كتب هذا المقال علي رضوي؛ وهو كاتب وفيزيائي وموسيقي باكستاني كندي. إليكم نص مقاله المنشور في جريدة هافينجتون بوست الأمريكية.

لنبدأ بما لن أفعله في هذا المقال؛ فلن أتهمكم بالتزام الصمت في مواجهة الأعمال الوحشية المروعة التي يرتكبها أبناء دينكم حول العالم، فقد أدان معظمكم جماعات مثل داعش بصراحةٍ ووضوح، وبذلتم جهدًا لفصل أنفسكم عنهم، وساهمتم في عزل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” بنجاح وتقويض مصداقيتها بدرجةٍ ملحوظة. كما لن أتهمكم بالتعاطف مع قضايا المتطرفين مثل الجهاد العنيف أو الإجبار على الدخول في الإسلام، فأنا أعلم أنكم تدينون أساليبهم البدائية مثلنا جميعًا، وربما أكثر، بما أن معظم ضحايا الإرهابيين الإسلاميين من المسلمين المعتدلين أمثالكم، وأنا أتفق معكم في ذلك.

ولكنني أرغب في الحديث معكم عن مصداقيتكم التي تتضاءل بازدياد؛ وهو الأمر الذي عبر الكثير منكم عن قلقهم منه. تشعرون بأنكم يُساء فهمكم أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ يتصدر المتطرفون الإسلاميون الصورة ويقدمون أنفسهم باعتبارهم “صوت الإسلام”، والأسوأ أن الجميع يصدقونهم. علامات الإحباط واضحة؛ فقد انتقد عالم الدين رضا أصلان الكوميدي بيل ماهر بضراوة في مقابلة على محطة سي.إن.إن. ردًّا على المقطع الذي يهاجم فيه الأخير الليبراليين لسكوتهم عن انتقاد الإسلام، ولجأ أصلان الغاضب في نهاية الأمر إلى استخدام ألفاظٍ مثل “غبي” و”متعصّب ” لتوضيح آرائه. (وقد اعتذر عن هذا لاحقًا)

سننتقل لحُجج أصلان الأخرى بعد قليل، ولكن لنتحدث أولًا عن أمرٍ قاله لمضيفيه أعلم أنه يمس العديد منكم؛ وهو أن عادةً ما يُصوَّر المسلمون المعتدلون مثلما يُصوَّر نظراؤهم المتطرفون تمامًا، غالبًا ما يكون هذا صحيحًا وغير عادلاً بدرجةٍ كبيرة للمعتدلين أمثالكم. لكن لا يمكنك إلقاء اللوم ببساطة على “جهل” غير المسلمين أو “تعصّبهم” أو على تحيز الإعلام، فالإعلام وغير المسلمين ليسوا أكثر وحدةً من العالم الإسلامي الذي جئنا منه. تكمن المشكلة في أن المسلمين المعتدلين يلعبون كذلك دورًا كبيرًا في تثبيت تلك الصورة حتى إذا لم يتعمدوا ذلك، ومن الهام لفهم ذلك معرفة كيف يبدو الأمر من الجانب الآخر.

هل يبدو الآتي مألوفًا لكم؟

  1. مسلم معتدل يقول أن داعش على خطأ، فأعضاؤها ليسوا مسلمين بحق، والإسلام دين السلام.
  2. يسأل سائل عن الآيات المذكورة في القرآن مثل الآية 89 من سورة النساء التي تأمر بـ “أخذ” الكافرين و”قتلهم(1)، أو الآيتين 12-13 من سورة الأنفال اللتين تقولان أن الله أرسل ملائكةً لتضرب فوق أعناق الذين كفروا وبنانهم، وتهددان بعقابٍ شديد لمن يشاقق الله ورسوله(2). أو الآية 33 من سورة المائدة التي تقول بوجوب قتل وصلب الذين “يسعون في الأرض فسادًا”(3) (وهي عبارة مبهمة يُعتقد أنها تشمل الإلحاد والردة). أو الآية 4 من سورة محمد والتي تصف أيضًا ضرب رقاب الكافرين الذين يحاربهم المسلمون أثناء الجهاد (4).
  3. يجيب المسلم بالدفاع عن تلك الآيات لكونها كلمات الله، ويصر على كونها قد اقتُطِعت من سياقها، أو سِيء فهمها أو أنها مجازية، أو أنها قد تُرجِمَت ترجمةً خاطئة.
  4. يصر المسلم على دفاعه عن النص رغم عرض ترجمات متعددة له أو إخباره بأن بعض هذه الفقرات (التي تتشابه مع بعض الفقرات في كتبٍ مقدسة أخرى) مريبة في أي سياقٍ كان.

سينتهي مثل هذا النقاش في بعض الأحيان إلى تصنيف السائل باعتباره يعاني من الإسلاموفوبيا، أو اتهامه بالتعصب كما فعل أصلان مع ماهر ومضيفي محطة سي.إن.إن.، وهو ما قد يدفع بشدة وفعالية إلى إنهاء النقاش، فلا أحد يرغب في أن يُنعت بالتعصّب. ولكن ضع نفسك في محل مستمعيك من غير المسلمين، هل هم حقًّا من يربطون الإسلام بالإرهاب؟ نحن محاطون بصورٍ ومقاطع فيديو لجهاديين يصيحون “الله أكبر” ويقتبسون آياتٍ من القرآن قبل قطع رأس شخص ما (عادةً ما يكون غير مسلم) أو تنفيذ تفجيرٍ، أو حشد الآخرين للمعارك. من الذي يصنع هذا الرابط؟ ماذا كنت لتفعل إذا كان الموقف معكوسًا؟ ماذا يفترض أن يظن غير المسلمين حين يدافع المسلمون المعتدلون أمثالكم عن الكتاب والكلمات ذاتها التي يقتبسها هؤلاء الأصوليون بسهولة تبريرًا للقتل باعتبارها كاملة ومنزهة عن الخطأ؟

يأسف رضا أصلان كغيره من المعتدلين لهؤلاء الذين يقرأون القرآن حرفيًّا، وهو ما نتفق عليه نوعًا ما؛ ففكرة قراءة القرآن حرفيًّا – أي كما كتبه الله تمامًا- تقلقني كما تقلق رضا. يصر العديد منكم على تفسيراتٍ بديلة، أو نوعٍ من القراءة المجازية؛ أي شيء لتجنب قراءة الكتاب المقدس كما هو مكتوب بالفعل، أي رسالةٍ يرسلها هذا الأمر في اعتقادكم؟ إنه يدل لمن ينظر من الخارج على أن هناك شيئًا مفقودًا فيما تدعون أنه كلام الله الكامل، فأنتم تدعون المستمع بطريقةٍ ما لاحترام تفسيراتهم لتلك الكلمات أكثر من الكلمات المقدسة نفسها، ومن الواضح أن هذا لا يصب في مصلحة الكتاب الإلهي. فوضع ذلك جنبًا إلى جنب مع الادعاءات بإساءة فهم الكتاب على نطاقٍ واسع يجعل الكاتب يبدو إما ضعيفًا أو عاجزًا. أعلم أنكم لا ترغبون في إيصال تلك الرسالة، فقد كنتُ مكانكم قبل ذلك، ولكن من الضروري فهم سبب وصولها بتلك الطريقة للعديد من غير المسلمين.

لكي يُفسّر أي نوعٍ من الأدب مجازيًّا فيجب أن يكون على الأقل معبّرًا عن الفكرة الأصلية، فالغرض من المجاز تفسير الأفكار وتوضيحها لا تشويهها وتعقيدها. فعندما تتحدث الكلمات الحرفية عن عنفٍ صارخ ولكن يُدّعى أنها تعني في الحقيقة السلام والوحدة، فنحن ننتقل إلى دائرة التحريف والتحوير وليس إلى منطقة التفسير والمجاز. كان يمكن أن أضع حُجتكم في الاعتبار إذا كان هذا الفصل قاصرًا على آيةٍ أو اثنتين فقط، أو إذا كان تفسيركم متفقًا عليه من كل مسلمي العالم، ولكن للأسف ليس أي من هذين الاحتمالين صحيحًا.

ربما تهز رأسك الآن بينما تقرأ هذه السطور، أعلم أن تفسيراتك مقنعة للغاية لأصدقائك المؤمنين، وهذا متوقع، فعندما لا يرغب الناس في التخلي عن عقيدتهم أو ضميرهم سيتمسكون بأي شيء يجدونه لمحاولة التوفيق بينهما. ولكن صدقوني يبدو ذلك كله مربكًا خارج نطاق أصداء الصوت التي تسمعونها، لقد تناقشت مع بعض الليبراليين الغربيين الذين يعترفون أنهم لا يجدون تلك الحجج مقنعةً، ولكنهم يمسكون عن إبداء آرائهم خوفًا من الاتهام بالإسلاموفوبيا أو رغبةً في دعم المعتدلين في المجتمع الإسلامي الذي يشترك معهم في هدف محاربة الجهاد والتطرف. إن العديد من حلفائك الليبراليين صادقين حقًا، ولكنك قد تندهش من عدد من لا يخبرونك برأيهم الحقيقي بسبب الخوف أو اللياقة السياسية، فالفرق الوحيد بينهم وبين بيل ماهر أن الأخير يعبر عن رأيه بالفعل.

هذا للأسف هو ما يقلل من مصداقيتكم، هذا هو ما يجعل المسلمين المعتدلين العقلانيين يبدون متناقضين بدرجةٍ ملحوظة، كما أنكم تشجعون المتعصبين ضد المسلمين – وإن كان عن غير علم- بتضييق مسافات الاختلافات بينكم وبين المتطرفين رغم حسن نواياكم. تدينون كل الأفعال البشعة التي تُرتكب باسم دينكم، ولكن عندما يُدلَّل على الأفعال ذاتها بآياتٍ من كتابكم، تسخرون كل قدراتكم للدفاع عنها. يظهر ذلك بمظهر إما الإنكار أو المراوغة، مما يجعل النقاش الصريح مستحيلاً، يمثّل ذلك معضلةً واضحة. إن الاعتقاد بكون القرآن كلام الله غير القابل للشك من أصول العقيدة الإسلامية، وتعتنقه الأغلبية الواسعة من المسلمين حول العالم سواءً كانوا أصوليين أم تقدميين، ويعتقد العديد منكم أن التخلي عن هذا الاعتقاد يساوي الخروج من الإسلام، وأنا أفهم ذلك، ولكن هل يجب أن يكون الأمر بهذه الصورة؟

لقد نشأت فردًا في أسرةٍ مسلمة في عدة دولٍ ذات أغلبية مسلمة، وكنت أسمع النقاشات حول الإصلاح الإسلامي منذ الصغر، ووصلت في نهاية الأمر إلى الاعتقاد بأن الخطوة الأولى لأي نوعٍ من الإصلاح الجوهري هي إعادة النظر في مفهوم عصمة النص بجدية. ولا يقتصر هذا الاعتقاد عليّ فقط، بل يتحدث كذلك المسلم الملتزم ماجد نواز بصراحة عن الاعتراف بالمشاكل الموجودة في القرآن، كما دعت فاطمة نظير في مقالٍ جريء في جريدة “هافنجتون بوست” المسلمين إلى إعادة النظر في مسألة عصمة القرآن، هل هي على حق؟ ربما تبدو هذه الفكرة صادمةً في البداية ولكنها ممكنة، بل سبق تنفيذها بالفعل.

لقد نشأت في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية قبل ظهور الإنترنت، كان لدينا معلمًا خاصًا يعلمنا بعد المدرسة كيفية قراءة وترتيل القرآن باللغة العربية الفصحى؛ لغة القرآن. كانت عائلتي من بين أغلبية العالم الإسلامي – المتكون من 6,1مليار مسلم- التي لا تتحدث العربية – والمتركزة في بلادٍ مثل إندونيسيا والهند وباكستان وتركيا وإيران-، ولكن الملايين منا يمكنهم قراءة القرآن بالعربية حتى إذا كنا لا نفهمه. يوضع القرآن في أعلى مكانٍ ممكن في معظم البيوت الإسلامية، وفي منزلنا كان مكانه أعلى مكتبةٍ طويلة، لا يمكن لمس القرآن سوى بعد الوضوء، لا يمكن للنساء قراءته أو لمسه أثناء الحيض. يُقرأ القرآن بأكمله خلال صلاة التراويح (عند المسلمين السنة) في شهر رمضان المبارك، ويوضع على رؤوس العرسان والعرائس في الكثير من المجتمعات المسلمة عند الزواج للحصول على البركة، ويُعد إنهاء أحد الأطفال قراءة القرآن كله للمرة الأولى حدثًا هامًا فتُقام الاحتفالات وتُمنح الهدايا.

ولكن قبل ظهور الإنترنت نادرًا ما كنت ألتقي أحدًا قد قرأ القرآن حقًّا بلغته الأم؛ حتى من بين المتدينين الأتقياء، كنا نكتفي فقط بما نسمع من الكبار، فلم نكن نستطيع البحث على موقع جوجل للتحقق من الأمور على الفور كما نفعل الآن. كانت هناك الكثير من الأمور المذكورة في القرآن والتي لم نعلم عن وجودها شيئًا، وكنا مثل رضا أصلان نعتقد خطأً أن العقوبات القاسية التي تطبقها السعودية مثل قطع الرأس وبتر الأيدي ثقافية وليست دينية، علمنا فيما بعد أن القرآن يقول بقطع الرأس ويأمر بوضوح في الآية 38 من سورة المائدة(5) بقطع أيدي السارق والسارقة.

كما أن هناك أمورًا أخرى يُعتقد أنها مذكورةً في القرآن رغم أنها ليست مذكورة بالفعل، مثل الحجاب أو البرقع اللذين لم يُذكر أيهما في القرآن، كما لا يُذكر الرجم حتى الموت، فهو مذكور في الحديث – وحتى في العهد القديم- ولكن ليس في القرآن. لا نجد ذكرًا لختان الذكور أو الإناث في القرآن، ولكن ذُكر كلاهما في الأحاديث. عندما كان أصلان يناقش ختان الإناث تجاهل ذكر أن المذهب الشافعي يستند إلى تلك الأحاديث في اعتبار ختان الإناث فريضة، والمدارس الثلاث الأخرى تعتبرها فضيلة، لذا نجد نسبة ممارسة ختان الإناث 86% على الأقل وتؤيدها أكثر من 90% من الأسر في إندونيسيا؛ أكبر دولة إسلامية في العالم ويتبع معظم مواطنيها المذهب الشافعي، وهي الدولة التي قال أصلان أن النساء فيها يتمتعن بالمساوة مع الرجال بنسبة 100%. وتزيد نسبة ممارسة ختان الإناث عن 90% في مصر؛ وهي أكبر دولة مسلمة عربية في العالم. وهكذا نجد أنه برغم كون ممارسة بتر الأعضاء التناسلية للإناث والذكور عادة سابقة على الإسلام، إلا أنه من غير الدقيق القول بعدم وجود صلة بينها وبين الدين.

لم أستطِع الوصول إلى تلك المعلومات على نحو موثوق خلال نشأتي، ولكن مع ظهور الإنترنت ظهرت المعلومات، فجأةً أصبح باستطاعة أي طفلٍ في الثانية عشرة البحث عن ترجماتٍ متعددة للقرآن في موضوعاتٍ بعينها وبعشرات اللغات، لم يعُد شيء مخفيًا، كان كل شيء متاحًا. فعندما اقتبس قاتل “لي ريجبي” آياتٍ من سورة التوبة(6) لتبرير أفعاله كان بإمكاننا تصفح الانترنت ومعرفة ما كان يقوله، وعندما تدّعي داعش التأييد الإلهي لأفعالها باقتباس الآية 33 من سورة المائدة(7) والآية 4 من سورة محمد(8) يمكننا الاطلاع عليهما بأنفسنا ومعرفة الصلة.

ليست هناك حاجة للقول بأن هذه مشكلة خطيرة للغاية يجب عليكم مواجهتها، فعندما يرى الناس المسلمين المعتدلين يصرون على كون الإسلام دين السلام بينما يدافعون عن تلك الآيات ويدعون أنها قد أسيء فهمها يبدو الأمر متناقضًا. وعندما يقرأون تلك الآيات ويرون المتطرفين ينفذون ما جاء بها تمامًا يبدو الأمر متسقًا، وهذا مخيف. عليكم فهم هذا الأمر، أما أن تصيحوا “عنصري” في وجه كل النقاد كما فعل بن افليك في وجه بيل ماهر وسام هاريس الأسبوع الماضي، فلن يحل هذا المشكلة. (كما أنكم إذا كنتم تعتقدون أن انتقاد الإسلام عنصرية فأنتم تقولون أن الإسلام كله عِرقٌ واحد محدد، هل تعلمون ما يُطلَق على ذلك؟)

نعم، من الخطأ ومن الظلم الحكم على دينٍ بسبب أفعال معتنقيه، سواءً كانوا مسلمين تقدميين أو تنظيم القاعدة، ولكن من الملائم والسليم عقليًّا الحكم عليه بمحتوى نصوصه الشرعية؛ وهي النصوص المتاحة الآن على الإنترنت ويمكن لأي شخصٍ الاطلاع عليها بضغطة إصبع. إنكم بحاجة إلى التعامل بشكل أفضل مع الأسئلة المشروعة التي يسألها الناس فيما يتعلق بمعتقداتكم وكتابكم المقدس، فاعتبار كل شيء خاطئ أو مزعج مجازًا أو خطأ في التفسير لن يحل المشكلة، وكذلك لن يحلها نعت السائل بالتعصب.

فكيف إذن تجيبون على تلك الأسئلة؟ قد يكون من المفيد في بادئ الأمر قراءة النصوص الإبراهيمية الأخرى بالإضافة إلى القرآن، عندما تفعلون ذلك ستجدون أن العهد القديم يحتوى، مثل القرآن – وربما أكثر- على العنف، فنجد فيه رجم الملحدين(9) والزُناة(10) وقتل المثليين(11)، وعندما تصل إلى الآية العاشرة من الإصحاح العشرين في سفر التثنية(12) ربما تجزم أنك تقرأ كتابًا لقواعد حكم داعش. ربما تتساءل كيف يمكن ذلك؟ كتاب اليهود لا يختلف كثيرًا عن كتابي، كيف إذًا يكون معظمهم علمانيين؟ كيف لا يأخذ معظمهم كلام التوراة/ العهد القديم بجدية شديدة؛ وهو الكلام الذي يُعتقد أنه كلام الله الذي أوحى به لموسى كما أوحى لمحمد بالقرآن، ومع ذلك يحافظون على هويتهم اليهودية بقوة؟ هل يمكن أن يحدث ذلك للإسلام والمسلمين؟

الإجابة كما يتضح مما سبق، نعم بالطبع عن تجربة، يجب أن يبدأ الأمر بفصل الهوية الإسلامية عن هوية المسلمين من خلال الاتحاد على نحوٍ مجتمعي وليس أيدولوجي. فالإجماع على أيدولوجية مستحيل، والعنف المذهبي الذي يغزو العالم الإسلامي وتسبب في قتل مسلمين أكثر من أي جيشٍ أجنبي دليلٌ واضح على ذلك، ولكن الاتحاد على نحوٍ مجتمعي هو ما يدفع أي مجتمعٍ للأمام. انظروا إلى الأديان الإبراهيمية الأخرى التي خضعت للإصلاحات، لقد مرت اليهودية والمسيحية كما تعلمون جيدًا بعصورٍ مظلمة مدفوعة بالعنف؛ فأنتم تذكرون هذا الأمر كلما أتيحت الفرصة، وأنتم محقون، ولكن كيف تخطوا هذه العصور؟

بينما يعارض البابا تحديد النسل والإجهاض والجنس خارج إطار الزواج فإن معظم الكاثوليكيين اليوم مؤيدون لحرية الاختيار ويحددون النسل ويمارسون الجنس كما يحبون، معظم اليهود علمانيون والعديد منهم يعرفون أنفسهم باعتبارهم ملحدين أو لا أدريين بينما يحتفظون بالطابع اليهودي، ربما يتعرض المرتدون والزنادقة في تلك المجتمعات لبعض المضايقات لكنهم لا يتعرضون للقتل.

يتناقض هذا تناقضًا صارخًا مع العالم الإسلامي حيث تؤمن أغلبية الناس في الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل مصر وباكستان بأن من يرتدون عن الدين يجب أن يُقتلوا(13)، طبقًا لدراسة أجراها معهد بيو في عام 2013(14). فهم يهتمون لحد الهوس بمن يمثل المسلم “الحق”(15) ومن لا يمثله، وهم يسارعون إلى الدفاع عن دينهم في وجه رسامي الكاريكاتير وصناع الأفلام أسرع مما يسارعون لإدانة من يرتكبون الفظائع باسم هذا الدين. (ولكن المعارضة الصارمة العالمية تقريبًا لداعش من المسلمين تطورًا ملحوظًا)

لقد فقدت كلمة “معتدل” مصداقيتها، لقد أشار فريد زكريا إلى معتدلي الشرق الأوسط باعتبارهم وهمًا(16)، وحتى التبريريين مثل ناثان لين يشيرون إلى أن استخدام هذه الكلمة ليس مفيدًا(17). إن الإسلام بحاجة لمصلحين وليس لمعتدلين، وكلمة الإصلاح لا تتماشى جيدًا مع كلمة العصمة.

الغرض من الإصلاح هو تغيير الأمور وتعديل النظام وتوجيهه في مسارٍ جديد، ولإصلاح شيء ما يجب الاعتراف بتلفه – ليس بكونه يبدو تالفًا، أو يُصوَّر عن خطأ بأنه تالف- ولكن بأنه تالف، وستكون هذه الخطوة الأولى نحو الإصلاح. إذا كان هذا يبدو راديكاليًّا للغاية فكروا في النبي محمد نفسه؛ الذي طُرِد من مكة لكونه متمردًا راديكاليًّا يحارب قريش، فكروا في سبب صلب المسيح عيسى، لم يستسلم هؤلاء الرجال ولم يخجلوا من تحدي أكثر أسس الأوضاع القائمة حينها قداسةً. لم يكن هؤلاء الرجال “معتدلين” بالتأكيد بل كانوا راديكاليين ومتمردين ومصلحين، وهكذا يحدث التغيير. تبدأ كل الثورات بالتمرد، بدأ الإسلام نفسه بهذه الطريقة، فتحدي الأفكار المثيرة للجدل ليس تعصبًا وليس كفرًا، ولكنه سُنّة، فاتّبعوها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد