دخلت إثيوبيا من جديد دوامة العنف السياسي بعد سقوط مئات القتلى إثر احتجاجات واسعة شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة بعد فترة هدوء حذر الشهور القليلة، وتظاهر آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي بسكون الأوضاع، والسيطرة على دعاة العنف الذين يحشدون لاقتتال أهلي، وتعهده بمحاسبة المتورطين.

غير أن تجدد الاحتجاجات من جانب المنتمين لقومية الأورومو ضد آبي أحمد المنتسب للقومية ذاتها، ومواجهة قوات الجيش والشرطة لهذه الاضطرابات بالرصاص الحي،  وتصاعد الخلافات بين الحاصل على نوبل للسلام والحزب الحاكم في إقليم تيجراي، أعاد من جديد البلد الأفريقي لواجهة الأحداث، وسط تخوف من تطور الخلاف إلى مواجهة عسكرية وحرب أهلية تهدد بتفكك ثاني أكبر دولة أفريقية من ناحية حجم السكان.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى أسباب الخلافات التي جدت وتكاد تدفع البلاد لحرب أهلية، وما احتمالات تنفيذ إقليم تيجراي تهديده بالانفصال عن الدولة بوصفه ورقة ضغط يلوح بها ضد رئيس الوزراء الإثيوبي.

ما الذي أعاد إثيوبيا لدوامة الاقتتال في الشوارع من جديد؟

أدى استخدام قوات الجيش والشرطة الرصاص الحي ضد المحتجين من المنتمين لقومية الأورومو، وتنفيذ حملات اعتقال موسعة، إلى توسع هذه التظاهرات ووقوع اضطرابات كُبرى، أسفرت عن سقوط المئات من القتلى من الأوروميين، ورفع شعارات تطالب برحيل آبي أحمد من الحُكم، ووصفه «بالديكتاتور الجديد» في  شعاراتهم الاحتجاجية.

أسفرت هذه الاحتجاجات والمواجهات المستمرة عن مقتل 178 شخصًا واحتجاز 9 آلاف آخرين دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، وفُرض منع تجول وأغلق الإنترنت، واندلعت أعمال شغب كان أبرز مظاهرها إحراق العديد من الشركات والمتاجر، أو نهبها بمعظم منطقة الأوروميا.

كما ساهمت إجراءات آبي أحمد في إقالة نحو أكثر من 1700 مسؤول محلي وموظف حكومي منتمين لقومية الأورومو، كان أبرزهم ليما ميجرسا، وزير الدفاع الإثيوبي السابق، والذي لعب دوراً محوريًّا في صعود رئيس الوزراء إلى السلطة، في تعميق الغضب.

وعرقية أورومو، أكبر مجموعة عرقية في البلاد والتي كانت تقود الاحتجاجات المناهضة للحكومة السابقة لآبي أحمد على مدار ثلاث سنوات، بسبب مقتل المئات واعتقال الآلاف من رموزها، وتهميش حقوقهم السياسية والاقتصادية والتي كان أبرزها منعهم من ملكية الأراضي.

سبب آخر وسع من الاضطرابات السياسية التي تلاحق آبي أحمد، هو تهديد الحزب الحاكم في إقليم تيجراي (الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي)، أحد ائتلافات التحالف الحاكم، لآبي أحمد وحكومته الفيدرالية برفض قراره تأجيل الانتخابات النيابية بسبب جائحة كورونا، خصوصًا بعدما مد البرلمان الفيدرالي فترة ولايته لمدة 12 شهرًا آخرين.

وتدافع اللجنة الانتخابية التي تخضع لسلطة الحكومة الفيدرالية التي يقودها آبي أحمد عن قرار تأجيل الانتخابات، معللة بأنه بسبب تفشي فيروس كورونا، وليس لأن رئيس الوزراء يريد التمسك بالسلطة، كما تقول أحزاب المعارضة.

وصعد الحزب الحاكم في تيجراي من سلسلة من الاضطرابات والنزاعات مع آبي أحمد بإعلانه تنظيم انتخابات برلمان الإقليم الخاصة اليوم (الأربعاء)، رغم قرار الحكومة الفيدرالية بتأجيل الانتخابات لمدة عام، في تحدٍ لسلطة آبى أحمد، ويُشكل التيجراي نحو 6.1% من الشعب الاثيوبي وأغلبهم يعيش في شمال البلاد.

سياسة

منذ 4 سنوات
إثيوبيا: كيف تُخططُ دولةٌ فقيرةٌ لتحقيقِ نموٍّ اقتصاديٍّ بمعدلات عالمية؟

ولهذا التحدي من جانب الحزب الحاكم في تيجراي خلفيات تتعلق بمساعي آبى أحمد منذ صعوده للحكم في 2018م، بتجريده من نفوذه السياسي عبر حملة مطاردات واسعة لقياداتها وكوادرها في الجيش والأمن وكُل مواقع السلطة، تحت مزاعم تورطهم في «انتهاكات حقوقية»، وتحت شعار أكبر لحملته التي تقول إنها تسعي من وراء هذه الاعتقالات نحو الإصلاح السياسى ومكافحة الفساد.

أحد أبرز محطات هذا النزاع بين حزب التيجراي الحاكم وحكومة آبي أحمد، رفض الأول الانضمام لحزب رئيس الوزراء الجديد، وهو التنظيم الذي سماه «بالازدهار»، وحاول الترويج له بوصفه تنظيمًا له فروع ومكاتب في كُل الأقاليم يكون بديلاً للائتلاف الحاكم الذي يضُم تسع مناطق عرقية ذات حكم ذاتي.

وتُعد محاولة آبي أحمد تأسيس حزب جديد إحدى محاولاته للتركيز على الوحدة الوطنية، كما يروج دومًا، بما يساعده في تنفيذ خططه لتقويض النظام الفيدرالي الذي يضمن استقلالًا ذاتيًّا كبيرًا للمناطق المحددة عرقيًّا، مثل تيجراي وأوروميا وأمهرا، وهي المحاولات التي تجد معارضة وانقسامًا واسعًا بين الإثيوبيين.

بينما كانت الحلقة قبل الأخيرة لهذه الاضطرابات بين التيجراي وآبي أحمد هي مقتل المغني الإثيوبي شالو هونديسا (34 عامًا)، مطلع يوليو (تموز) العام الجاري، والذي برز بصفته صوتًا سياسيًّا قويًّا لشعب الأورومو، عقب اتهام مسؤولين فيدراليين من حكومة آبي أحمد للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بالتورط في اغتياله ضمن خطة لزعزعة استقرار البلاد، وهو ما ردت عليه الجبهة بأن الحكومة تحاول تقديمها «كبش فداء لسياسات آبي أحمد الفاشلة، والفوضى التي تسببت فيها إدارته».

ومحاولة من جانب آبي أحمد لتأكيد ثبوت اتهام الجبهة بمقتل المغني الشاب، ووسيلة كذلك لاحتواء احتجاجات الأوروميين، اعتقلت حكومته عددًا من قادة جبهة تحرير تيجراي، وأغلقت مكتب قناة «ديمتي وويان» التابعة للجبهة.

وتأكيدًا على عدم الاستسلام أمام تهديدات آبي أحمد في وقف انتخابات التيجراي، والتي تُعد الحلقة الأخيرة من التوتر القائم بينهما، أصدر زعماء المنطقة المُمثل لمجلس ولاية الإقليم تحذيرًا صريحًا لرئيس الوزراء آبي أحمد، بأن وقف هذا الاقتراع قد يؤدي إلى نشوب صراع أهلي.

دولي

منذ شهرين
هل سيتأثر سد النهضة بها؟ 7 أسئلة تشرح لك الاحتجاجات المشتعلة في إثيوبيا

وبحسب ويليام دافيسون، كبير المحللين بمجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة دولية بحثية، فإن التوتر بين الحكومة الفيدرالية، ممُثلة في آبي أحمد، والحكومة الإقليمية، ممُثلة في الحزب الحاكم في تيجراي، يعكس «صراعًا على السلطة بين حكومة آبي والمنتمين للتيجراي»، الذين قادوا قبل سنوات الائتلاف الحاكم في إثيوبيا.

هل يستطيع إقليم التيجراي تنفيذ تهديداته بالانفصال؟

تباينت وسائل التهديد بين إقليم التيجراي وحكومة آبي أحمد حول عزم حكام الإقليم إجراء الانتخابات في موعدها، محذرة من أن أي تهديدات من حكومة آبي أحمد ستكون بمثابة «إعلان حرب»، ملوحين بورقة الانفصال بصفتها دولة انفصالية لها برلمان وحكومة.

في المقابل تظهر حكومة آبي أحمد أنها لن تستخدم العنف ضد إقليم تيجراي، بينما تخرج تسريبات من قادة للجيش موالين له يدفعون نحو العنف وسيلة لتقويض «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي».

من جانبه، يقول عباس محمد صالح، صحافي متخصص في الشأن الأفريقي في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «إن إقليم تيجراي يتمتع، حاليًا، بمقومات دولة حقيقية؛ «فجبهة تحرير تيجراي»، التي تحمل إرثًا طويلًا من الحكم والإدارة تتمتع بعناصر قوة حقيقية تسيطر على الأرض تتغلب فيها على عامل مأزق الجغرافية من خلال حشد الإمكانيات، خاصة الإمكانيات العسكرية المتطورة للصمود، وموارد مالية معتبرة مع نخبة ثرية قادرة على الدفع بسخاء، وشبكة علاقات خارجية قوية مع قدرة على التواصل الدبلوماسي وتعبئة آليات دبلوماسية لصالحها».

ويُضيف صالح بعدًا آخر لنقاط نفوذ حُكام إقليم التيجراي قائلاً: «البيئة الداخلية تدعم حكام التيجراي؛ إذ ترى أن خطاب الجبهة يدافع عن انعقاد الانتخابات من منطق دستورى قوي ومقنع؛ يتركز حول مبادئ الدستور والدفاع عنه وعن  نظام الفيدرالية الإثنية الذي ظلت تحكم به البلد منذ سقوط نظام الديري عام 1991م».

في المقابل، لا تحظى الحكومة الفيدرالية أو آبي أحمد الممثل لها بأوراق قوة حقيقية في النزاع القائم بينها وبين إقليم تيجراي، بحسب صالح، الذي يضيف أن ورقة القوة الظاهرة لدى آبي أحمد في حشد القوي السياسية المختلفة داخل تيجراي ضد جبهة التحرير لم تعد فاعلة، والحصول على دعم هذه القطاعات ضد ائتلافهم الحاكم بات أمرًا بعيدًا.

وبينما يستبعد آبي أحمد رسميًّا إرسال قوات فيدرالية لتعطيل الانتخابات، مروجًا لفكرة أن الحكومة الفيدرالية ليس لديها أي نية أو مصلحة في مهاجمة شعبها، يدفع عدد من العسكريين المؤيدين له، مثل الجنرال السابق بالجيش كاساي تشيميدا، نحو تدخل عسكري فوري في تيجراي.

وسيلة أخرى قد تكون حلًّا لآبي أحمد للضغط على تجراي لوقف الانتخابات، هي اقتراح بعض المسؤولين معه الانتقام من حُكام تيجراي عبر الشروع في إجراءات «عقابية» ضدهم، من خلال حجب المنح المالية، التي تصل إلى نصف ميزانية المنطقة.

دولي

منذ 3 أسابيع
«قرصة أذن».. لماذا قررت أمريكا وقف مساعداتها عن إثيوبيا؟

ويؤكد عباس محمد صالح، أن الانفصال بوصفه خيارًا بات مطروحًا في الإقليم من بعض الدوائر السياسية، التي ترى الإجراءات ضد النظام السابق استهدفت عموم شعب تيجراي في عموم البلاد، وليس المتورطين في تجاوزات، أما القوى السياسية الحاكمة في الإقليم (جبهة تحرير تيجراي) فقد تخلت عن المطالبة بالانفصال منذ عقود، خاصة بعد وصولها للسلطة وتقديمها مشروعًا لبناء الدولة، ترى أنه ما يزال صالحًا وتدافع عنه في إطار البلاد، وليس فقط في الإقليم.

الاتحاد الأفريقي وأمريكا على خط الوساطة.. هل ينجحا؟

حاول بعض الوسطاء من الداخل والخارج التدخل على خط الأزمة لوقف الاضطرابات القائمة والحيلولة دون تطور الأحداث التي قد تنتهي بحرب أهلية، دون أن تظهر نتائج هذه الوساطات على أرض الواقع وتحديدًا في رأب الصدع الذي أصاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده آبي أحمد.

كان أبرز هذه المحاولات في 16 أغسطس (آب)، حين حاول وفد يضم أكثر من 50 قائدًا دينيًّا بارزًا، وشخصيات عامة تخفيف التوتر في تيجراي، غير أن محاولتهم باءت بالفشل في الوساطة بين الجبهتين المتنازعتين.

كما دخلت أطراف خارجية على خط الأزمة وسطاءً بين آبي أحمد وجبهة تحرير تيجراي، كالاتحاد الأفريقي الذي جرت دعوته لحل هذه الأزمة القائمة انطلاقًا من نفوذه الكبير في الداخل الإثيوبي.

وسيط آخر ظهر، هي مجموعة عمل إثيوبية مقرها الولايات المتحدة، حثت واشنطن على لعب دور أكبر في الأزمة المتفاقمة، بينما كتب بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي رسالة لدعوة وزيرة الخارجية الأمريكية إلى تشجيع الحكومة الإثيوبية على الدخول في حوار مفتوح مع المعارضة من أجل انتقال سلمي للسلطة.

ووقع على الرسالة نحو 19 عضوًا إضافيًّا من الحزبين في مجلس النواب الأمريكي، أعربت خلالها عن أسفها للأعمال غير الديمقراطية وأعمال العنف التي اجتاحت إثيوبيا في أعقاب مقتل هاكالو هونديسا، وشددت على بومبيو بضرورة التدخل لحسم الاضطرابات الحالية ووقفها.

وتبدو واشنطن هي الوسيط الأكثر قدرة ونفوذًا في الداخل الإثيوبي على حل هذا النزاع، ووقف الاضطرابات قبل انزلاقها لحرب أهلية، عبر ممارسة ضغوطها السياسية، أو التلويح بورقة المساعدات المالية، التي تقدمها لأديس أبابا سنويًّا، لدفع الجبهات المتنازعة للحوار ووقف النزاع.

فلسفة

منذ سنة واحدة
«الحداثة المستحيلة».. لماذا يظل «حلم الدولة الديمقراطية» بعيد المنال في إثيوبيا ولبنان؟

بينما يختتم عباس محمد صالح، الصحافي المتابع للشأن الإثيوبي، حديثه بالتأكيد على أن الأزمة الحالية إذا تطورت إلى صدام مسلح على أي مستوى كان، ربما ستجر البلاد إلى حرب أهلية ربما «نموذج رواندا».

المصادر

تحميل المزيد