يقول البعض إن القطط كائنات كسولة تقضي أغلب وقتها في النوم، لكن هذه الكائنات نجحت في تولي مناصب مرموقة ومهام عسكرية واستخباراتية على مدار التاريخ.

فيما يلي، نحكي لك عن قطط أصبح لها حيثية اجتماعية، لأنها أدَّت أو تؤدي مهمة بالغة الأهمية لأجل البشر، من القط لاري، الذي يجلس مُتربعًا في مكتب رئيس الوزراء البريطاني، إلى القط الذي حصل على أعلى وسام بريطاني يُمنح للحيوان من أجل شجاعته في المعركة. إليك أربع مهام ومناصب تولتها القطط.

صائد الفئران في مكتب مجلس الوزراء البريطاني

لاري هو «كبير صائدي الفئران» في مكتب مجلس الوزراء في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، ويقدم الموقع الرسمي للحكومة البريطانية نبذة عنه.

Embed from Getty Images

يتولى لاري وظيفة «كبير صائدي الفئران»، ويُعرف أيضًا باسم قطة داونينج ستريت، وهو الشارع الذي يقع فيه المكتب الرسمي ومقر إقامة رؤساء الوزراء البريطانيين، المبنى الضخم الذي بُني في عام 1684، ولكنه مثل معظم الهياكل التراثية القديمة، يُعاني من القوارض التي تُهدد سلامة الأوراق المهمة والأثاث الثمين.

يحظى لاري بمحبة الشعب في المملكة المتحدة، وقد تفوق شعبيته رئيس الوزراء نفسه، إلى الحدِّ الذي جعل ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، يُحاول تبرئة نفسه من الإشاعات التي تتردد بشأن عدم محبته لاري، فقال رئيس الوزراء في البرلمان خلال كلمة وداعه: «الإشاعة التي تقول إنني بطريقة ما لا أحب لاري.. أنا أفعل، ولدي أدلة فوتوغرافية تثبت ذلك».

ثم رفع صورة لنفسه مع لاري جالسًا في حضنه، وأضاف قائلًا: «للأسف، لا يمكنني اصطحاب لاري معي، إنه ينتمي إلى المنزل، والموظفون يحبونه كثيرًا، مثلي».

تتمثل وظيفة لاري كبيرًا لصائدي الفئران في إبقاء القوارض تحت المراقبة والسيطرة، وهو المنصب الذي بدأ في عهد هنري الثامن، لكن لم يُدوَّن في السجلات إلا منذ عام 1929، ويُعد القط ويلبرفورس أكثر قط مكث في هذا المنصب، وتقاعد في عام 1986، بعد 13 عامًا من الخدمة المخلصة، وذهب ليعيش مع حارس متقاعد.

وصل لاري لمكتب رئاسة الوزراء في عام 2011، وقد أصدر الفريق الصحفي في داونينج ستريت بيانًا وصف فيه لاري بأنه «مُدافعًا مفترسًا وقويًّا للغاية، لديه غريزة مطاردة وصيد عالية»، وهي المقدرة التي اكتسبها بفضل تنقله لسنوات في شوارع لندن حين كان قطًّا ضالًّا، قبل أن يصعد للعالمية.

على الرغم من أنه كان في البداية كسولًا بعض الشيء في أداء واجباته، فإنه مع بعض التدريب من قِبل الموظفين أصبح أكثر كفاءة.

غالبًا ما تلتقط الكاميرات التي تقف أمام 10 داونينج ستريت في انتظار المؤتمرات الصحفية التي يعقدها رئيس الوزراء، صورًا للقط لاري وهو يستلقي في الشمس أو ينظف نفسه عند الباب الأمامي.

سعاة للبريد في بلجيكا

في عام 1876، قررت مدينة لييج البلجيكية استخدام القطط لتوصيل البريد؛ إذ رأت أنها الطريقة الأكثر فعالية لنقل البريد، ومن ثم دربت الجمعية البلجيكية لرفع كفاءة القط المحلي 37 قطًّا لتسليم رسائل مختومة في أكياس مقاومة للماء مربوطة حول أعناقهم، وأطلقوا إلى الريف على بعد أميال من منازلهم لتوصيل البريد.

Embed from Getty Images

كان سبب حفظ الرسائل في أكياس مُقاومة للماء هو منع أي ضرر قد يُصيب الورق والكلمات المكتوبة عليه، وكان الهدف من الفكرة هو السماح لمواطني لييج والقرى المُحيطة بالتواصل معًا بسهولة.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» في 4 مارس (آذار) عام 1876 أنه: «ما لم تهاجم فئة الكلاب الإجرامية قطط البريد وتسرق الرسائل، ستسلم الرسائل بسرعة وأمان».

وقد سلَّم أحد القطط، التي دُربت على تسليم الرسائل، رسالته بأمان وسلامة، وعاد إلى منزله في أقل من خمس ساعات، ومع ذلك، فقد استغرقت القطط الأخرى ما يصل إلى يوم لتوصيل البريد، مُفضلين التنزه على مهل، وربما تناول صحن من الحليب على طول الطريق، فعلى ما يبدو، لم تكن القطط مهتمة جدًّا بالالتزام بجدول لا يجري تحديده حسب احتياجات القيلولة الخاصة بها.

من المحتمل تمامًا أن تكون الجمعية البلجيكية لرفع كفاءة القط المحلي قد استلهمت مخطط القطط البريدية من ممارسة تسمى سباقات القطط، والتي كان من المفترض أنها تحظى بشعبية كبيرة في شمال أوروبا في حوالي ستينيات القرن التاسع عشر.

لا يُعرف على وجه الدقة سبب توقف هذه الفكرة، رُبما وجد أنه الأكثر كفاءة وفعالية هو التجول وتسليم رسائلك بنفسك، بدلًا من ربطها برقبة قطة، وتركها في حقل على أمل أن تشق طريقها وتعود إلى الوطن مرة أخرى.

وأيضًا في الخدمة العسكرية

شقت القطط طريقها إلى تاريخ الحرب منذ فترة طويلة. فمثلًا نجد القط توم القرمي، المعروف أيضًا باسم توم من سيفاستوبول، الذي أنقذ القوات البريطانية والفرنسية من المجاعة أثناء حرب القرم عام 1854، حينها كانت القوات تحتل مدينة سيفاستوبول الروسية ولم تتمكن من العثور على طعام، لكن القط تمكن من أن يقودهم إلى مخابئ الطعام التي كان يُخزنها الجنود والمدنيون الروس، وهو القط الذي أصبح جزءًا من متحف الجيش الوطني في لندن بعد وفاته في عام 1856.

منوعات

منذ سنة واحدة
لماذا تتصرف قطتك بهذه الطريقة؟ رحلة في عقول وسلوكيات القطط

واكتسبت القطط أهمية خاصة في الخدمة البحرية؛ إذ شكَّل انتشار القوارض مخاطر على المواد الغذائية الموجودة على متن السفن، وعلى الصحة العامة للطاقم، بالإضافة إلى أن القوارض كانت تأكل الحبال؛ مما يُهدد سلامة السفن.

ومن هنا أتت أهمية دور القط سيمون، وهو القط الوحيد الذي حصل على ميدالية ديكين، أعلى وسام بريطاني يُمنح لشجاعة الحيوانات في المعركة، وهذه الجائزة هي المكافئ الحيواني لصليب فيكتوريا، أعلى وسام عسكري بريطاني.

حصل سيمون على الميدالية لمساعدته في إنقاذ حياة ضباط البحرية الملكية خلال الحرب الأهلية الصينية في عام 1949، حين قام بحماية مخازن المواد الغذائية من غزو الفئران على متن سفينة «HMS Amethyst» البريطانية، أثناء الحصار الذي استمر 101 يومًا، وتعرضت السفينة لهجمات وانفجار أدَّى إلى تضرر الكثير من أجزائها، وازداد الأمر سوءًا حينما بدأت تتكاثر الفئران بسرعة في الأجزاء المُتضررة من السفينة، وأصبحت تُمثل تهديدًا حقيقيًّا لصحة السفينة، لكن سيمون كان على قدر الموقف، وبعد شهرين تضاءلت الفئران كثيرًا بسبب مجهوداته المخلصة.

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1949، وصل سيمون إلى منزله في إنجلترا وسط احتفاء إعلامي كبير، وكان من المقرر أن يحضر الحفل الرسمي لميدالية ديكين في 11 ديسمبر (كانون الأول). لكن قبل أسبوعين من الحفل، أصيب سيمون بفيروس. وتلقى العلاج، بما في ذلك الحقن بسبب ارتفاع درجة الحرارة والتهاب الأمعاء الحاد. لكن جروحه في الحرب أضعفت قلبه بشكل خطير، ليتوفى في 28 نوفمبر.

القطط الجواسيس تشارك في الحرب الباردة!

في الستينيات، حاولت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تدريب القطط لتتجسس على السفارات السوفيتية. تمثلت المُحاولة في عمليات زرع الميكروفونات وأجهزة الإرسال والهوائيات في أجسام القطط لتسجيل المحادثات دون أن يشعر بذلك أحد. ثم دُربت القطط على اتباع الأوامر لتتحرك وتتصرف كما يُملى عليها.

ويقول الكاتب الأمريكي توم فاندربيلت في مجلة «سميثسونيان»: «نشرت الحكومة الأمريكية عملاء غير بشريين، مثل الغربان والحمام وحتى القطط، للتجسس على أعدائها خلال الحرب الباردة».

اعتقدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنه مع التدريب الصحيح، قد تصبح القطط جواسيس ناجحة، وأن قطة موصولة بأسلاك لتسجيل الصوت ستكون قادرة على التجول دون أن يلاحظها أحد، وباستخدام الإشارات الصوتية، يمكن التحكم فيها لتذهب حيث ستسجل أصواتًا بالغة الأهمية مثل المحادثات بين القادة السوفيت.

يروي فيكتور مارشيتي، الذي كان سابقًا مساعدًا لمدير وكالة المخابرات المركزية القصة القاسية لمشروع «Acoustic Kitty» قائلًا: «لقد شقوا القطة، ووضعوا البطاريات فيها، وربطوها بالأسلاك، لقد كان الأمر وحشيًّا».

علوم

منذ سنتين
القطة تراك «قطة ضخمة ساذجة!» كيف يفكر حيوانك الأليف فيك؟

بعد كل هذا، كان على القطط الاستخباراتية أن تظل تشبه القطط العادية بدون نتوءات غريبة أو ندوب مريبة، ومن خلال العمل مع اختصاصي معدات الصوت، أنشأت وكالة المخابرات المركزية جهاز إرسال يبلغ طوله ثلاثة أرباع بوصة (1.9 سم) لوضعه في قاعدة جمجمة القط.

خارج المختبر، لم يكن هناك معاملة خاصة للقط الذي أُجريت له الجراحة. كان يتجول عندما يشعر بالملل أو التشتت أو الجوع. وعولجت مشكلات الجوع لدى القط من خلال عملية أخرى.

تشير التقديرات إلى أن النفقات الجراحية والتدريبية الإضافية أدَّت إلى رفع التكلفة الإجمالية للمشروع إلى نحو 20 مليون دولار، حتى أصبحت القطط جاهزة أخيرًا للتعامل مع العالم الحقيقي.

لكن في الرحلة الأولى، صُدمت القطة وقتلتها سيارة أجرة أثناء عبور الطريق، ولم تصل حتى إلى الهدف. وبحلول عام 1967، ألغي المشروع، يقول جيفري ريشيلسون من أرشيف وكالة الأمن القومي لصحيفة «التلغراف»: «لست متأكدًا من المدة التي كانت ستبقى فيها القطة على قيد الحياة بعد العملية حتى لو لم تُدهس».

المصادر

تحميل المزيد