المكان: بومبي القديمة، الزمان: القرن الأول للميلاد، أحدهم شعر بالملل وهو مستندٌ إلى جدار، نهض وكتب:

«عزيزي جدار: إنني أتساءل، كيف لم تتهدم وتتحول إلى حطام وأنت تسجل كل هذا الملل بحضورك؟!».

*هذا الجرافيتي المكتوب باللاتينية أصبح أول توثيق في التاريخ لكلمة ملل على الإطلاق. صاحبه كان سيشعر بالمتعة لو علم بهذا الأمر.

تناقضت كتابات الفلاسفة والأدباء عن الملل – الضباب الصامت كما يسميه مارتن هيدجر – عبر التاريخ، كتب عنه جيامكو ليبوباردي Giacomo Leopardi: «إنه أرقّ وأرفع المشاعر الإنسانية، إنه يوحي بحقيقة أن الروح البشرية في حسٍّ ما أعظم من كل ما في هذا الكون، إنه تعبير عن رغباتنا الدفينة لإيجاد أي شيء في الكون يمكن أن يشبع أرواحنا وحاجاتنا». في حين كتب عنه سورين كيركجارد Soren Kierkegaard بأنه: «جذر كل الشرور».

ما هو الملل إذًا؟

عرّفته سيكولوجيًّا عالمة النفس سينثيا فيشر: حالة غير سارة يدخل فيها المرء في شعور بنقص في الاهتمام، وفقدان التركيز بنشاطٍ حالي. فيما وصفه طبيب النفس مارك ليري بأنه: «تجربة عاطفية مرتبطة بعمليات الانتباه المعرفية». إذًا الملل ليس مزاجًا، ليس اضطرابًا، إنه شعور.

مارتن هيدجر Martin Heidegge، الفيلسوف الشهير، كان مهووسًا بالملل، قام بتحليله وتنظيره والحديث عنه حتى الملل!

هنا وصف لطيف كتبه عام 1920 عن شخص يشعر بالملل حتى الصميم:

«أنت تجلس الآن في محطة قطار قديمة صغيرة فارغة، أمامك أربع ساعات حتى يصل قطارك القادم، لا شيء من محيطك يلهمك لفعل شيء ونعم معك كتاب، تفكر: هل تقرؤه؟ لا ليس لك مزاج للقراءة. هل تستطيع تقليب أمرٍ ما في رأسك؟ وتثير بعض التساؤلات حوله ربما؟ لا ليس لديك القدرة لفعل ذلك أيضًا، تذهب لقراءة جدول وصول القطارات تحسب مسافات افتراضية لوصولك من هذه المحطة إلى أماكن لا تعرفها حتى! تنظر إلى ساعتك، أوه! لقد مرت نصف ساعة فقط! تخرج إلى الطريق تتمشى جيئة وذهابًا فقط ليكون لك شيء ما تفعله لكن لا فائدة، تبدأ بعدّ الأشجار الموزعة على طول الطريق، تنظر إلى ساعتك مرة أخرى، لم يمض سوى خمس دقائق منذ آخر مرة نظرت إليها!».

هل تأخر الإنجليز حتى عرفوا الملل؟

الفعل ملَّ «bore» لم يدخل الإنجليزية إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ميلادي، في هذه الفترة ظهرت فلسفة «موت الإله»، أصبحت فلسفة يعتنقها الكثير وانتشر الحديث عنها والنقاش فيها، كلمة ملل هنا أشارت إلى اليأس وفقدان المعنى الوجودي، عن صراع ومواجهة الميتافيزيقا مع العدم داخل الشخص، وظهرت هذه الكلمة كثيرًا في أعمال أدبية لكتاب عدة، جوستاف فلوبير Gustave Flaubert على سبيل المثال:

«أليس إيجاد المعنى (عدم الملل) هو أحد أهم أهداف حياتنا على الإطلاق؟».

بمعناها الحالي، دخلت كلمة ملل «boredom» اللغة الإنجليزية عام 1852 في كتاب تشارلز ديكنز المنزل الكئيب Bleak house الذي تكون فيه الشخصية الرئيسية امرأة من عصر الثورة الصناعية، من طبقة اجتماعية رفيعة، لم تكن تعمل، وتمضي كل أحداث الرواية وهي تشتكي من شعورها بالملل، لديها الكثير من الخيارات التي تغمرها فلا قادرة على فعل شيء.

أمران ممتعان يجب التنويه لهما هنا في هذه الرواية:

– ظهرت الكلمة أول مرة في الإنجليزية في عصر الثورة الصناعية.

– تم ربط مفهوم الملل بمفهوم الخيارات الكثيرة.

قبل الثورة الصناعية لم يكن للناس ملل. لأن طبيعة حياتهم حينذاك كانت «خاملة» والخمول هنا يختلف عن الملل، إذ إنه يشير إلى أن طبيعة الحياة هي بالأصل هادئة رتيبة، الملل جزء منها بشكل إيجابي. لكن مع حدوث الثورة الصناعية أصبح شعور الملل مرتبطًا نوعًا ما بالجانب الأخلاقي لدى البشر بحيث أصبح البقاء دون فعل شيء والشعور بالملل هو أمر خاطئ.

الملل المفرط، مفردة ظهرت عام 1980، «ربما عودة الملل مرتبطًا بلفظ كهذا «مفرط» لأنه في الثمانينيات بدأ عصر الترفيه الدائم» – يقول بيتر توي Peter Toohey، مؤلف كتاب: الملل، تاريخ حيّ، «أذكر أن التلفاز بدأ في الانتشار في بلدي أستراليا، وشاع حينها أن هذا الجهاز سيفقد الناس القدرة على الترويح عن أنفسهم وسيجعل الناس معتمدين بشكل بائس عليه باعتباره مصدرًا للتخلص من الملل».


قسم عالم النفس الألماني مارتن دولمان Martin Dolehman الملل إلى نوعين:

  • الملل الوجودي Existential Boredom: وهذا النوع الذي يتناوله الفلاسفة غالبًا بعمق ويربطونه بمسائل وجودية كبيرة. وضّحه لاريس سفيندسين Lars Fr. H. Svendsen صاحب كتاب: فلسفة الملل قائلًا: الحياة لا تعطي معنى أبعد مما هي عليه، وعدم وجود معنى للحياة يخلق هذا الملل العميق المستمر بلا نهاية.
  • الملل الظرفي Situational Boredom: قام البروفيسور بيتر توي بتقسيمه إلى قسمين:

-الملل البسيط Simple Boredom: الملل قصير المدى وهو بمثابة منبه يلفتك بعيدًا عن وضع غير محبب مرتبط بحالة معينة أو حدث معين ينتهي بانتهائه، إذًا هو قصير المدى وله نهاية.

-الملل المزمن Chronic Boredom: هو بشكل ما تكثيف للملل البسيط، تكرار الشعور بالملل في غالب الأحداث البشرية اليومية، هذا النوع طويل المدى قد يكون بسبب مشاكل سيكولوجية جسدية سيتم الحديث عنها لاحقًا وينتهي بانتهائها.

اللفظة الأكثر حداثة فيما يتعلق بالملل هي لفظة الملل المصغر Micro-Boredom تشير إلى لحظات الملل التي يقضيها المرء بين أحداث يومه، لحظة الوقوف في طابور على سبيل المثال، وهذه اللفظة ظهرت خصوصًا في مجال التسويق والإعلان كلحظات مهمة يمكن الاستفادة منها إلى أقصى حد للترويج لمنتج ما، لكنها لم تصنف نوعًا مستقلًا من أنواع الملل.

«الثيسوفوبيا Kathisophobia Thaasophobiaهي الشعور بالخوف من الملل، أصلها من الكلمة اليونانية Kathiso التي تعني الجلوس دون فعل شيء».

كيف يقاس الملل؟

في عام 1986، اخترع العالم Norman D. Sundberg اختبارًا لقياس الملل: Boredom Proneness Scale BPS. الاختبار مكون من 28 فقرة على مقياس مقسم لسبعة مستويات من (لا أتفق إطلاقًا) مرورًا بـ(محايد) إلى (أتفق بشدة). يقيس ميل الفرد للملل اعتمادًا على سهولة أو صعوبة تشتيت انتباهه. المعدل الطبيعي للملل نتيجته تتراوح بين 87-177 لكل الفقرات. 81 وأقل أنت لا تمل كثيرًا. 117 وأكثر أنت مغمور بالملل. لكن النقطة المهمة هنا:

هل هذا الاختبار يتحدث عن الملل فقط؟

قد تكون عواقب الملل خطيرة!

من السهولة ربط الملل بالمشاعر الأخرى من خلال نتائج اختبار الملل، فالأشخاص القادرون على تسمية مشاعرهم وعندهم وعي مرتفع بالذات غالبًا يملون أقل، لكن هذا لا يعني أننا نحكم على الأشخاص قليلي الملل أنهم لا يعرفون أنفسهم جيدًا.

المشكلة هنا قد تكون ذات بعد جسدي، ولها أثر نفسي خطير.

إن الأشخاص الذين تحتوي أدمغتهم على عدد أقل من مستقبلات الدوبامين يميلون أكثر للحاجة للإثارة والمتعة ليكونوا متحفزين لذلك، دائمًا يرافقهم الشعور بالملل في غالب أنشطتهم اليومية، ربما معناه أن (الملل المزمن) كما صنفناه في أنواع الملل أعلاه، قد يكون عارضًا دالًا على كيفية عمل دماغك، إذ قد يقود نقص مستقبلات الدوبامين إلى حدوث مشاكل نفسية جدّية كالاكتئاب، الهلع، الإدمان، العدائية، ضعف التحصيل الدراسي، قلة الإنتاجية في العمل. الأمر جادّ فيما يتعلق بالملل المزمن وربطه بالصحة النفسية، حتى إن المركز الرئيسي لتعاطي المخدرات والإدمان أكد أن هناك ثلاثة عوارض رئيسية تنبه إلى تعاطي المراهقين للمخدرات:

1- قلق زائد.

2- صرف غير مسؤول للمال.

3- ملل زائد.

«في تقرير من مركز بيث الطبي في نيويورك أفاد بأن: مستويات الملل لدى المدمنين المقلعين هي المؤشر الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه لاختبار ما إذا بقي المدمن المتعافي نظيفًا من المخدرات أم لا».

الملل هو نسخة مخففة من القرف!

في (عجلة المشاعر) لعالم النفس روبرت بلتشكز Robert plutchick’s الذي يعتمد على ثمانية مشاعر أساسية (مثل: السعادة، الحزن، الغضب، التفاجؤ، القرف) ثم يصنف منها مشاعر ثانوية (مثل: التعاطف، الخجل، الشعور بالذنب، الفخر، الامتنان). هنا يصنف الملل شعورًا ثانويًا بأنه نسخة مخففة من الشعور بالقرف.

عجلة المشاعر، روبرت بلتشكر

وجود المشاعر عند الإنسان ليس أمرًا اعتباطيًا زائدًا؛ وجودها، بكمية طبيعية طبعًا، له غرض مهم ذو طابع تكيفي ساعد في بقائنا حتى هذه اللحظة.

القرف شعور مكروه، غرضه أنه يعمل كمُنبِّه يبعدنا عن الأشياء التي تبدو عفنة، سامة، وذات رائحة كريهة، والتي بصفات كهذه قد تشكل خطرًا على صحتنا في صفاتها الظاهرة. وكنسخة مخففة من القرف، يقوم الملل بحمايتنا من الرتابة (التي تقوض الدوبامين) من الأمور المتشابهة التي لا تخلق في أدمغتنا أي نوع من (التحفيز) مما يدفعنا إلى القيام بأمور أخرى جديدة مليئة بالتحفيز.

دماغنا يحتاج إلى الملل

أظهرت الصور المغناطيسية أن نشاط أدمغتنا أثناء الملل يساوي تقريبًا نفس نشاطها أثناء قيامها بأي نشاط آخر بفارق 5% فقط. وتظهر الصور أيضًا أنه في حالة الملل يظهر نشاط كبير في مناطق من الدماغ مسؤولة عن استدعاء الذاكرة الشخصية للفرد ومراجعة أفكار ومشاعر الآخرين، واستحضار أحداث افتراضية وإنشاء التخيلات.

«أدمغتنا بحاجة إلى توازن مناسب يستطيع كل شخص من خلاله أن ينجز ويحافظ على ما يسمى (الدفق) Flow وهي حالة من التركيز الشديد يدخل فيها الشخص حين ينغمس كليًا في نشاط يجذبه بشكل آسر بحيث يفقد معه الشعور بالوقت« *عالم النفس Mihaly Csikszentmihaly.

نقص التحفيز في الدماغ – الذي يعني نقص الدوبامين – قد يدفع في حالات متطرفة إلى خلق تحفيز خاص به على شكل هلوسات أملًا منه في إيجاد نقطة ما تخرجه من الملل وتمنع حدوث أذى نفسي أو عقلي، نعم دماغنا يعاني من الثيسوفوبيا أيضًا. يقول عالم النفس الشهير نورمان دويدج Norman Doidge «لا شيء يسرع في ضمور الدماغ أكثر من بقائه مشلولًا في نفس المحيط، الرتابة تقوض الدوبامين، التنوع هو النقطة الحاسمة لضمان مرونة أنظمة الانتباه داخل أدمغتنا»

التنوع والتحفيز هما الشريكان المطلوبان لخلق وتكوين خلايا عصبية جديدة في أدمغتنا، كما أنهما يطيلان أعمار الخلايا العصبية الموجودة أصلًا. الملل ليس مملًا إذًا، إنه إشارة بصورة ما إلى أننا نمتلك مخًا سليمًا، وأن المخلوقات التي شعرت بأنها تفعل أكثر، تنتج أكثر، تزهر أكثر.

الهاربون من الملل!

كظاهرة متعمقة الجذور في ثقافتنا الحديثة أصبح ميلنا للهروب من الملل جزءًا من كوننا بشرًا. الكثير من الثقافات الحديثة الشائعة مليئة بأمثلة على كسر المعتاد للهروب من الملل، ولكن كسر المعتاد بصورة منتظمة متكررة يصبح مجرد عنصر آخر من عناصر ملل حياة الطبقة المتوسطة الحديثة، فنعود إلى ما كنا نهرب منه، فهل هناك مفر من الملل في عصرنا الحديث إلا إليه؟

هناك عداء جماعي يكنّه مجتمعنا المعاصر تجاه الملل

الثيسوفوبيا (الخوف من الملل) أصبحت سمة العصر الحديث لا الاستمتاع بالملل، أصبح الناس يجيّشون أنفسهم بالأجهزة الذكية والتطبيقات التي لها غرض نفسي عميق، كأن وجودها أصبح وعدًا داخليًا لأنفسهم أنهم لن يملوا أبدًا، ومع الروح الانعزالية للعصر الحديث صارت تعمل كضمانات لا يبقى الإنسان معها وحيدًا، لن تكون في مكان ما دون أن يكون لديك شيء ما تفعله، وهناك الكثير؛ لعبة إلكترونية على الهاتف، خريطة تتبع الطريق، مواقع تواصل اجتماعي.

أربعة مليارات هاتف نقال، ومليار حاسوب شخصي، اثنان ونصف مليون تلفاز، كل ما يحيط بنا الآن، في كل مكان نذهب إليه يتم تشويشنا بكل العوارض التي تتطلب انتباهنا، شاشات ذكية في كل مكان تسعى لمنعنا من الحصول على لحظة ملل واحدة.

«تبدو التطبيقات وهي تطلب انتباهنا بإلحاح كأنها فراخ طيور تغرد لأمها بذلك الصوت المزعج للحصول على الطعام، كأنها تصرخ: أطعميني، أطعميني».

هناك تقارير مخيفة تشير إلى أن أول أمر يقوم به الشخص عند استيقاظه في الصباح هو تفقد أجهزتهم الذكية. الذي يحدث في عصرنا الحديث أن الناس انتقلوا من الشعور بالملل إلى الشعور بالإنهاك وهذا الإنهاك لم يلغ شعورهم بالملل. بل شوّشه وزاد من ثقله. ربما يكون البشر حاليًا بحاجة إلى استعادة قدرتهم على الملل.

ربما يمكننا أن نالحظ الآن أننا لم نعد نرى أشخاصًا جالسين مستمتعين بفعل لا شيء، أشياء صغيرة يمكن فعلها قد تساهم في هذا، فقد ذكرت العديد من التقارير بعض النصائح لهذا الأمر: امض وقتًا وأنت »غير متصل« على كافة التطبيقات، أغلق هاتفك لو لساعة واحدة في اليوم، يومًا واحدًا في الأسبوع، اخرج من المنزل دون وجهة محددة.

على مستوى حكومي، تم تخصيص مساحات عامة للملل، إذ ظهرت حديثًا في بريطانيا وأمريكا قاطرات مترو للذين يودون الجلوس دون هواتف ذكية تسمى (القاطرات الهادئة) يحصل فيها المرء على مساحته من الهدوء.

البشر يعملون أفضل وهُمْ «غير متصلين» في أوقات معينة

فكر بالأمر: عبر التاريخ، الكثير من الديانات والثقافات تطرح فكرة »عدم الاتصال« هذه، في البوذية وثقافتها التأملية قائمة على الانفصال عن المحيط والارتباط بذات داخلية عليا. اليهودية أيضًا »السبت لنا، فيه نوع مختلف من العلاقة مع الزمان والمكان، فيه نصلي، نتأمل ونصوم«. الإسلام وشهر الصيام الذي يمثل نوعًا من عدم الاتصال مرة واحدة في العام.

هناك لافتة في كنيسة كُتب عليها:Turn off your phone and listen to the call of God ، »أغلقوا هواتفكم واستمعوا إلى اتصال الله».

فهل ستغلق هاتفك وتستمع إلى اتصال الملل؟ ربما سينتهي بك الأمر بكتابة جرافيتي ممل سيكون ممتعًا بعد ألفي عام!

(فيديو لتاركوفيسكي يتحدث عن الملل)

عرض التعليقات
تحميل المزيد