بمجرد أن يشعر الإنسان بالحزن، أو الوحدة، أو الصدمة؛ أكثر ما يجول في ذهنه هو صورة الشخص الذي يحبه ويرتاح للحديث معه، وعادة اللجوء لهذا الشخص يكون هو الحل المثالي للخروج من تلك الحالة النفسية السلبية، ولكن هل شعرت من قبل أن بقاءك فترة طويلة مع من تحب وكأنه يستنفد طاقتك؟، أو يتغذى على روحك بشكل غير واع؟

ما يخبرنا به علم النفس أن البقاء فترات طويلة مع الأشخاص الذين نحبهم ليس بالضرورة أن يكون أمرًا إيجابيًا، بل أحيانًا يكون له جوانب سلبية على صحتنا النفسية وشخصيتنا بشكل عام، وقد يكون الإحساس العام المسيطر علينا في هذا الوقت الطويل الذي نقضيه مع أحبابنا هو السعادة، ولكن مع مرور الوقت تتراكم الآثار السلبية في لا وعينا. والسؤال هُنا؛ طالما نحبهم ونرتاح في وجودهم؛ فلماذا البقاء فترة طويلة مع من نحبهم مضر لصحتنا النفسية؟

متلازمة إرضاء الآخرين

يوضح علم النفس أن هناك متلازمة تصيب البعض يُطلق عليها «People-Pleasing» أو الرغبة المُلحة في إرضاء الآخرين، تلك المتلازمة قد يولد الإنسان بها، أو يطورها خلال رحلته في التعامل مع الآخرين، أو تظهر لديه نتيجة صدمة عصبية ما، خاصة الصدمات التي تخص تخلي الآخرين عنه، والتي تدفعه دون وعي إلى أن يشكل حاجة ماسة لإرضاء الآخرين ظنًا منه أنهم لن يتخلوا عنهم مرة أخرى.

عندما يقضي الإنسان فترة طويلة مع شخص يحبه، يمكنه بسهولة أن يطوّر تلك المتلازمة لديه، وليس من الشرط أن يكون هذا الشخص يشعر بتلك المتلازمة مع كل من حوله، بل من الممكن أن يخص بها الأفراد الذين يحبهم ويعيش معهم فترات طويلة من الوقت.

وعندما يصاب الشخص بتلك المتلازمة تجاه من يحبهم، ويصبح تحت ضغط نفسي دائم رغبة في إرضاء الآخرين؛ تبدأ الآثار السلبية تشق طريقها إلى صحته النفسية، ويبدأ الأمر – كما يؤكد علم النفس – بمراقبة من نحب ورصد ما يمكن أن يرضيه من أحاديث وتصرفات، ودون وعي منّا نبدأ في تبديل وجهات نظرنا عن الحياة وفق ما يسعد من نحبهم، ونبدأ في قول الأكاذيب، والتصرف بطريقة غير طبيعية، وكأننا نقوم بدور في فيلم ولكن على أرض الواقع، يؤدي ذلك مع الوقت إلى فقدان احترامنا لأنفسنا، وشعورنا بانعدام النزاهة، ونعيش في سعادة زائفة مستمدة من سعادة من نحبهم ونعمل على إرضائهم.

يؤكد لك الطب النفسي أن كونك على طبيعتك والمخاطرة بأشخاص يحبونك، أفضل من مواجهة الضغط والتوتر المكبوت الناتج عن الادعاء لإرضاء من تحب.

التحقق بدونهم يكون صعبًا

شعور الإنسان بالتحقق واستحقاق السعادة؛ عادة ما يستمده من أكثر من جبهة في حياته، سواء كانت العمل، أو علاقته بالعائلة، وأصدقائه، وبشريك حياته، ولكن عندما يقضي المرء فترة طويلة مع مجموعة ثابتة من الأشخاص أو شخص واحد يحبه؛ مع مرور الوقت ينصب كل شعوره بالتحقق في الحياة داخل إطار علاقته بمن يحبه أيًا كانت علاقته به.

وقتها إذا توترت الأجواء فيما بينهم، أو وقعت أي عثرة في علاقتهم، يشعر الشخص أنه لا يوجد بديل لمن يحبهم، فلا العمل ولا أي طرف آخر مهما كانت أهميته؛ يكون قادرًا على توليد شعور التحقق واستحقاق السعادة، وكل ما يسيطر على الشخص في هذه اللحظة هو التصالح مع الطرف الذي يحبه ويعيش معه معظم الوقت، حتى يشعر أن له قيمة في الحياة يستحق أن يعيش من أجلها، حتى لو كان هذا على حساب نفسه وكرامته.

يخبرك علم النفس أن قضاءك فترات طويلة مع الشخص الذي تحبه، يدفعك لتكوين صورتك الذهنية عن نفسك من خلال آرائه هو، ولذلك غضبه منه يتحول إلى غضب من نفسك، على الرغم من أن سبب غضب الطرف الآخر ربما لا يكون مقنعًا لك في الظروف العادية، أو لم تكن تحت تأثير عشرتك الطويلة لهم الممزوجة بمشاعر الحب المفرطة.

عندما يتحول الأحباء لمخدرات

مثل أي شيء ممتع، تواجدنا مع من نحب في بداية الأمر يعزز من إفراز كل هرمونات السعادة في المخ، وهو ما يدفعنا للاقتراب أكثر من هذا الشخص، وفي كل مرة نود أن نزيد من جرعة السعادة بالقرب أكثر أو بقضاء فترات أطول من السابق بعد أن تفشل الأوقات القليلة التي نقضيها معهم في إفراز نفس الهرمونات، الأمر أشبه بجرعات المخدرات، فبعد أن تعتاد على جرعة بعينها لا تؤثر بك على المدى الطويل، وتريد المزيد والمزيد، حتى تكون معرضًا لجرعة زائدة تعرض حياتك للخطر.

يطبق علم النفس الأمر على شعورك تجاه من تحب، بعد أن تكون فترات القرب بينكم طويلة، تشعر أنك تريد المزيد ولا تدري ماذا تفعل، وقد تصدر منك تصرفات توحي بالاحتياج الشديد والشعور بالدونية أمامه، بجانب محاولة حصاره، وهنا تكون الجرعة الزائدة لصحتك النفسية، عندما تصبح معرضًا لخطر الإصابة بالاكتئاب أو الصدمة أمام أي تصرف بسيط يصدر من الطرف الآخر ويعبر عن احتياجه للشعور بالخصوصية أو بوقت راحة من علاقتكم.

يؤكد لك علم النفس أن حتى التعامل بحب واقتراب شديد من الشخص الذي نحبه وقضاء وقت أطول من اللازم معه، يحولك إلى مدمن لهذا الشخص، ما يفقدك القدرة على التفكير السليم، أو التركيز في أمور أخرى من أمور الحياة، و الرغبة في الالتصاق بهذا الشخص.

احتمالية التعرض للاستغلال

في علم النفس يوجد ما يعرف باسم «استغلال العاطفة» أو «Passion exploitation» وهو فخ يقع فيه الكثيرون خاصة في أماكن العمل، عندما يكون الشخص محبًا لعمله بشغف مسيطر عليه، ويتحول زملاء عمله إلى أصدقائه الذين يحبهم ما يدفع بعض من يتعامل معهم لاستغلال تلك العواطف لمصلحته الشخصية، سواء كان مديرًا لا يوفيه حقه في الثناء أو الأجر معتمدًا على تعلقه بالعمل ومكان العمل، أو كانوا زملاء عمل يتكئون عليه في تنفيذ مهام تخصهم، ليقينهم أنه سيفعل أي شيء لإرضائهم لنفس السبب السابق.

ولذلك التعرض لما نحب سواء كان شيئًا أو هواية أو أشخاصًا لفترات طويلة، يكون له نفس التأثير السلبي، هذا الانغماس بكل كياننا في شيء واحد نحبه، والانعزال عن باقي نواحي الحياة أو باقي علاقتنا الشخصية؛ يكون عبارة عن وحش صغير يتغذى على صحتنا النفسية، مولدًا داخلنا إحساسًا زائفًا بالسعادة.

والحل؟

لا تظن أن الغرض من هذا التقرير هو تحفيزك على  البعد عن أحبابك أو ما تحب أن تفعله، ولكن ما ينصحك به علم النفس هو التذكر بأنك واحدًا من الأشخاص الذين يجب أن تحبهم، وعليك أن تقضي وقتًا كافيًا مع نفسك بعيدًا عن الآخرين خاصة من تحبهم لأن تأثيرهم يكون الأقوى فيك.

وألا تربط هويتك وصورتك الذهنية عن نفسك بالطريقة التي يرونك بها، وتفهم أن عدم رضاء محبيك عن موقف قمت به، ليس بالضرورة يكون سببًا لتوقف هذا الحب، بل بالعكس؛ إن كان هناك أمرًا يزيد حبك واحترامك في قلوبهم هو تمسكك بكيانك وهويتك أمامهم، لا التخلي عن هويتك حتى لو كان من أجلهم.

يخبرك علم النفس أن شعورك بالسعادة دون من تحبهم، هو الخطوة الأولى في بناء علاقة صحية معهم، فلا تكن سعادتك وثقتك بنفسك معتمدة على الأوقات التي تقضيها معهم، وبالتالي ستكون على استعداد لإسعادهم دون التعدي على سعادتك الخاصة، ولذلك الانعزال ولو لفترة عن أحبائك يمنحك الوقت والطاقة الكافيين لتحب نفسك وترعاها بدلًا من رعاية علاقة معينة طوال الوقت.

وإلا مع الوقت – يحذرك علم النفس – ستكون معرضًا للإصابة بمتلازمة القلق المزمن من الانفصال والتي تجعل صاحبها يشعر بالألم الجسدي والنفسي في البعد عمن يحبهم حتى لو كانوا في الغرفة المجاورة، ويتحول هذا التعلق إلى تعلق غير منطقي ومرضي يحتاج لعلاج نفسي.

علوم

منذ سنة واحدة
ساعدنا على البقاء.. كيف نشأ الحب على كوكب الأرض؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد