يستمتع العديد من السياح بمناظر الصحراء على مدّ البصر، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلّق بصحراء الجزائر التي تعدّ واحدةً من أجمل صحاري العالم، وأكبر متحف طبيعي على الهواء. لكنّ هذا الشعور قد يتغيّر 180 درجة عند ساكني هذا المتحف الطبيعي والبيئة الساحرة المزيّنة بالرمال الذهبية، وذلك بعد أن عجزت الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ الاستقلال، على توفير المتطلبات الأساسية للحياة هناك، والتي تتماشى مع سحر الطبيعة الصحراوية. 

مدينة تين زواتين بأقصى الجنوب الجزائري والمتاخمة للحدود المالية، واحدةٌ من مئات المناطق الصحراوية التي تعيش التهميش والعزلة وغيابٍ تامٍ لأدنى متطلبات الحياة؛ إضافةً إلى التضييق الأمني الذي يمارس على سكانها من طرف عساكر الدرك، والتي كان آخرها قرار السلطات الأمنية المرابطة منذ عقد كاملٍ على الحدود المالية؛ إقامة ساترٍ رملي شائك يعزل المدينة على وادٍ يعتبر – بحسب سكان المدينة – الشريان الوحيد الذي يسقي سكان المنطقة بالماء.

القرار الأخير كان «القشة» التي لم يتقبلها سكان المنطقة، فخرجوا في مظاهراتٍ عنيفة للمطالبة بإزالة الساتر الترابي وبالتنمية على الحدود، لكن هذه المظاهرات قوبلت بالعنف ومحاولات قمع، تسببت في سقوط مواطن جزائري وإصابة العشرات. 

جدير بالذكر أن بيانًا لوزارة الدفاع الجزائرية نفى مسؤولية الجيش الجزائري عن إطلاق النار الذي سقط ضحيته واحد من المتظاهرين، واتهم المهربين بالتسبب بمقتله. في هذا التقرير نحاول استقصاء القصة الكاملة لأحداث مدينة تين زواتين الجزائرية وسياقاتها.

عربي

منذ 4 شهور
تاريخ الجنوب الجزائري.. من دعاوى الانفصال إلى محاولات التنمية

تين زواتين.. مدينة حدودية تتحوّل تدريجيًا إلى «سيناء» الجزائر

 عاشت مدينة تين زواتين الجزائرية بأقصى الجنوب؛ يوم الاثنين الماضي 15 يونيو (حزيران) 2020 احتجاجات عنيفةٍ أسفرت عن مقتل متظاهرٍ وإصابة واعتقال العشرات من المتظاهرين الذين ملؤوا شوارع المدينة غضبًا على الأوضاع المتفاقمة التي يعيشونها. 

وفي تفاصيل الأحداث التي نقلتها «ساسة بوست» عن شهود عيان بالمدينة؛ قام ممثلو جمعيات المجتمع المدني بمدينة تين زواتين بتقديم قائمة مطالب إلى والي ولاية تمنراست يوم 11 من يونيو (حزيران) الجاري تضمنت تغيير الساتر الرملي الذي تنجزه المؤسسة العسكري على حدود المدينة الجزائرية مع مدينة إخربان المالية، بحائط إسمنتي يحتوي على بواباتٍ تُمكِّن أهالي تين زواتين من العبور خلالها إلى الوادي الذي يحتوي على آبارهم وأماكن رعيهم، كذلك احتوت القائمة أيضًا على مطالب تنموية للمدينة التي تعدّ إحدى أفقر المناطق بالجزائر إن لم نقل أفقرها بالمرّة.

لكن السلطات المحلية لم تلتفت لقائمة المطالب تلك، فخرجت يوم الأحد الماضي، مظاهرات استهدفت تدمير الساتر الترابي وحرق بعض المحلات بالمدينة، قبل أن تشتدّ تلك المظاهرات يوم الإثنين بعد تدخل قوات الدرك الوطني واستعمالها للرصاص الحي – حسب شهود عيان – في تفريق المتظاهرين ما أسفر عن سقوط ضحيّة وإصابة العشرات. 

وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر أحد المتظاهرين بمدينة تين زواتين وهو ينزف في أحد شوارع المدينة وسط إطلاقٍ كثيف للرصاص، فيما أظهر مقطع فيديو آخر قوات الجيش الجزائري وهي تتدخل لإسعاف المتظاهر قبل أن يلقى حتفه. 

وفي أوّل ردّ لها على الاحداث، أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية بيانًا صحفيًّا؛ نفت من خلاله مسؤولية قواتها عن مقتل المتظاهر؛ وأوضح البيان الذي يحوز «ساسة بوست» نسخةً منه؛ أن الأحداث حسب المؤسسة العسكرية تعود إلى قيام بعض الأشخاص المعروفين في المنطقة بنشاطاتهم المشبوهة في مجال التهريب بتخريب الجدار الحدودي العازل وتحريض السكان على العنف والتظاهر، لفك الخناق عن مصالحهم المشبوهة في المنطقة.

تين زوتين

هذا العنف من طرف الجيش الوطني الشعبي غير مبرر #je_suis_tin_taouatine

Geplaatst door ‎هنا برج باجي مختار-Ici BBM‎ op Maandag 15 juni 2020

ويضيف البيان أنّ قوات الجيش تدخلت على إثر ذلك لتهدئة الأوضاع حيث تم إطلاق النار من مصدر مجهول من إخربان بالأراضي المالية باتجاه مواقع حرس الحدود، ليصاب على إثرها أحد المتظاهرين، الذي سارع أفراد حرس الحدود إلى إجلائه للتكفل به من طرف المصالح الصحية، غير أنه فارق الحياة نتيجة خطورة الإصابة. وقد أمرت القيادة العسكرية على إثر هذه الأحداث بفتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادثة.

على صعيد آخر؛ يحذر المتابعون للشأن الأمني بالجزائر من خطط الجيش الجزائري لعزل المناطق الحدودية الجزائرية والتعامل الأمني مع ساكنيها، في إشارة منهم لتعامل الجيش المصري مع منطقة سيناء التي تحوّلت إلى بؤرة تهدد الأمن القومي المصري.

ويذهب العالم الجزائري البروفسير جمال ضو في تحليله للموضوع إلى أبعد من ذلك، إذ يقول في أحد منشوراته على حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» إن «حال أقصى الجنوب الجزائري شبيه بحال سيناء في مصر. سياسة الحرمان من التنمية والمشاريع الاقتصادية تقريبًا نفسها، وما دفع الناس هناك إلى امتهان التهريب والتمرد عن الدولة هو نفسه الذي يدفع كثير من سكان المناطق الحدودية إلى التهريب والشعور بالعداء لمؤسسات الدولة التي تحرمه من مصدر رزقه الوحيد» محذرًا من المصير ذاته. 

هل تنازلت الجزائر عن جزء من أراضيها بدعوى مكافحة الإرهاب؟

تعيش الحدود الجزائرية الجنوبية والشرقية منذ حوالي عقد من الزمن على صفيحٍ ساخن، فمنذ سقوط نظام القذافي سنة 2011؛ تدفقت أطنانٌ من الأسلحة على الجماعات المسلحة المرابطة بالساحل والصحراء الكبرى، وانتقل التوتر إلى شمال مالي بإعلان الأزواد سنة 2012 استقلالهم عن مالي واستيلائهم على مدن الشمال ما أدى بفرنسا إلى التدخل عسكريًا لإنقاذ الحكومة المالية، التي باتت مهددة من الحركات الأزوادية والمسلحة على السواء. 

وأمام هذا الوضع؛ أغلقت الجزائر حدودها مع كلٍ من مالي والنيجر وليبيا، وأعلنت الحدود مناطق عسكرية مغلقة وضاعفت من التواجد العسكري بالمدن الحدودية، وأخذت في تطبيق إجراءاتٍ أمنية، فمنذ حادثة الهجوم على منشأة الغاز «تيقنتورين» في منطقة عين أمناس بولاية إليزي جنوبي الجزائر، وعلى مقربة من الحدود الجزائرية الليبية؛ زادت الجزائر من نشر التعزيزات العسكرية وتشكيلات الدفاع لحماية الحدود ومكافحة الإرهاب.

ساتر ترابي شائك يقضم أجزاء واسعة من الحدود الجزائرية

 وفي السياق نفسه، كانت وزارة الدفاع الجزائرية قد بدأت منذ 2016 في بناء ساتر ترابي على شكل نقاط مراقبة بطول الحدود الجنوبية والشرقية للجزائر، غير أنّ ما أثارته أحداث مدينة تين زواتين مؤخرًا من تواجد الساتر الترابي العازل على مساحات واسعة داخل الأراضي الجزائرية، وترك مساحات كبيرة من التراب الجزائري أثار تساؤلات الجزائريين من تنازل الجزائر عن أراضيها لفائدة دول الجوار!

وحسب مسؤول محلي بالمجلس الولائي لولاية تمنراست، بوجمعة بلوي، فإنّ الساتر الترابي الذي أنجزته وزارة الدفاع الوطني بمدينة تين زواتين أقيم بالتراب الجزائري وترك وراءه حدودًا واسعة تقدّر بعشرات الكيلومترات تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 100 كلم، وأضاف المصدر ذاته، أنّ واديًا كاملًا تنازلت عنه السلطات الأمنية الجزائرية إلى دولة مالي بعد أن عزله الساتر الترابي. 

ويعزو خبراء أمنيين وعسكريين خطوة الجيش الجزائري في إقامة السواتر الترابية العازلة على طول الحدود بأنّها ضرورة عسكرية يراد بها التحكم الجيد في الوضع الأمني والعسكري بالمنطقة التي تشهد نشاطًا إرهابيًا وعمليات تهريبٍ واسعة. 

هل تعيد أحداث تين زاوتين تدوير عجلة الحراك الشعبي من جديد؟

على مدار اليومين السابقين، لم يكن هناك أي صوت يعلو فوق مدينة تين زاوتين على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة؛ واكتسح هاشتاج «#كلنا_تينزاوتين» النطاق الجزائري على موقع «تويتر»؛ وسط تضامنٍ شعبي كبير مع أهالي المدينة، وحمّل رواد مواقع التواصل الاجتماعي السلطات الجزائرية مسؤولية الأحداث متهمين إياها بتهميش مناطق الجنوب والمناطق الحدودية بالأخص. 

عربي

منذ 10 شهور
ما مصير الحراك الجزائري بعد أن أصبح تبون رئيسًا؟

وبالتزامن مع تلك الأحداث، تصاعدت الدعوات على منصات التواصل الاجتماعي إلى استئناف الحراك الشعبي ابتداءً من الجمعة القادمة، وعبّر مغردون جزائريون عن غضبهم من التعامل الأمني مع المتظاهرين في تين زواتين رافعين شعار عودة الحراك لمحاسبة المتورطين في قمع الاحتجاجات بالجنوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد