السائق – الذي بدأنا عنه حديثنا- الاستنجاد بالمارة في الشارع، لكن لا أحد استطاع أن يفعل له أي شيء في ظل أن صوت البلطجية كان هو الأعلى، مصورين للجميع أنهم هم أصحاب الحق، فيئس المارة منصرفين تاركين السائق لمصيره معهم، الذي لم يُنقذ بدوره إلا بعد دفع خمسمائة جنيه لهم.

«لم أستطع مجاراتهم لا في الكلام ولا في علو صوتهم، طلبت منهم أن نذهب إلى أقرب قسم شرطة لمعرفة من المخطئ، لكنهم رفضوا، ورفضوا أن يجعلوني أتحرك، وظللنا في شجار متواصل لأكثر من ساعتين كاد يصل إلى حد تطاول أياديهم، ولا أحد من المارة يقدر أن يغلبهم، لذلك رضخت لهم في نهاية الأمر، وعدّت إلي بيتي ولم أكمل عمل هذا اليوم». هكذا يصف طارق الموقف الذي مرّ به، وطارق هو شاب ثلاثيني، تخرج من كلية التجارة جامعة عين شمس، وبإمكانات التعليم الجامعي المحدودة التي نالها، وضعف الفرص في سوق العمل لم يجد عملًا سوى أن يكون سائقًا علي هذا التاكسي الذي يمتلكه أحد أقاربه نظير مقابل يومي.

خدمة الوصول«للشبيحة»أون لاين

«متوفر بلطجي ليرد لك حقوقك كاملة» تحت هذا الشعار انطلقت صفحة«السراج لأعمال البلطجة واستخلاص الحقوق» على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

الصفحة لا تستطيع أن تقيم من المشاركات المنشورة عليها ما إذا كانت هزلية أم أن البلطجية قد أسسوا لهم صفحة لتسهيل عملياتهم فعلًا، فعلى الصفحة التي وصل عدد المشاركين بها لحظة زيارتنا لها إلى نحو 24 ألف و690 عضوًا، توجد مشاركة تقول: «رسائل كتير من المتابعين علشان الاسعار التفصيلية. احنا دلوقتى مش هنقدر نلبى كل الطلبات علشان عدد البلطجية اللى معانا مش كافى، فياريت أي حد يعرف بلطجى يكلمنا على الخاص، بس يُشترط بلطجى خبره سرقه وتكسير».

مشاركة أخرى على الصفحة نفسها تقول «جالنا طلب من أحد المتابعين لاستخلاص حقه من أحد جيرانه، وبعد معاينه مكان العملية وجدنا أن أجهزة الداخلية لديها علم، مما استدعى انسحاب البلطجية فورًا من مكان العملية، منعًا لوقوع اشتباكات بيننا وبين الشرطة. فنداء أخير مننا لأي واحد بيحاول أن يتربص برجالتنا. إياك ثم إياك».

مشاركة أخرى على الصفحة كانت تحمل تسعيرة البلطجة التي تعتمدها الصفحة كالآتي: ضرب وطرد من المنطقة: 1000 جنيه، ضرب وتكسير السيارة: 1500 جنيه، تهزيق وتكسير السيارة: 1000 جنيه، تهزيق فقط 500 جنيه.

قرية النزل.. شرعية السرقة بالبلطجة

هاهنا منطقة المنشية بقرية النُزُل، إحدى القرى القريبة من مركز إدفو بمحافظة أسوان، يعرف الجميع أن هذه المنطقة هي مقرًا للصوص الدراجات البخارية، يقوم أحدهم بركن دراجته البخارية في مكان ما، ليأتي لص متخصص يقوم بسرقة الدراجة والسير بها والذهاب بها إلي هذا المقر، يعرف كثيرون من الذين تمت سرقتهم هذا الأمر، ويلجأون لقسم الشرطة عادًة بلا فائدة.

وبالرغم من معرفة الجميع للمقر النهائي للمسروقات، إلا أنه لا أحد يستطيع التعامل في هذا الأمر. سمير، وليس هذا اسمه الحقيقي، حاول الذهاب أكثر من مرة في محاولة الحصول علي دراجته البخارية التي تمت سرقتها، كان في كل مرة يود الذهاب فيها، يصطحب أحدهم كحراسة، وشخص آخر يكون كواسطة بينه وبين سكان المنشية، ويذهب إلى كبيرهم (ع.أ) محاولًا إقناعه أن يرد له دراجته التي يوقن أنها لديهم، فيعده بالمساعدة، لكنه بعد أيام يرد قائلًا بأن مواصفات الدراجة لم تأت إليهم، طالبًا أن يفقد الباحث الأمل، لأن السارق قطعًا قد فكك دراجته وباعها، فلا أمل في البحث.

يشبه الأمر الفيلم السينمائي المصري «الأولة في الغرام» إنتاج عام 2007، وبطولة هاني سلامة ومنة شلبي، حينما هرب البطل ليختبئ وسط قرية من اللصوص لهم كبير مطاع، والذي أدي دوره في الفيلم الفنان الراحل أحمد راتب.

في المنشية، حاول أحد المسروقين مرة أن يدخل إلى المكان دون واسطة معرفة، ليجتمع حوله مجموعة كبيرة من اللصوص وينهالون عليه بالسباب وتصرخ النساء، معلنين أن هذا الغريب قد أتى للإعتداء عليهن واتهام رجالهم بما ليس فيهم، ولا أحد يستطيع التغلب عليهم بسبب مقدرتهم علي فرض سطوتهم بالبلطجة.

البلطجية يطبقون الشريعة!

على صفحته علي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قام الصحافي المصري سامي عبد الراضي بمشاركة منشور كتب فيه: «شاب في الشرابية اسمه احمد.. أيوه سيادتك اتهموه أنه سرق موبايل .. قوم إيه .. طلعت السيوف والسنج والشوم .. وبدأت المعركة .. و٤ من عيلة (الهوك) خد بالك مِن الاسم .. يقيموا الحد على الشاب في الشارع .. بعد ما حطوا أيده على الأرض .. ورجعوا لـ(فجر الإسلام) وقطعوا كف اليد .. الغريب أن غالبية العائلتين مسجلو خطر.. وملهمش في الدين خالص».

تأتي التعليقات علي منشور عبد الراضي شارحة أكثر لبعض التفاصيل المتعلقة بالحدث، فيقول هشام الحلواني أحد المعلقين: «أكبر عائلة في الشرابية كلهم مسجلين وبتوع مخدرات، سنة 1997 واحد منهم سرق تاكسي، وفضل صاحب التاكسي يحاول معاهم بس قطعوا ردوا عليه بالسيوف وانتقل الرائد رأفت الحلوانى والنقيب محمد الجمال وجابوه من أهله في الشرابية بصعوبة ومقاومة رهيية، واتقبض عليه وقل أدبه على الضباط والأفراد».

أما حسن سمير- محرر صحافي – فيقول: «4 اشخاص من عائلة الهوك هما السبب.. أنا كلمت شقيقة المجني عليه وتدعى أمنية طارق، قالت لي إنهم كمان تعدوا على والده بالضرب والشتيمة، مش كفاهم إنهم قطعوا إيد الشاب ده، وهو حاليًا بين الحياة والموت في العناية المركزة».

أما خالد فراج – أحد المعلقين- فيحلل مسؤولية الدولة في التعامل مع منظومة البلطجة بكاملها قائلًأ: «الشعب محتاج يتعلم من جديد، دى بلطجة وجهل، واللى بيتمسك من الناس دى بياخذ شهر أو شهرين حبس، ومحامى (سبوبة) يطلعه براءة، ثم يعودوا لسيرتهم الأولي مرة أخري، لو اتطبق القصاص على الجناه ممكن يجيب نتيجة».

الرأي الذي قرره فراج هو نفس الرأي الذي تبناه الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، قائلًا إن قيام الأهالي بقطع يد متهم بالسرقة هو خروج على القانون، وأوضح كريمة أن من قام بتطبيق حد من تلقاء نفسه فهو متعد على ولي الأمر (الحاكم) وعلى سلطاته ويستحقون العقاب بمثل ما فعلوا «جزاءً وفاقًا» كما قال القرآن الكريم، وكان ينبغي عدم إيذاء المتهم والاكتفاء بتسليمه للشرطة لتتخذ إجراءاتها وتتم مقاضاته وما فعلوه جريمة بكل المقاييس لابد من محاسبتهم عليها.

استقواء «الشبيحة» بالأمن

في مركز إدفو أيضًا بمحافظة أسوان يقع عياد، الرجل الستيني – صاحب محل لبيع المشغولات الذهبية – فريسة لإحدي دوائر البلطجية، حيث يمتلك عياد عقارًا يمتلك كل الأوراق الرسمية التي تؤيد ملكيته له، إلا إنه يقع تحت سطوة مجموعة من البلطجية، الذين لهم سند أمني، أي معارف في الأمن المصري، بحسب عياد.

يقول المقدم محمود محمد عبد النبي ـ الضابط بمديرية أمن المنيا وعضو أمانة مجلس ائتلاف «ضباط لكن شرفاء» في بعض تصريحاته الصحفية عن علاقة الداخلية بالبلطجية، أن الشرطة وتحديدًا رجال المباحث وأمن الدولة كانوا يسيطرون علي البلطجية لأنهم في الأساس «مسجلو خطر» ففي مصر ما بين 3 ملايين و4 ملايين مسجل خطر، ومن هؤلاء اختار رجال المباحث وأمن الدولة البلطجية، وهم يختارون من لا يوجد في وجهه أيه علامات مميزة تدل علي أنهم مسجلو خطر، أي لا توجد إيه آثار لجروح في وجوههم أو أيديهم وأيضًا من يتمتعون بحسن المظهر، ويكونون تقريبًا بلا مصدر رزق، ويحملون قلوبًا لا تخشى الموت، وتقريبًا كان كل ضابط مباحث يستعين بـ20 بلطجيًا علي الأقل، بحسبه.

قام البلطجية – وفقًا لعياد – بوضع يدهم على العقار، الذي لم ينتفع عياد بكل الأوراق التي بحوزته والتي تثبت ملكيته له، لجأ عياد إلي الشرطة والقضاء بلا فائدة، فالبلطجية «المسنودين» على حد وصفه، لا يفلح معهم أي شيء، ووصل الأمر إلى أنهم اتهموا ابنه الذي يمتلك محل لبيع المشغولات الذهبية آخر بخلاف محل والده، أنه سرق بعض المشغولات الذهبية وأخفاها في مخزنه؛ مما تسبب في إلقاء القبض عليه ثم إخراجه بعدما تبين كذب إدعائهم.

يقول عياد: «ماذا يمكن أن أفعل إذا كان القانون لا يحميني ويحمي أملاكي التي أملك سنداتها وإثباتات ملكيتها؟! فكرت أن أدخل في إضراب شامل عن الطعام أمام مبني محافظة أسوان، لكنني أعرف تمامًا أن من يضرب عن الطعام في هذه البلد طالبًا لحقه قد يموت ولن يحصل على حقه، لماذا يساند الأمن البلطجية ويجعل لهم كل تلك السطوة علينا؟»

البلطجية الذين استولوا علي عقار عياد يلجأون لكبار بلدتهم معلنين أن هذا المسيحي يثير القلق والضغائن – بحسب عياد- لكن المسلمين من جيرانه ومعارفه ينصرونه شاهدين بحسن سيرته.

يقول المقدم عبد النبي أن عدد البلطجية في مصر يتجاوز 100 ألف بلطجي، وفي القاهرة والجيزة يوجد ما بين 20 ألفًا و25 ألف بلطجي، أغلبهم يعيشون في عين شمس والسلام والأميرية والخليفة والبساتين والدرب الأحمر وبولاق الدكرور وكرداسة، وكانت الشرطة تسمح للبلطجية التابعين لهم بالإتجار في المخدرات، وفرض إتاوات علي بعض الناس، كي يعيشوا في مستوي اجتماعي متوسط، بحسبه.

وعن شكل حياة البلطجية يقول عبد النبي في حواراته الصحافية: في الغالب يشكل البلطجية عصابات، وهناك 10 رجال يتحكمون في كل البلطجية بالقاهرة والجيزة، وأن هؤلاء الزعماء لديهم كل أنواع الأسلحة، وينعمون بثراء فاحش بعدما سمحت لهم الشرطة بإمتلاك محلات وكافتيريات وبازارات وملاهي ليلية صغيرة وكباريهات، بحسبه.

علاقة البلطجية بالسلطة منذ عصر الخلافة الإسلامية

تاريخيًا كانت للفتونة أهمية خاصة في الخلافة الإسلامية خاصة في العصر العباسي، فوفقًا لبحث حول نظام الفتوة في عهد الخليفة الناصر لدين الله (575 ـ 622هـ) كعنوان فرعي لبحث «صناعة الأجيال في الحضارة الإسلامية»، للدكتور صالح محمد زكي اللهيبي، رئيس قسم البحوث والدراسات بمركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية في الشارقة، يقول اللهيبي أن مؤسسة «الفتوة» لها أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي، وفي تاريخ الدولة العباسية بصورة خاصة، وتحديدًا عصر الخليفة العباسي الناصر لدين الله، بعد أن وجد هذا الخليفة أن الدولة تستجيب للأحوال المضطربة داخلها وتلك المحيطة بها، فرأى أن يعيد للخلافة هيبتها وقوتها عن طريق إحياء مؤسسة الفتوة.

يضيف اللهيبي: «الفتوة منذ نشوئها ظلت نظامًا شعبيًا عامًا، له مبادئ نشأت طبيعيًا في المجتمع المسلم، وانطبع عليها الإنسان في هذا المجتمع، وحاولت الجماعات التي انضمت إلى هذا النظام أن تسن لها تقاليد تنظيمية ذات طابع موحد، واستمر نظام الفتوة هكذا غير ذي صلة رسمية، ولم يقع تحت تأثير أرباب الحكم حتى جاء الخليفة العباسي الناصر لدين الله الذي تبنى الفتوة فجعلها تحظى باهتمام رسمي».

وهو ما يمكن تمثيله في العصر الحديث بما حدث في الثاني من فبراير (شباط) 2011، وتحديدًا في يوم «موقعة الجمل»، حيث تجلت تجربة استخدام البلطجية، بعدما تطورت من (فتونة) إلى (بلطجة)، وبلغت ذروتها حينما استدعي بعض فلول نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذى كان يوشك على السقوط وقتها، البلطجية لإخلاء ميدان التحرير ممن فيه من المتظاهرين، في محاولة للسيطرة بعد سقوط جهاز الشرطة في 28 يناير (كانون الثاني) من عام 2011، أو ما يعرف بجمعة الغضب، وعقب الهجوم باﻷسلحة البيضاء على المعتصمين في ميدان التحرير، صرح المتحدث باسم وزارة الصحة، عبد الرحمن شاهين، أنّ 350 مصابًا نقلوا للمستشفيات جراء الاشتباكات التي وقعت بين متظاهرين مؤيدين لمبارك وآخرين معارضين.

وفي مقابلة لموقع العربية مع أحد كبار البلطجية بمنطقة بولاق أبو العلا بوسط القاهرة القريبة من ميدان التحرير وماسبيرو، والتي اتهم أهلها بالتورط في موقعة الجمل، يقول (م.س) بأنه تلقى بالفعل طلبات من عدد من رموز الحزب الوطني المنحل بمحاولة فض الثوار بشتى الطرق نظير مبالغ مالية تعادل المبلغ الذي تحدث عنه وزير العدل.

وأضاف: «عادًة ما يُطلب منا تنفيذ مشاجرة أو اعتداء لصالح جهة تعادي جهة أخرى، ولأننا بلا مورد رزق، ومسؤولون عن مئات الأسر التي يقبع معظم عائليها في السجون، ننفذ ما هو مطلوب منا، ونحصل عادة على نصف المبلغ المتفق عليه في البداية، والنصف الثاني بعد إتمام المهمة».

واستطرد «لا توجّهنا جهات تنتمي إلى النظام السابق فقط، بل أحيانا يطلب منا أشخاص متضررون ذلك، كما حدث في واقعة الشجار مع الأقباط الذين كانوا يعتصمون أمام ماسبيرو لتضرر أصحاب المحلات في منطقة الوكالة وبولاق أبو العلا، لذلك لجأوا إلينا لفض هذا الاعتصام حتى تعود الحياة إلى محلاتهم».

تقرير حول البلطجة النسائية

لا تخلو الاشتباكات الشهيرة للبلطجية من الوجوه النسائية، فعلي غرار فيلم «خالتي فرنسا» بطولة عبلة كامل ومني زكي، كان هناك الكثير من النساء اللاتي امتهن مهنة البلطجة لكسب الرزق، ففي عزبة أبو حشيش الكائنة بجوار منطقة العباسية ويختص ساكنها من البلطجية، الذين تخطي عددهم المئات ويكثر بها البلطجية من العنصر النسائي، في تجارة المخدرات.

تطور الفتونة وتحولها إلى بلطجة

ربما يعود تاريخ البلطجة في مصر إلي عصر الفتوات، حيث قدمت السير الشعبية الفتوة أحيانًا كنموذج للحاكم الفرد المستبد العادل، الذي يسعى لتطبيق قانون القوة والحق حسب معادلاته الخاصة، وبما يتوافق مع طبيعة أهل الحارة التي يحكمها. فهو حاكم شعبي سواء اختاره الناس أو فرض نفسه بالقوة على الناس، ولكي يستمر في موقعه، عليه أن يضيف إلى قوته ما يجعل الناس تحبه كأن ينصر الفقراء ويقيم العدل ويلعب دور الحكيم ويرتب الحياة في الحارة التي يحكمها بحيث يظل الجميع قانعين به ومدينين لحمايته، وهو مقابل كل هذا يأخذ الإتاوة – مبلغ من المال – نظير خدماته ومقابل الحماية والأمان، وقدم الأدب والسينما المصرية الكثير من الأعمال التي ترصد حياة الفتوات، فكان: (الفتوة)، و(الشيطان يعظ)، و(التوت والنبوت)، هى أسماء لبعض الأفلام والقصص والراويات القديمة عن الفتوة والفتونة ودورهم فى حماية الحارة أو المنطقة التى يتبعون لها.

وفي الثلاثين سنة الأخيرة من عصر المماليك بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، لم تعد هناك دولة، وظهرت تشكيلات عصابية كبيرة تضم ما بين 300 أو 400 رجل ينهبون الأسواق، فبدأ الفتوات يكونون فرق للدفاع عن أحيائهم بالإضافة للدور المنوط بهم من البداية، وكان إغلاق البوابات في المساء وإنارة المصابيح والتفتيش عن الأغراب، وشيئًا فشيئًا أصبح لكل حي أو مدينة في القاهرة والإسكندرية – وهي أكبر المحافظات وقتها – فتوة أو فتوات يقومون على حماية الأهالي.

مع بداية الاحتلال الإنجليزي، ترك المحتل الفتوات في حالهم، حتى بدأ الإنجليز في بناء البوليس في مصر، فبدأ النزاع بين الجانبين، وكلما قوى البوليس ضعف أمر الفتوات حتى ثورة 1919 بعدها انضم العديد من الفتوات إلى حزب الوفد. حتى جاءت ثورة 1952 وضبطت الأحوال الأمنية للشوارع فانتهى عصر الفتوات، ولاحقًا ارتبط اسم الفتوة بأعمال البلطجة، بعدما لم يعد هناك حاجة لخدماتهم الأمنية، فبدأ الفتوات في الحصول على إتاوات مقابل تجنب بطشهم وليس مقابل الحماية كما كانت قديمًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد