يحصل العراق على معظم مياهه، من نهرَيْ دجلة والفرات اللذين يمثلان للعراقيين شريانا حياةٍ يوفران موردًا ضروريًا للشرب والزراعة وتوليد الكهرباء، وبالتالي يصعب تخيل وجود الحياة بدونهما في هذه البلاد.

بيدَ أن هذين الشريانين اليوم في خطر؛ فقد تراجع تدفق نهر الفرات إلى الربع، وغاض نهر دجلة حتى وطأته الأقدام في عام 2018، وتسممت مياه شط العرب، حيث ملتقى دجلة والفرات، حتى غصّت المستشفيات في الصيف الماضي بـ100 ألف عراقي مصابين بأمراض متعلقة بتلوث المياه، حسبما يرصد تقرير أعده سام إليس في موقع «فوكس».

وبعدما كانت الحضارات الأولى في العراق تنشأ حول «هبة دجلة والفرات»، فإن ملايين العراقيين من الشمال حتّى الأهوار الجنوبية، التي أعيد إحياؤها حديثًا، أصبحوا معرضين للخطر، لدرجة نشوب صراعات بين مختلف القبائل والعشائر بسبب ندرة المياه. 

وحتى حين تهطل الأمطار بغزارة، تجد الحكومة العراقية نفسها في مأزق، وربما صرخت مثلما فعلت في مارس (آذار) الماضي محذرة من أن عدة قرى في سبع محافظات عراقية عرضة للغرق. وفي ظل غياب خطة حكومية متماسكة للسيطرة على الفيضانات المحتملة وتوظيف هذه الثروة المهدرة بزيادة نسبة المساحات المزروعة؛ لا تجد الحكومة سوى تحويل معظم المياه الزائدة التي لا تستطيع تخزينها الى الأهوار الوسطى والغربية.

ومن المضحك حد البكاء أن الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أعقبتها خلال أواخر مارس وأوائل أبريل (نيسان)؛ أسفرت عن تهديد آلاف العائلات بالنزوح، وتعطل إمدادات المياه المأمونة وزيادة خطر الأمراض المنقولة عن طريق المياه؛ مما أثر على نحو 273 ألف شخص في العديد من المحافظات الوسطى والجنوبية، حسب تقارير «الأمم المتحدة».

الحزن يُوحّد العراقيين.. القصة الكاملة لغرق 100 عراقي في نهر دجلة

«نهران أسيران»: 3 جيران يتحكمون في 81% من مياه العراق

تمتد جذور أزمة المياه في العراق إلى سنواتٍ خلت، تضافر خلالها مزيج من العوامل الجغرافية والأحداث التاريخية، حتى أصبحت المياه هي القضية الأكثر إلحاحًا، في بلدٍ لا يتحكم في تدفق المياه إلى أراضيه، ويفتقر إلى البنية التحتية المؤهلة لمواجهة هذا التحدي.

ينبع دجلة والفرات من تركيا، التي يتدفق منها 71% من مياه العراق، بينما تحصل بغداد على 10% إضافية من سوريا 4% وإيران 6%؛ ما يعني أن جيران العراق يتحكمون في تدفق 81% من مياهه، ولديهم القدرة على احتجاز كميات متزايدة لأنفسهم كلما استدعت الحاجة. 

شط العرب

صورة لشط العرب حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات

منذ سبعينيات القرن الفائت، بنت تركيا ما لا يقل عن 20 سدًا على نهر الفرات والروافد التي تغذيه، منها سد أتاتورك، أكبر خامس سد في العالم، لتوفير المياه والكهرباء. كما بنت سوريا العديد من السدود، ما يجعل شرياني الحياة للعراقيين «أسيرين عند أنقرة ودمشق»، على حد وصف سام إليس.

واليوم، لا يصل العراق سوى 25% من التدفق الطبيعي لنهر الفرات. والشيء ذاته يحدث لنهر دجلة؛ إذ تبني تركيا العديد من السدود، منها سد إليسو، الذي حجز كمية كبيرة من المياه إبان اكتماله في 2018، حتى غاضت مياه النهر لدرجة أنه كان بالإمكان اجتيازه سيرًا على الأقدام. 

ولمواجهة الأزمة، وافق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، على طلب عراقي بزيادة تدفقات المياه من سد إليسو في جنوب شرق تركيا إلى العراق، «من أجل ضمان وصول المياه إلى جميع المحافظات، وخاصة البصرة». وتوقفت تركيا مؤقتًا عن ملء الخزان في يونيو (حزيران)، لكنها اتفقت مع العراق على استئناف ذلك في يوليو (تموز).

ما يزيد الأمور سوءًا، أن العديد من الروافد التي تغذي نهر دجلة تبدأ من إيران، التي بنت 600 سد خلال الثلاثين عامًا الماضية، وهناك عشرات السدود الأخرى قيد البناء، باعتبار ذلك أحد الحلول العاجلة لأزمة المياه التي ضربت الجمهورية الإسلامية في عام 2011، وقد تؤدي إلى نقص كبير في المياه بحلول عام 2036.  

ولم توقع الدول المجاورة الثلاث على معاهدة رسمية لتقاسم المياه منذ أوائل القرن العشرين، لكن العديد من الاتفاقات الثنائية أو غير الرسمية أُبرمت، وحصل العراق بموجب إحداها 9 مليار متر مكعب من مياه نهر الفرات كل عام.

انتشار التلوث وتسرب المياه المالحة.. ماذا بقي للأجيال القادمة؟

تتضافر كل هذه العوامل الجغرافية لخنق حصة العراق من المياه، ما يؤثر على الكمية المطلوبة للشرب وري المزروعات وحتى توليد الكهرباء. بيد أن الأكثر خطورة، هو زيادة معدلات تلوث المياه. ذلك أن تدفق المياه بشكل طبيعي، يجعل النهر قادرًا على التخلص من غالبية المواد السامة ومياه الصرف التي تلوثه. لكن حينما يصبح التدفق مقيدًا، تتزايد الملوثات. 

Embed from Getty Images

كما أن ضعف تدفق المياه في النهر يسمح بزحف المياه المالحة، ما يؤدي إلى جفاف عشرات المشاريع السمكية ومعظم الأراضي الزراعية وبساتين النخيل ومزارع الحناء على ضفافه. لكن في فبراير (شباط) الماضي، انخفضت نسبة التركيزات الملحية في شط العرب جنوبي العراق لأول مرة منذ سنوات؛ نتيجة زيادة تدفقات نهري دجلة والفرات بفضل موجة أمطار غزيرة.

وخلال العقود القليلة الماضية، أدى تسرُّب المياه المالحة بسبب الاستخدام المفرط والتلوث إلى انخفاض جودة المياه الجوفية في العراق، بل والتأثير على مخزونها. ونتيجة لذلك، أصبح الوصول إلى المياه الجوفية أكثر صعوبة وتكلفة.

3 حروب في 3 عقود.. البنية التحتية العراقية تحت القصف

حين تحتشد هذه العوامل، تضيف المزيد من الأعباء على كاهل البنية التحتية العراقية، المكلفة بتنقية المياه وتوزيعها على المواطنين، لكن أنَّى لها ذلك وقد أصاب معظمها العطب أو لحق به الدمار، ولم يستطع العراق حتى الآن إعادة بنائه. 

شهد العراق ثلاثة حروب مدمرة خلال العقود الثلاثة الماضية، في حرب الخليج عام 1990، تعهدت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة لقدرات صدام حسين النووية، وتدمير منشآت الأسلحة الكيميائية العراقية ومعظم سلاح المدفعية، لكن القصف لم يستثن البنية التحتية، بل دمر أربعة سدود للطاقة الكهرومائية، ما عطل منشآت معالجة المياه التي تدار بالكهرباء، ودمر منشأة لمعالجة مياه الصرف في بغداد، ما تسبب في تسرب مياه الصرف إلى نهر دجلة، وتلويث المياه في جنوب العراق.

Embed from Getty Images

وخلُصَ تقرير أصدرته «الأمم المتحدة» إلى أن تلك الحرب أعادت العراق إلى ما قبل العصر الصناعي، وأن هذا البلد أصبح على شفا كارثة وشيكة. وبينما نجا صدام من الحرب، فرضت «الأمم المتحدة» عقوبات خانقة على العراق، وجمدت حساباته المصرفية، وفرضت حظرًا على وارداته، ومنها مستلزمات البناء والكيماويات المستخدمة في تنقية المياه. 

ثم جعل صدام الأمور أسوأ، حين استخدم المياه سلاحًا في حربه ضد المتمردين عام 1993، مُحَوِّلًا مسارها بعيدًا عن هذه الأهوار. وبمرور السنوات، جفت هذه المناطق وتحولت إلى صحارى، ما اضطر 100 ألف شخص على الأقل إلى الرحيل، بعد مقتل الآلاف.

بحلول الألفية الثانية، تواصل مخزون العراق من المياه في التضاؤل، وعجزت البنية التحتيه عن مواجهة العبء المتزايد، ومات آلاف العراقيين نتيجة أمراض متعلقة بالمياه مثل الكوليرا والتيفود والدوسنتاريا، وحتى السرطان

حلم المياه النظيفة.. تبديد المليارات على خطط فاشلة لإعادة الإعمار

في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق وأطاحت بصدام حسين ونصَّبت حكومة مؤقتة، لكنها أيضًا أصابت البنية التحتيه المتهالكة بمزيد من الدمار. وفي غضون أشهر من الغزو، باتت المياه النظيفة حلمًا بعيد المنال لـ40% من العراقيين، وأصبحت 70% من أنظمة تحلية مياه الصرف بحاجة إلى إصلاح.

في ذلك الحين، أعلنت الولايات المتحدة والحكومة العراقية خطة ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية، وتعهدوا بتوفير مياه نظيفة لـ23 مليون عراقي، ومضاعفة قدرات معالجة المياه ثلاث مرات. لكن بحلول عام 2006، فشلت ثلاثة أرباع الخطة، ولم تصل المياه النظيفة سوى لثلث العدد الذي وعدت به، وكان على منشآت معالجة المياه الانتظار حتى يأتي دورها الثامن في قائمة الأهداف، ناهيك عن تبديد ملايين الدولارات بسبب سوء الإدارة والفساد. وكانت نتيجة إعادة البناء فشل ذريع.

«سلاح المياه».. تكتيكات «تنظيم الدولة» تفاقم الأزمة

بحلول عام 2011، كان العراق لا يزال غير مستقر، حين سحبت الولايات المتحدة بقية قواته؛ ما خلف فراغًا في السلطة، سرعان ما ملأه «تنظيم الدولة»، الذي تسببت تكتيكاته في تعميق أزمة المياه أكثر؛ إذ استخدم المياه سلاحًا في معاركه، مثلما حدث حين أغلق سد الرمادي، وقطع مياه نهر الفرات عن مناطق في محافظة الأنبار، ولوث المياه بالنفط في تكريت، ودمر معظم المخزون في الفلوجة. 

لاس فيجاس

بحلول عام 2018، خسر التنظيم معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، لكن الضرر الذي لحق بمياه العراق كان لا يزال قائمًا. ومرة أخرى، أعلنت الحكومة العراقية خطة ضخمة لإعادة البناء بتكلفة قدرها 100 مليار دولار. لكن بحلول الصيف، ضربت أزمة المياه جنوب العراق، نتيجة تسمم المياه في البصرة وانخفاض منسوبها، ما أشعل احتجاجات شعبية، أسفرت عن إحراق مقار حكومية ومطالبات باستقالة رئيس الوزراء. 

ورغم أن البصرة مركز اقتصادي، فقد تُرِكَت فريسة للإهمال حتى تدهورت بنيتها التحتية. وكشفت لجنة حكومية مكلفة بالتحقيق في الفساد أن 13 محطة لتحلية مياه أهديت إلى البصرة في عام 2006 لم تُفتح أصلا، وأن قرابة 600 مليون دولار خصصت لمشاريع مياه لم تكتمل أبدًا. وكان يفترض أن تحصل محطات التحلية في البصرة على بضعة ملايين من الدولارات في عام 2014 لتطويرها، لكن مياه الصرف كانت لا تزال تتسرب إلى شط العرب بحلول عام 2018. 

من ارتفاع الأسعار إلى انعدام الأمن.. مخاطر أزمة المياه العالمية

يبدو المستقبل قاتمًا بالنسبة لأزمة المياه في العراق، بحسب توقعات «ستراتفور»، حيث يمكن أن تتضافر الضغوط طويلة الأجل، مع الجفاف الحاد والانتقال الصعب في النظام السياسي لإحداث أزمة كاملة.

ويحذر الخبراء من أن الأزمة الأمنية القادمة التي تشهدها البلاد يمكن أن تنجم عن تدمير الأراضي الزراعية بسبب نقص المياه المزمن، وفقًا لتقرير أعدته بل ترو في صحيفة «الإندبندنت» ضمن سلسلة حروب المياه. 

ومن أجل تعويض النقص المزمن في المياه وتلبية احتياجات السكان المتزايدة، يمكن أن يبدأ العراق قريبًا في استيراد «الذهب الأزرق» من دول الشرق الأوسط، وفقًا لتحذيرات الخبراء. 

لكن المشكلة لا تقتصر على العراق، بل تنذر بيانات الأقمار الصناعية بأزمة مياه كبرى في مختلف أنحاء العالم، مثل الهند وجنوب أفريقيا والمغرب وإسبانيا والبرتغال؛ بسبب الجفاف وسوء إدرة الموارد المائية في دول المصب وزيادة الرقعة الزراعية في أراضي المنبع. وقد يعجز الإعلام وحتى المواطنون المحليون عن ملاحظة التطورات حتى تصل إلى نقطة التحوُّل، وتبدأ التغييرات المدمرة.

يمكن أن تخلق هذه التطورات تداعيات متتالية في مختلف جنبات المجتمع، بدءًا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية مرورًا بالبطالة وزيادة تكاليف الأعلاف على مربي الماشية وليس انتهاء بإشعال حرائق الغابات القاتلة وانعدام الأمن السياسي. 

أما إذا اجتمعت «صدمة المياه»، مع مواطن الضعف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى، فيمكن أن تنشب أزمة كاملة، ربما تتتوج باشتعال ثورة سياسية أو وقوع صراع أهلي أو هجرة جماعية، حسبما تحذر منصة «ريسورس ووتش»

4 تحديات كبرى تواجه الموازنة الأكبر في تاريخ العراق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد