أذاع المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغانيّ خبرًا سريًا بتنازل الشاه الإيراني، ناصر الدين شاه القاجاري، عن حقّ إنتاج وبيع وتصدير التبغ الإيراني، واهبًا بريطانيا العظمى احتكارًا خالصًا على تبغ إيران، لتشتعل «ثورة التبغ» التي خلقت تحالفًا قويَّا بين رجال الدين والتجّار، نجح في حقب سياسية حرجة في تاريخ إيران، وقاد «الثورة الدستورية» في بداية القرن العشرين، وأسس لدور قوي لرجال الدين، كان – على المدى الطويل – أحد أسباب «الثورة الإسلامية» في 1979.

نتعرف في هذا التقرير إلى تاريخ إيران في هذه الحقبة، والأسباب التي دفعت الإيرانيين لعدد من الثورات، وسر قوة رجال الدين في الدولة الفارسية في ذلك الوقت، مقارنة بنظرائهم في الدولة العثمانية.

«القرن الطويل».. هكذا بدأ تحكم الغرب في إيران

صعدت سلالة القاجار لحكم إيران عام 1797 بعد حرب قبلية أهلية انتهت بتوحيد إيران وظفر القاجاريين. حكم القاجار إيران منذ 1797 حتى 1925، في قرن يسمّيه المؤرخ البريطاني إيريك هوبزباوم، أحد أهم مؤرخي العصر الحديث، بـ«القرن الطويل»، لكثرة التحوّلات طويلة المدى التي جَرَت فيه، وللآثار العميقة والباقية التي خلّفتها هذه التحولات، إلى الحد الذي يدفع ببعض مؤرخي الشرق الأوسط أن يقولوا إنّ «شرق أوسط اليوم وليدُ القرن التاسع عشر».

في بدايات القرن التاسع عشر، كانت إيران دولة يرأسها الشاه بسلطات مطلقة، وكل ما داخل إيران ملك له، وإذا استُدعيت لفظة «الدولة»، فهي تعني الشاه، والعكس.

كان 40% من سكان إيران بدوًا رُحّلًا يعتمدون في معيشتهم على رعاية المواشي، ويعتمد الشاه على رجالهم لتجنيدهم في قواته وقت الحاجة، أما بقية إيران فسكان مدن يعملون في الحرف والصنعات البسيطة، أو سكان قرى يعملون في الزراعة والرعي.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف تنتهي الثورة «عادة»؟ أشهر ثورات التاريخ تجيبك

ولم تكن البلاد مربوطةً بشبكة من الطرق الممهدة أو شبكة اتصالات تربط البلاد ببعضها، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، ظلّ استعمال الحمير والدواب الوسيلة المعتادة للتنقل والسفر في إيران. لم تكن الدولة ممتدة الأذرع لكل مكان، وإنما كان للشاه قوة من الجندرمة يقوم بإرسالها لتثبيت النظام كلما ظهرت اضطرابات في منطقة أو أخرى.

كلمة الشاه كانت الأولى والأخيرة، ولكن لم تنفذها يده مباشرة، وإنما حكَم القاجار، ومثلهم باقي السلالات الحاكمة في تاريخ إيران، عبر وسطاء وأعيان، من شيوخ القبائل ووجهاء المدن وكبار تجّارها وعلمائها، وملاك الأراضي الكبار، ومن يغدق عليهم الشاه بمناصب وألقاب عليا ويعيّنهم على الولايات المختلفة. يأتي الشاه كالتاج فوق جميع هؤلاء، ويكون أداة الوزن والتوفيق بين مصالح الأطراف المختلفة.

في ذلك القرن، عاش الشرق عمليتي تحوّل وبناء مشتبكتين، تقدّمتا يدًا بيد وعزّزتا بعضهما البعض.

كانت العملية الأولى هي عملية إدماج الاقتصادات المحليّة لكل دولة أو إمبراطورية بالاقتصاد الرأسمالي العالميّ، ليقدّم الشرق، سواء الإمبراطورية الإيرانية أو العثمانية، ما تحتاجه الأسواق الأوروبية من محصول زراعيّ ومواد أوليّة، مثل الحرير الخام، والصوف، والقطن، والطحين، والأرز والأفيون، لتستهلك أوروبا المحصول وتستخدم المواد الأولية في صناعة منتجات نهائية للاستخدام، بقيمة أعلى من قيمة المواد الأولية.

غزت المنسوجات والملابس الأوروبية السوق الإيرانيّ بأسعار أرخص من نظيرتها المصنوعة يدويًا في إيران.

في المقابل تحولت اقتصادات الشرق إلى سوق مفتوح وضعيف أمام الصناعات الأوروبية المتقدمة، التي تصنّع بالآلات الحديثة بكميات كبيرة وكلفة أقل. ومن ثمّ غزت المنسوجات والملابس الأوروبية السوق الإيرانيّ بأسعار شديدة التنافسية وأرخص من نظيرتها المصنوعة يدويًا في إيران بكلفة عالية، وأدّى هذا الاتجاه لتدمير الصناعات اليدوية وحرفيي المُدن.

مع تقدم وتيرة عملية الاندماج مع الاقتصاد العالميّ، سبّب الاقتصار على إمداد أوروبا بالمواد الخام بإبطاء محاولات تطوير الاقتصاد، من زراعيّ بدائيّ إلى صناعيّ قادر على المنافسة؛ إذ إن الربح من النموذج الزراعيّ ومن تصدير المواد الخام أسرع وأسهل، مقارنةً بالتصنيع (Industrialization) المُكلف والذي لم يستطع كثير من الفلاحين الصغار ومتوسطي الأملاك أن يقتنوا آلاته وتقنياته باهظة الكُلَف.

نتيجةً لهذه العلاقة الاقتصادية بين الشرق والغرب، تحوّلت الإمبراطوريتان الإيرانية والعثمانيّة إلى دول هامشية تعمل على إمداد «المركز» الأوروبي الاستعماريّ بما يحتاجه ويطلبه؛ ليظلّ الإنتاج الاقتصادي للشرق بدائيًا في نوعيته، أي يقتصر على إنتاج المواد الخام والزراعة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مثل الثورات العربية.. كيف أدار الأمراء الثورة المضادة في أوروبا

بحلول عام 1914، وصلت نسبة صادرات إيران لروسيا إلى 71.6% من مجموع صادراتها، ولبريطانيا 13.5%، ما مجموعه 85.1%. أي أنّ معظم الصادرات الإيرانية كانت موجهة للسوق الروسي والبريطاني. والعكس صحيح، فمعظم واردات الاقتصاد الإيراني كانت من روسيا بنسبة 55.5%، وبريطانيا بنسبة 27.8%. ولتدبير هذه المصالح الاقتصادية الضخمة لبريطانيا وروسيا، أسّستا بنوكًا في إيران، تشرف على رؤوس الأموال وعلى سداد إيران لديونها.

في الآن نفسه، اضطرت إمبراطوريات الشرق أن تواجه القوة العسكرية الأوروبية الصاعدة.

ترى نيكي كيدي، المؤرخة الأمريكية المختصة بالتاريخ الإيراني، بأن المواجهات العسكرية بين الدولة العثمانية وأوروبا، والخسارة الفادحة لأراضٍ واسعة ذات عوائد كبيرة للدولة، هزّت الإمبراطورية العثمانية من الداخل ودفعتها للتحديث العسكريّ أولًا، ثم تحديث الدولة ونظامها لمواكبة العدوّ الأوروبيّ ومجابهته عسكريًا.

كانت الدولة العثمانية في الواجهة أمام الأوروبيين، ولذا كان الحافز، وفقًا لكيدي، أعلى لدى العثمانيين منه لدى القاجاريين الذين لم يضطروا إلا لمواجهة الروس عسكريًا، وفي الربع الأول من القرن، هزمت روسيا القيصرية إيران القاجارية في الحرب مرتين عام 1813 وعام 1826، وفي كلا المشهدين استحوذت روسيا على أراضٍ إيرانية جديدة.

استدعت عملية اندماج الاقتصاد الإيراني مع الثورة الصناعية بناء جهاز بيروقراطي مركزيّ للإشراف على جمع الضرائب، وفي الوقت نفسه، تطلّبت عملية تحديث الجيش إنفاق موارد مالية ضخمة، وفي الحالة الإيرانية كانت الكلفة أكبر لعدم وجود جيش من الأساس، فكانت المهمة تأسيس جيش نظاميّ حديث.

اعتمد القاجار في سعيهم لبناء دولة بيروقراطية قوية عسكريًّا على أموال الضرائب، وعلى الديون والقروض الأوروبية، فاقترضوا من هذه الدول مقابل تنازلات اقتصادية لها، مثل احتكارات تطوير طرق تربط المدن ببعضها البعض، وخطوط اتصالات تلغراف، واحتكارات واسعة النطاق مثل حق استغلال النفط والمعادن في كل إيران.

علم الدولة القاجارية.

علم الدولة القاجارية.

«ثورة التبغ».. انتفاضة الإيرانيين ضد الهيمنة والاستعمار

في مارس (آذار) 1890، منحَ ناصر الدين شاه لرجل الأعمال البريطاني جيرالد تالبوت حقّ الاحتكار الكامل لصناعة التبغ الإيرانية، بجميع مراحلها، من الزراعة والحصاد إلى البيع محليًا، والتصدير خارجيًا.

في الوقت الذي منح فيه ناصر الدين هذا الاحتكار لبريطانيا، كان في بداية العقد الخامس من حكمه لإيران، وفي تلك الفترة، لم يعد يكترث بأوضاع البلاد الداخلية وتماسكها وأدار ظهره لفكرة الإصلاح السياسي، وهو ما أكسبه عداوات كثيرة، من أهمها عداوته مع جمال الدين الأفغاني.

كانت مضار الاتفاقية أكبر من نفعها، فكانت مدة الاحتكار 50 عامًا، تدفع فيها بريطانيا لخزينة الدولة 15 ألف جنيه إسترليني سنويًا، بالإضافة لربع الأرباح السنوية. وكان مبلغًا تافهًا أمام حجم صناعة التبغ في إيران التي تنتج 9 ملايين ونصف كيلوجرام سنويًا وتصدّر منها 4 ملايين.

ظلَّت اتفاقية الاحتكار خبرًا سريًا لم يعلن عنه مباشرة، فعمل الأفغاني على نشر الخبر، وحرّك بعض دوائره لمهاجمة الاحتكار عبر جرائد إيرانية مُعارضة من المنفى، وتحديدًا من إسطنبول، يكتب فيها ليبراليون ومثقفون منفيون أو فارون من إيران. نُشرت سلسلة مقالات لاذعة، فضحت وجود الاتفاقية وانتقدتها، عبر جريدة «نجم»، المسمّاة بالفارسية «اختر».

واجه بعدها الأفغاني ضغطًا من الشاه، فلجأ لمرقد الشاه عبد العظيم الحسني، وهو شاه من سلالة الحسن بن علي، وللملتجئ وطالب الأمان في المرقد حرمة تحميه من أن يُمس. لكن غضب الشاه طمس هذه الحرمة ودفع به ليرسل جنودًا انتشلوا الأفغاني من المقام عنوةً ونفوه للعراق.

وصل الأفغاني العراق خالي الوفاض، وبعد عام من نفيه استقرّ في إسطنبول بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن مقاومة الأفغاني وأتباعه للشاه لم تتوقف عند هذا الحد.

 المصلح الإسلامي جمال الدين الأفغاني.

المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني.

انتفضَ سكّان المدن من التجار وأبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، فقد أخطأ الشاه هذه المرة بمنح احتكارٍ على صناعة يعمل فيها مئات الآلاف من الإيرانيين، ويستهلكها ملايين آخرون. احتكرت القوى الاستعمارية القطاعات والموارد الأخرى التي لم تكن مُستغلّة في إيران، ولكن التبغ تحديدًا يمسّ كل بيت إيراني، على اختلاف الطبقات والمستويات الاجتماعيّة.

أُسّست شركة توباكو فارس لتشرف على التبغ والمعسِّل (بالفارسية: توتون. وهو التبغ المستعمل في النرجيلة)، وسرعان ما هاجم الإيرانيون مكاتبها ودمروها في عدة مدن.

ضغط الأفغانيّ على إمام الحوزة لينهى عن ما فعله الشاه علنًا، ولكن فضّل الملا ميرزا محمد حسن الشيرازي أن يكتب رسائل خاصة للشاه عوضًا عن الكتابة علنًا فقابله الشاه بالتجاهل، فأفتى بتحريم استعمال التبغ، وبأن «من استعمله كان كمن حارب الإمام المنتظر». في الوقت نفسه نشطَ تجّار «البازار»، السوق المحلّي في المدن، فأضربوا عن العمل، وأضرب معهم الإيرانيون عن استعمال التبغ بعد فتوى الإمام.

انهيار الصناعة المحليّة أمام المنتجات الأوروبية التي أغرقت السوق، والضرائب الكثيفة المفروضة على القطاع الزراعيّ، بالإضافة لاحتكار القوى الأوروبية ووكلائها من تجّار ومسؤولين استعماريين لحقوق الاستيراد والتصدير، وظهور بعثات تبشيرية أوروبية وأمريكية، كل هذه الظواهر مجتمعةً حفّزت مخاوف العلماء من وجود عدوان أوروبي على الإسلام وإيران، وفتحت أعين طبقة المثقفين الجدد على مخاطر الهيمنة والاستعمار الأوروبي على الاقتصاد والدولة.

وفّرت الظروف والسياق الاقتصادي والسياسيّ طوال ذلك القرن خلطةً استثنائية من المعارضين، اجتمعت فيها مخاوف رجال الدين مع المثقفين العلمانيين والليبراليين، ومظالم الفلاحين والحرفيين، وانهيار قوة مالكي الأراضي والتجار، وكانت الوصفة المناسبة لنجاح الانتفاضة الشعبيّة، وهذا ما حصل.

انتهت الاحتجاجات بإلغاء الاتفاقية رغمًا عن الشاه، بعد ضغط رجال الدين وعامة الشعب، لتواجه الدولة غرامةً على إلغاء الاتفاقية قيمتها 500 ألف جنيه إسترلينيّ، وكالعادة في تلك الفترة، لم تكن الدولة تملك المال لتدفع الغرامة، فاقترضت دينًا لسدادها.

كان ما أسهل على الدولة أن تأخذ قرضًا، أو تتحصل على دفعة مالية كبيرة مقابل تنازل الشاه لأحد التجار والرجال الأوروبيين عن حق احتكار إحدى الصناعات أو الموارد.

لماذا مثلت ثورة التبغ بداية نفوذ رجال الدين؟

تحمل «ثورة التبغ» مكانة خاصة في تاريخ الانتفاضات والثورات الإيرانية؛ إذ كانت أول انتفاضة عابرةً للطبقات في عدة مدّن حول إيران، ووحّدت مظالم مجموعات مختلفة داخل المجتمع الإيراني، من العلماء إلى المثقفين العلمانيين، وجمعت الفقراء بأبناء الطبقة المتوسطة والتجار، وكانت أولى الانتفاضات الشعبيّة ضدّ حكم الشاه المطلق، وضدّ الاستعمار ومصالحه في البلاد.

بنى رجال الدين علاقةً وثيقة ومتينة بتجّار البازار، وبنَوا معًا تحالفًا تاريخيًا نجح على الدوام في مراحل سياسية حرجة مختلفة في تاريخ إيران، بدءًا بانتفاضة التبغ، ثم الثورة الدستورية عام 1905 وتداعياتها حتى 1911.

ساعد حلف الحوزة والبازار رجال الدين على مجابهة المثقفين الليبراليين والعلمانيين الراديكاليين. وعلاوةً على الدعم المالي من البازار يتلقّى العلماء الخُمس من أتباعهم تغنيهم عن الدولة ودعمها.

ميرزا رضا كرماني، تلميذ الأفغاني الذي اغتال الشاه الإيراني، ناصر الدين شاه، عام 1896، قبيل إعدامه بقليل. (يمين) ناصر الدين شاه. شاه قاجاري حكم إيران 50 عامًا واغتيل في 1896. (يسار)

عادة، هذا التحالف الشعبيّ العابر للطبقات والمصالح لا يدوم طويلًا، وسرعان ما ينهار بعد انتهاء لحظة الفوران أو تحقيق المصلحة المرجوّة، وسبب هشاشته هو سبب قوته: تنوعه الشديد وجمعه للخصوم السياسيين تحت مظلة واحدة معادية للنظام القائم. لكن القصة في إيران كانت مختلفة.

في الدولة العثمانية، دمج العلماء في جهاز الدولة وأصبحوا جزءًا منه، يعتمدون عليه بشكل مباشر لتحصيل رزقهم ونفوذهم الاجتماعيّ والسياسيّ، ومع سياسات علمنة الدولة والتحديث طوال القرن التاسع عشر تراجعت قوة شيوخ الإسلام العثمانيين وعلماء السنّة، وأصبح بيروقراطيّو الدولة وإصلاحيوها ينظرون للعلماء باعتبارهم عناصر رجعيّة ومتخلفة، لوقوفها في كثير من الأحيان ضدّ الإصلاحات العلمانية الجديدة، التي ستضرّ بشكل مباشر مصالحَ العلماء المادية ومكانتهم الاجتماعية في الإمبراطورية العثمانية.

على النقيض، كان القرن التاسع عشر قرن صعود وقوّة للمؤسسة الدينية في إيران، فمحاولات القاجار لبناء دولة مركزية قوية لم تنجح مثل المحاولات العثمانية، وحافظ العلماء الشيعة على مكانتهم الاجتماعية والمالية مستقلةً تمامًا عن الدولة. وعلى النقيض، كان للسلطان العثماني أن يُعيّن مُفتيي الألوية والمدن، وكانت مناصب «مفتي» و«شيخ الإسلام» مناصب رسمية في الدولة، وليست نابعةً من مكانة العالِم أو رجل الدين عند الناس.

الثورة الدستورية والدولة الجديدة

بعد ثورة التبغ بأعوام، كان ناصر الدين شاه يحتفلُ عام 1896 بمرور 50 عامًا على حكمه؛ نصف قرن من الإصلاحات الهزيلة والمتعثرة، والكثير من القروض والتنازلات، ختمه تلميذٌ من تلاميذ الأفغاني، اخترق الصفوف أثناء زيارة الشاه لمرقد عبد العظيم الحسني، بقتل الشاه وإنهاء عصره في نفس المرقد الذي التجأ إليه أستاذه جمال الدين الأفغاني قبل سنوات وطرده منه الشاه، ليتولى بعده مظفر الدين شاه.

ومع مطلع القرن الجديد أعلنت الحكومة إفلاسها، مع تضخم متزايد وحاد في عامي 1904 و1905؛ فارتفع سعر الخبز 90% والسكر 33%، وطلبَ الشاه الجديد قرضًا قيمته 4 ملايين جنيه إسترليني، واشترطت روسيا وبريطانيا لإعطاء القرض أن تؤسس إدارة لتشرف على كلّ جمارك البلاد، وتقوم بتصريف أموال الجمارك، ولاحقًا أموال الدولة جميعًا، لتتأكد من قدرة القاجاريين على سداد الديون.

حاول مظفر الدين شاه أن يوجّه الأنظار نحو تجار البازار فأمر بعقاب ثلاثة من كبار تجّار السكر بالبازار فجلدوا على أقدامهم وأضرب البازار وأغلق أبوابه ردًا على ما حصل، وطالب رجال البازار بإقالة حاكم المدينة. تبع ذلك أزمات سياسية صغيرة في أرجاء إيران واجهها الشاه أو ولاته بأساليب حققت عكس المطلوب. في إحدى التظاهرات قُتل أحد الأشراف (من السلالة النبوية) بعد صلاة الجمعة، وفي كرمان جُلد مجتهد، وقتل اثنان.

وهكذا، تتابعت الأزمات حتى أعلن في يونيو (حزيران) 1906 اثنان من كبار العلماء، عبد الله بهبهاني والسيد محمد طبطبائي أنّهما وألفًا من تلاميذهما سيلتجؤون للحوزة العلمية في قُم حيث كان يقيم ثالثهم، وهدّد العلماء الثلاثة بترك البلاد نحو كربلاء والنجف، ليتركوا إيران بلا توجيه دينيّ من كبار علمائه، واشترطوا على الشاه عدة مطالب كان أهمها إقامة دار العدل، «عدالت خانة» بالفارسية.

في ذات الأسبوع خرجت أعداد من البازار باتجاه القنصلية البريطانية طالبةً الأمان، وبدأت وفود أخرى باللحاق بهم من تجار البازار والعاملين فيه، والمثقفين من أبناء «دارة الفنون»، وهي مدرسة تحديثية تعلم العلوم الحديثة والأفكار الغربيّة.

وهكذا انطلقت الثورة الدستورية. في ملاذهم في القنصلية ناقش المحتجّون أفكار الدستورية والبرلمان، وتأسيس حكومة تخضع للمساءلة، وانتهى النقاش بإضافة هذه المجموعات المثقّفة لمطلب كتابة دستور على يد مجلس منتخب.

نما الإضراب، وتلاه تهديد بتمرد مسلح، وانشقاق في قوة الفرسان، أهم قوة عسكرية تحمي الشاه، فقرر القاجار أن يتنازلوا، وأصدر الشاه في 5 أغسطس (آب) إعلانًا بانتخابات عامة تؤدي لمجلس تأسيسي لصياغة الدستور.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«وهم الديمقراطية» في إيران.. هكذا يتحكم «مجلس صيانة الدستور» في كل شيء

انطلقت معركة جديدة بين الشاه وأتباعه والثوريين، وفي ذات الوقت بدأت الانقسامات بالظهور بين قوى الثورة لتنوّع خلفياتها الاقتصادية والأيديولوجية، فرؤية العلماء من الحوزة والمرجعيات الدينية مختلفة عن رؤى النخبة المثقفة التي تقرأ كتب الفلسفة الأوروبية، عدا عن اختلاف في المستوى الاقتصادي لأطراف الثورة من حرفيين وعمال، لتجّار البازار. خلَّفت الثورة وراءها اضطرابات سياسية كثيرة، وصراعات بين المركز في طهران وأطراف الدولة الأخرى.

مطلعَ 1907 تولّى الشاه محمد علي العرش في أضعف سلطاته. وبعد عام ونصف، عاد من جديد للقوة العسكرية، وفرض حظر تجوال في طهران، وأمر بقصف البرلمان، وانتهى انقلابه على الدستور بمقتل 250 شخصًا وعزل نواب وفرض الإقامة الجبرية على العلماء.

عاشت إيران عامين من الاقتتال ومقاومة القوى الثورية للشاه، وانتهى انقلابه على الدستور في يوليو 1910، طالبًا اللجوء والنفقة، لتبدأ من جديد سنوات برلمانية دستورية مليئة بالاختلافات والتنازعات.

في ذلك الوقت، كانت إيران ممزقّة داخليًا نتيجةً الاستبداد القاجاريّ، وسط نفوذ خارجي موزع بين بريطانيا وروسيا، وهنا جاءت اللحظة المناسبة للعسكري رضا بهلوي لينفّذ انقلابًا ينهي به هذه الاضطرابات بدعم بريطاني، مؤسسًا ملكية جديدة بدلًا من أخذ إيران خطوة جديدة نحو الجمهوريّة (كما فعلت تركيا)، وعلى يده ولدت الدولة المركزية الإيرانية باسطةً نفوذها شيئًا فشيئًا على الأطراف.

سعى رضا بهلوي لإرضاء رجال الدين في بداية حكمه، فكان يشارك في المناسبات الدينية، وأمر بإغلاق المحال التي تبيع المشروبات الروحية، وأماكن لعب القمار، قبل أن ينقلب في اتجاه مغاير تمامًا بعد أن استتب حكمه، فخلق عبر عقود، من حكمه وحكم ابنه محمد رضا بهلوي، الظروف المناسبة لولادة الثورة الأشهر، الثورة الإسلامية عام 1979.

المصادر

تحميل المزيد