أعاد التقرير الذي أعده جون شيلكوت الجدل حول الدور الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير» في حرب العراق. ويعد «بلير» أحد أبرز السياسيين الذين قادوا الحرب على العراق، ويتهم بترويج معلومات مضللة للرأي العام أسهمت في اتخاذ قرار الحرب.

الجدل الذي أثاره التقرير حول انسياق «بلير» خلف الرغبة الأمريكية، والذي دفعه نحو تقديم اعتذار لم يبد أنه حظي بقبول كبير لم يكن جديدا. فقد سبق أن اتهم «بلير»، ومستشاره الإعلامي الأسبق «أليستر كامبل»، بالضلوع في إعداد ملف حرب العراق الذي وصف بـ«الملف المخادع»، واحتوى على تحريف وتشويه لنتائج استخباراتية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وكشفت تحقيقات لاحقة أن تعديلات طرأت على الملف بأوامر من «كامبل»، لتتلاءم مع خطابات ألقاها الرئيس الأمريكي آنذاك «جورج بوش الابن»، ومسؤولون أمريكيون آخرون، قبل أن يضطر إلى الاستقالة في أغسطس عام 2003.

ولكن يبدو أن «أنشطة بلير المشبوهة» لم تقتصر على دوره مسؤوليته عن النتائج الكارثية للحرب على العراق التي خلفت أكثر من نصف مليون ضحية، وتسببت في تزايد نفوذ تنظيم القاعدة وتمكن الطائفية من العراق وفقًا لما ذكرته صحيفة الجارديان البريطانية في وقت سابق.

ويدير «بلير» مركزًا للاستشارات يحمل اسم «توني بلير أسوشيتس»، أو «توني بلير وشركاه»، ووفقًا لوثيقة سربتها صحيفة «صانداي تايمز» مؤخرًا، فإن مركز «بلير» لديه فرق عمل تعمل مع 10 بلدان في أفريقيا و10 بلدان خارج أفريقيا، إضافة لتلقيه عروضًا للعمل من عشرات الدول الأخرى وفقًا للوثيقة، والتي تضيف نصًا: «لا يوجد تقريبًا أي مكان في العالم الآن لا يمكننا أن نعمل فيه أو نوفر الاتصالات اللازمة سواء سياسيًا أو تجاريًا متى أردنا ذلك».

أنشطة «بلير» الاقتصادية وعمله مستشارًا للعديد من الحكومات التي يتواصل معها بحكم عمله مبعوثًا للرباعية الدولية، قبل أن يضر للاستقالة، أثارت العديد من الشبهات حوله بلغت حد مطالبته بالاستقالة من قبل العديد من السياسيين والصحفيين على رأسهم «كريس دويل» مدير جمعية التفاهم العربي البريطاني، الذي أكد إن «بلير إذا أراد مواصلة عمله مع الحكومات العربية وتوقيع اتفاقات معها فعليه الاستقالة من عمله كونه ممثلا للرباعية؛ لأن هناك تضاربًا واضحا في المصالح».

ومن جانبه، قدم النائب البريطاني المحافظ «أندرو بريجن»، مشروع قرار في يناير 2015، يطالب فيه رئيس الوزراء السابق بالالتزام بالمبادئ التي تحكم العمل العام، وتعرف بـ«مبادئ نولان»، التي تشمل الشفافية والمسؤولية، قائلا: «يعيش الشرق الأوسط فوق نار مشتعلة، ويقوم «بلير»بشكل مستمر بالاستفادة ماليا منه عبر عقود، وهذا مضرّ بسمعة بريطانيا، ويجب عليه الاستقالة كونه مبعوثا للشرق الأوسط.

«توني بلير» والإمارات

 

 

شهدت الاستثمارات الإماراتية في بريطانيا طفرة كبيرة خلال رئاسة «توني بلير» للوزراء، أبرزها استثمارات شركة أبوظبي الوطنية للطاقة في بحر الشمال، ومشروع ميناء لندن المخصص لاستقبال الحاويات الضخمة باستثمارات تصل إلى 1.5 مليار جنيه إسترليني، ومحطة حاويات موانئ دبي العالمية في «ساوثهامبتون»، واستثمارات شركة «مصدر» لإنشاء أكبر مزرعة رياح بحرية لإنتاج الطاقة في العالم.

كل ذلك بالإضافة بالطبع إلى الاستثمارات الرياضية، وأبرزها نادي مانشستر سيتي وملعبه «ملعب الاتحاد»، خامس أكبر ملاعب بريطانيا، إضافة إلى المشاركة في بناء ملعب نادي أرسنال «ملعب الإمارات» وهو ثاني أكبر ملاعب بريطانيا، إضافة إلى رعاية العديد من الفرق الإنجليزية الكبرى وعلى رأسها نادي «تشيلسي»، حاليًا تتعدى قيمة الاستثمارات الإماراتية في بريطانيا قيمة 5 مليار جنيه إسترليني.

أما رحلة «بلير» الشخصية في العمل مع حكام الإمارات فبدأت مع مغادرته منصبه وتوليه منصب مبعوث الرباعية الدولية، حيث أقامت وزارة الخارجية الإماراتية حفلًا لاستقباله، وتشير وثائق صانداي تايمز أن شركة «توني بلير أسوشيتس»، وقعدت عقدًا لتقديم الاستشارات للإمارات العربية المتحدة لمدة 5 سنوات، قابلة للتمديد، بقيمة تتراوح بين 25-35 مليون جنيه إسترليني، ويشمل الاتفاق الإشراف على المشاريع في دول أخرى مثل كولومبيا وفيتنام، وربط رجال الأعمال الإماراتيين وشركات الاستثمار الإماراتية بفرص فيما وراء البحار.

كما تكشف الوثائق السرية الشديدة التي يحيط بها توني بلير أنشطته في الشرق الأوسط، فقد وضع على كل صفحة خاتمَ «سريّ»، مع تحذير أنه لا يجوز تصوير أو إعادة إنتاج الوثيقة أو أي جزء منها بأي شكل من الأشكال دون إذن، وتوضح الوثيقة أن أنشطة «بلير» غالبًا ما تتم عبر شركات صغيرة ووسطاء، وجمعيات خيرية، وأن عمليات «بلير» التجارية تتوزع الآن في 25 دولة، وفي حال أضيفت إليها عمليات مؤسسته الخيرية «فيث»، فسيصل عدد الدول إلى خمسين.

وذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية في وقت سابق، أن «بلير» كان ينوي فتح مكتب في إمارة أبوظبي ضمن خطوة لتوسيع دوره خلف الكواليس كوسيط سياسي وتجاري في الشرق الأوسط. ونسبت الصحيفة في تقريرها لصديق «توني بلير» قوله أن «رئيس الوزراء البريطاني من المقربين لولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد، الذي يشاطره انتقاده الصارخ للجماعات الإسلامية». مشيرة في هذا الصدد إلى أن سمعة «توني بلير» في منطقة الشرق الأوسط أصبحت مثيرة للجدل.

وسيط لشركة نفط سعودية

 

لم تقتصر أنشطة «بلير» في منطقة الخليج على الإمارات؛ ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2014، كشفت مصادر صحفية بريطانية عن قيام شركة «توني بلير» بتوقيع عقد سري مع شركة نفط سعودية تدعى بترو سعودي أسسها كل من الأمير «تركي بن عبد الله» ورجل الأعمال السعودي «طارق عبيد»، ووعدته براتب مقداره 41 ألف جنيه إسترليني شهريًا، بالإضافة الى عمولة في حدود 2% عن كل صفقة يساهم في تسهيلها، حيث وعد بلير أصحاب الشركة بتقديمهم إلى الأشخاص الذين يعرفهم في الصين.

وجاء في الاتفاق المؤلف من 21 صفحة، الذي تسرب للصحف، أن «بلير» سيساعد على إيجاد مصادر استثمار جديدة، إضافة إلى تقديمه الشركة السعودية للقاء مسؤولين كبار في الصين، ولكنه في ذات الوقت اشترط على الشركة أن لا تكشف مطلقا عن دوره إلا بعد موافقته، وقد دافع مكتب توني بلير واحتج بأن العقد استمر لعدة أشهر فقط وأنه لم يتعارض مع دور «بلير» كمبعوث للرباعية الدولية في الشرق الأوسط.

وفي الكويت، وقع «بلير» عقدًا بقيمة 40 مليون دولار مقابل عمل استشاري يقدمه لأمير الكويت لمدة 4 سنوات، ما بين عامي 2009-2012.

تقديم استشارات للنظام العسكري في مصر

 

كما كشفت صحيفة الديلي ميل البريطانية عن زيارة قام بها «أليستر كامبل»، المستشار الإعلامي السابق لـ«بلير» لمصر في مايو (أيار) 2014، ما أثار جدلا حول طبيعة الزيارة وماهية الدعم الذي يقدمه «كامبل» لحملة السيسي، المرشح الرئاسي آنذاك. حيث أن «كامبل» مشهور بدوره في حملات العلاقات العامة، لتحسين صورة «توني بلير» بعد دوره في حرب العراق.

واتهمت الصحيفة «كامبل» وقتها بتقديم الاستشارات لصالح حملة «السيسي» الانتخابية، وهو ما نفاه «كامبل» الذي أكد بعد ضغوط أنه كان في مصر للحديث مع المسؤولين المصريين حول نظرة الإعلام الدولي تجاه مصر.

وجاءت زيارة «كامبل» حينها بعد أسابيع من خطاب شديد اللهجة ألقاه «بلير»، ودعا فيه لدعم الحكومة في مصر،  كما أكد خلاله إن الإخوان المسلمين حاولوا أخذ البلاد، وحرفها عن قيمها الرئيسية.

وفي يوليو (تموز) 2014 قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية، إن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير» وافق على أن يكون مستشارا للرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، كجزء من برنامج تموله الإمارات العربية المتحدة، التي وعدت بتقديم فرص استثمارية هائلة للضالعين فيه، بحسب الصحيفة، وهو ما نفاه «بلير» الذي أكد دعمه للسيسي ولكنه نفى أن يكون قد عمل مستشارًا له.

دعم الأنظمة الاستبدادية

رغم عمل «توني بلير» مبعوثًا للجنة الرباعية (الولايات المتحدة- روسيا- الاتحاد الأوروبي- الأمم المتحدة)، حيث يختص بإقامة مشاورات بين دول المنطقة لوضع إطار لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أنه يبدو أن «بلير» قد انحرف عن أداء دوره واستفاد من علاقات منصبه من أجل تنمية استثماراته الخاصة بما يخالف مقتضيات عمله كمبعوث وسيط، كما لم يبد «بلير» أي تحفظ بشأن السجلات الحقوقية السيئة للدول التي يقدم الاستشارات لحكوماتها.

لم تقتصر نشاطات «بلير» على التعاون مع الأنظمة القمعية على دول الشرق الأوسط فحسب، فالرجل عمل مستشارًا لرئيس كازاخستان «نور سلطان نزارباييف» في عقد يبلغ 13 مليون دولار سنويًا، بينما يتهم ناشطون حقوقيون الرئيس الكازاخي بانتهاك الحقوق الأساسية وقمع المعارضين بلا هوادة من أجل الحفاظ على نظام المحسوبية والمحاباة في تاسع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة.

وفي ذات الصدد ذكرت صحيفة «التليجراف» أن المؤسسة الخيرية التي أسسها رئيس الوزراء البريطاني السابق «توني بلير»، ساعدت رئيس غينيا بنصائح علاقات عامة عقب مقتل متظاهرين معارضين للحكومة برصاص قوات الأمن في فبراير ومارس 2013.

وأوضحت الصحيفة أن «بلير» قدم المشورة للرئيس الغيني، «ألفا كوندي» حول كيفية كسب تأييد الرأي العام في أعقاب تلك الاشتباكات الدامية، وذلك في إطار وثيقة إستراتيجية للاتصالات تتألف من أربع صفحات وضعت لكوندي، من خلال منظمته «مبادرة الحكم في أفريقيا»، والتي توصف في ميثاقها بأنها منظمة خيرية محايدة سياسيًا ولن تتدخل أبدا في السياسات الحزبية.

……………………………………………………………………….
*تم تحديث المقال بتاريخ 7 يوليو (تموز) 2016.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد