كان نزول المتظاهرين المصريين لساحة نقابة الصحافيين في الخامس عشر من أبريل (نيسان) الماضي بداية جديدة لاستحواذ المعارضة على جزء من الشارع بعد أن فقدته عقب الإطاحة بمحمد مرسي من رئاسة الجمهورية نهاية يونيو (حزيران) من عام 2013.

توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، والتي من المقرر أن تتسلم المملكة بمقتضاها جزيرتي تيران وصنافير، كان كفيلًا بموجة عالية من المعارضة بدأت على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت من هاشتاج #عواد_باع_أرضه، ثم انتقلت للشارع على هيئة تظاهرات يوم 15 أبريل (نيسان) ثم 25 من الشهر نفسه.

باستثناء جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي لم يكن التظاهر خيارًا أوليًا في السنوات الثلاثة الماضية، بل كانت المساحة الحقوقية هي الملجأ للحركات الثورية بعد إغلاق جزء كبير من المجال العام، وتطبيق قانون التظاهر الذي قُبض بمقتضاه على كثير من النشطاء.

قبل أربعة أشهر، كانت مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا تشهد سخطًا مشابهًا بسبب غرق مناطق مختلفة من الجمهورية في مياه الأمطار وعجز الحكومة عن مواجهتها، وبالتوازي كانت تنتشر على نطاق واسع صور إسراء الطويل المصورة الصحفية تبكي أمام المحكمة، تمسح دموعها بيد، وبالأخرى تستند إلى عكازها، إذ تدهورت صحتها في السجن الذي احتجزت فيه دون أن تلقى رعاية صحية، بعد أن اختطفت من الشارع وأُخفيت قسرًا، وصارت موضوعًا أساسيًّا في برامج التوك شو. بينما لم يكن قد مضى الكثير من الوقت على حادثة قتل السياح المكسيكيين وتفجير الطائر الروسية.

كل هذه الأمور أظهرت النظام وكأنه في ورطة ولا يستطيع السيطرة على الأمور، لكن رغم ذلك لم تشهد الشوارع مظاهرات شبيهة بالتي حدثت خلال الشهر الماضي.

لماذا الآن؟

التظاهر من أجل الأرض فتح الباب أمام البعض للسؤال: لماذا لقيت هذه القضية بالتحديد تعاطفًا من قطاعات مختلفة نزلت للتظاهر، وإن لم تكن بأعداد ضخمة، رغم أن هناك قضايا أخرى لم تشهد نفس الاعتراض؟ وهو ما يجيب عنه خالد عبد الحميد عضو جبهة طريق الثورة بقوله: «الذي يصدق حركة الجماهير ليس لديه تفسيرات لهذا الأمر، سوى أن هناك مطالب حقيقية للناس، وبالتالي عليه أن يتحرك للناس عندما ينزلون. يوجد الأمل في التغيير عندما ينزل الناس. يضيف عبد الحميد: أعتقد أن التظاهر هذه المرة كان فارقًا في مسار السلطة الحالية، فوجود آلاف في الشارع ينادون بالثورة على النظام يحصل لأول مرة منذ فترة طويلة، والسبب خارج الاستقطاب المعروف بالشرعية والانقلاب».

أما الشاب الثلاثيني عبد الرحمن عثمان، أحد الشباب الذين شاركوا في أحداث الثورة من يناير 2011 وحتى الآن، يفسر لـ«ساسة بوست» سبب غياب التظاهرات، بالرغم من عدم غياب المطالب، فيقول: «لما بدأت تظاهرات الإخوان، قوبلت بالرصاص ووقعت مجازر عديدة مثل الحرس الجمهوري، ورابعة، والنهضة. واتضح وقتها أن السلطة لا تريد لصوت أن يعلو فوق صوتها وقراراتها، وأن التظاهر أصبح جريمة يعاقب عليها، وصدر بعدها قانون التظاهر المعيب، والذي طبق بحذافيره على التظاهرات الرافضة لتطبيقه، في الوقت الذي لم يطبق على المتظاهرين من أمناء الشرطة. اتضح أن الدولة تكيل بمكيالين، وأن القانون صنع خصيصًا للشباب، فبدأ الشباب في الرجوع خطوات للخلف لتحسس الطريق وإيجاد السبيل وذلك في ظل تراجع شعبية القوى الثورية الفاعلة على الأرض بخطاب سلطوي يتهمهم بالتآمر، وتفكك لتلك الجبهات والقوى لعدم إحساسها بوجود أمل في التغيير وانغلاق وسائله وسبله».

ويرى عثمان أن مظاهرات الشهر الماضي، سبقتها بعض الأحداث التي دعمت ومهدت لخروجها بهذا الشكل، قائلاً: «المظاهرات الرافضة لقانون الخدمة المدنية كانت بداية الانفراجة، والتي شارك فيها أعداد ضخمة، ثم مظاهرات نقابة الأطباء، والتي ظهرت بمظهر «ينايري» بامتياز، وإن كانت الدعوتان للتظاهر فئويتين، ولكن نزول تلك الأعداد وعجز السلطة أمامها هو ما فتح الطريق أمام الاحتجاجات الشبابية، بعد أن اكتسبت أرضية شعبية واسعة، حتى ولو بالصمت من قبل فئات واسعة من الشعب الذي بدأ يرفض سياسات وإدارة الحكم، وزيادة الأسعار ورفع الدعم، وعودة الشرطة لسابق عهدها».

التناقض الذي حدث بين تصرفات الدولة في قضية الجزر، وخطاب الوطنية الذي تتبناه، كان هو الدافع الأهم للنزول في وجهة نظر نوران أحمد، الباحثة السياسية في مركز البدائل للدراسات، إذ تقول: «مبدئيًّا أنت ترى الحس الوطني الفاشي غير المتسامح، الموجود في البلد منذ سنتين أو ثلاثة، وهو قائم على شعارات مثل «مصر أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا» و«تحيا مصر» و«مافيش حاجة قبل مصر»، بالإضافة إلى الاعتقاد أنه لا أهمية لحقوق أحد قبل حق مصر، مع أولوية إنقاذها لأنها تمر بكبوة مهددة لوجودها. هذه هي الصورة التي تقدم للناس، وبالتالي كان أي مطلب له علاقة بالحقوق والحريات ليس له معنى بالنسبة لهم، والناس ينظرون إليه على اعتباره امتداد لمحاولات هدم البلد».

وتضيف نوران: «كان الرهان هو قدرة النظام على الإنجاز الاقتصادي والتنموي على اعتبار أنه الحل، لكن بعد سنتين أو ثلاثة اختلف الوضع، فالنظام غير قادر على الإنجاز اقتصاديًا، بالإضافة إلى التوسع في الاعتقالات، وغيرها من التصرفات التي لا تحل الأزمة. واقعة الجزر مناقضة تمامًا لمحتوى الخطاب الوطني الذي يتم تصديره للناس منذ سنتين، واكتشفوا أن تراب مصر يباع في النهاية، فكانت لحظة مناسبة لخروج الشباب والناس الذين لديهم مشاكل مع النظام ويرفضون بيع الجزيرتين أو التنازل عنهما على اعتباره إهانة وطنية وتفكيك لموارد الدولة. بالإضافة إلى أن الفرصة أتت لمعارضي النظام ليتظاهروا ضده دون أن يضطر لمواجهة المدافعين الذين وجدو أنفسهم فجأة غير قادرين على الدفاع عن النظام بنفس الصلابة».

هل يعني ذلك بالضرورة تغيير شكل النظام؟

رفع المتظاهرون شعارات منددة ببيع الأرض، وأخرى منادية بسقوط النظام أثناء تظاهرهم، يومي 15 و25 أبريل، فهل التظاهر والهتاف ضد النظام هما بالضرورة مقدمة لسقوطه؟ يقول علي الرجال، الباحث في علم الاجتماع السياسي:  «إن تحديد إن كان ما حدث يمثل أملًا في تغيير النظام أم ﻻ أمر صعب، لكن المؤكد أن ما حدث فتح مجالًا كبيرًا للهجوم على النظام. هناك تصور ساذج فيما يخص النزول للشارع ﻹسقاط النظام؛ هذا التصور متمثل في فكرة أن بمجرد نزول الثوار إلى الشارع ستقوم ثورة ويسقط النظام، وهو تصور يروجه اﻹخوان. لكن اﻷمور ﻻ تسير هكذا».

ويضيف: «في البداية ﻻ بد أن يكون هناك سبب وداعٍ للنزول إلى الشارع والتعبير عن الغضب، فداخل أي سوسيولوجيا للحركة الجماهيرية يحدث الحراك على قضايا وقضايا أخرى لا يحدث عليها أي حراك، فهناك قضية لا تصنع أي صدى إذا طرحت في وقت ما، وفي وقت آخر «مناسب» من الممكن أن تحدث أثرًا كبيرًا للغاية».

ويدلل الرجال على ذلك بقوله، إنَّ «قضية إسراء الطويل، لم تحرك سوى المتعاطفين معها، أما قضية مثل قضية الأمطار فهي التي حركت الجماهير، لكن لا يشترط أن تقود مثل هذه القضايا حراكًا جماهيريًا واسع المدى، ففكرة الحق والظلم آخر شيء يمكن التفكير فيه، وهناك اعتبارات أخرى تدخل في الموضوع».

أما ياسر فتحي، عضو جماعة الإخوان المسلمين، على عكس ذلك، يرى أنّ «الإخوان لم يتناولوا  القضية على اعتبار أنها قضية جزئية أو حزبية بل قضية وطنية بامتياز، بغض النظر عن أية مطالب أخرى، مُضيفًا، أن «حالة الفشل المتكررة من قبل منظومة السيسي وسياساته، وظهور حالات تصدع بين الأذرع والأجهزة والارتباك السائد، ساعد بشكل أو بآخر في إحداث ثغرة أعطت قبلة للحياة للميادين، وبالتالي خلق قضايا عابرة للتمثيل الحزبي. ثم إن فشل السيسي وارتباك منظومته بل وتنازع أو اختلاف أجهزته أحدث زخمًا ثوريًا، بالإضافة إلى أنه برغم كل سياسات القتل والقمع لم يتمكن السيسي والعسكر من قمع حالة الثورية، بل جعلها مهيأة للانطلاق والظهور في أي وقت».

ويرى فتحي أنّ «المظاهرات ضد النظام استفادت من حدث الجزيرتين لتعبر عن جوهر القضية وجوهر ما يشعر به كل الناس وكل الشباب الثوري في الفترة اﻷخيرة، وكان الهتاف من أول لحظة يوم 15 أبريل هو ارحل وإسقاط النظام، وبالتالي البوصلة الثورية واضحة والحراك يعبر عن الثورة وليس عن مطالب معارضة، كما كان يحاول البعض في السابق تعديل قانون مثلًا أو مطالب حكومية».

لكن علي الرجّال، يعتقد أنه لا يجب التعويل على صراع المؤسسات، قائلًا: «التعويل على هذا الأمر يخدم طرفًا من السلطة المراد الإطاحة بها، وهذه سذاجة، لكن هذا الصراع سيفيد لأنه يصنع خلخلة في بنية النظام، وهذا أمر قديم جدًا. أرسطو قال: «أي حكومة متوحدة لا يمكن إزاحتها»، فهذا يفتح مجالًا للحركة ويخلق فجوات يمكن اللعب عليها، لكن يجب الحذر إذ من الممكن أن يستغل الخصم الثوار مثلما حدث في 30 يونيو».

وتؤكد الباحثة السياسية نوران أحمد، أن فريق الثورة لديه تصور دائم، بأن هناك لحظة قادمة مثل يناير 2011، وبالتالي هم ينتظرون اللحظة المناسبة للنزول إلى الشارع مجددًا، لكن هذا اﻻنتظار كان مصحوبًا بتشككات، كاليأس من خروج المظاهرات دون نتيجة، أو وجود خسائر كبيرة في اﻷرواح أو اﻻعتقاﻻت، لكن الحراك كان مفاجئًا، وكسر حاجزًا ما.

وتضيف نوران: «عزوف الفريق المناصر للثورة عن المشاركة في احتجاجات سابقة، من الممكن أن يكون يأسًا، لكن الحركات الجماهيرة ليست ميكانيكية، فمن الوارد أن تكون كل أسباب الغضب متوفرة لكن ﻻ يحدث حركة جماهيرية».

إذن إلى أين؟

يتوقع علي الرجّال أن يمر الحراك بمراحل مختلفة: «الحراك سيستمر ويتعثر، لكن تلك مرحلة جديدة انطلقت لأن خطاب الوطنية الرث الذي يتبناه النظام لم يعد صالحًا. لكن يظل الحديث عن أن الحراك الحالي سيقود إلى تغيير كامل في شكل النظام غير مريح، فالبعض يقول سنثور ضد النظام العالمي مثلا، فهل يعني ذلك أن النظام العالمي سيسقط؟ لكن طبعًا يمكن رصد عدة أشياء في هذا الحراك، كالجرأة في مهاجمة السيسي وسبه، فلا يوجد رئيس شتم بهذا الشكل من أول مرة يتم الاعتراض عليه، حتى مبارك نفسه لم يتم سبه بهذا الشكل خلال أيام ثورة يناير».

أما عبدالرحمن عثمان، فيرى أن الوضع الآن شبيه بأيام ثورة يناير، من حيث أن المتظاهرين لم يستطيعوا صياغة أهداف مرحلية، أو أهداف متتالية تمكنها من اﻻنتصار، مُضيفًا أن «الهدف بعيد المدى  هو رحيل النظام، حتى وإن كان هذا الهدف غير مطروح اﻵن بقوة، فنحن كقوة ثورية فاعلة ﻻ نستطيع أن نقول للشعب «هيا سنسقط النظام اﻵن»، ولكن يمكن أن نؤهل الشارع لتبني هذا الخيار. وخلال هذه الفترة يجب التركيز على أن تعود الجماهير غير المسيسة لمساندة أي حراك مرتقب؛ هذا هو الهدف المرحلي اﻷول الذي ﻻ يجب التفريط فيه بسبب الثورية الزائدة، ولكن يجب إنضاجه ببطء. باﻹضافة إلى هدف مرحلي آخر يجب أن يوضع في الحسبان هو كسر حاجز الخوف».

ويؤكد خالد عبد الحميد على نفس المعنى حين يقول: «الحراك مفيد في كل الأحوال حتى إذا لم يكن هناك خطة كاملة أو رؤية عند معسكر التغيير، فكسر حالة الجمود شيء مفيد، حتى لو لم يحقق ذلك كافة المطالب، لكنها ستدفع لتراجع الاستبداد. أرى أن حركة الناس هي ما ستحدد رفع سقف المطالب من عدمه. شعار ارحل شعار عاطفي حالم، وإن كان مناسبًا لكل لحظة لكن اللحظة الحالية. من الضروري وجود ظهير سياسي وصياغة مشروع بديل، وعلى المناصرين للتغيير أن يدركوا أن الحراك دون مشروع سياسي لن يفيد، ولنا في 25 يناير و 30 يونيو عبرة».  

لكن هل يعني ذلك امتلاك المتظاهرين والثوار وعيًا كافيًا يجعلهم يستغلون اللحظة الحالية للبناء عليها مستقبلًا؟ تجيب نوران أحمد، بأن «الحديث عن امتلاك هذا الوعي مازال مبكرًا، وأن الجماهير مازالت في مرحلة النضج واﻻختبار، وذلك رغم المحاوﻻت المبذولة من قبل بعض الجهات واﻷفراد لتسريع عملية إنضاج الشارع، عن طريق عمل مبادرات وغيرها لتوحيد كلمة اﻷطياف المختلفة. لكن مايزال المجال مفتوحًا أمام اﻻختلافات؛ وكل شيء سيخضع للاختبار خلال المرحلة المقبلة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد