لم تكن التسريبات التي كشفت عنها وثائق إدوارد سنودن العام الماضي هي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة السياسي، نستعرض في السطور الآتية أهم الحقائق والقضايا التي تم كشفها عبر تسريبات تمت على غير رغبة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بعضها تسبب في أزمات دبلوماسية كبيرة.

1- “جاري ويب” يكشف تستر “سي آي إيه” على أنشطة تجارة الكوكايين

كان ذلك عام 1996، كان جاري ويب يعمل صحفيًا في جريدة “سان خوسيه ميركوري نيوز” حين شرع في كتابة عدة مقالات كشف فيها عن غض المخابرات الأمريكية الطرف عمدًا عن نشاط تجار المخدرات من نيكاراجوا الذين كانوا يوزعون الكوكايين في قلب لوس أنجلوس عام 1980 بينما كانت إدارة الرئيس رونالد ريجان تحميهم من الملاحقة القضائية.

المعلومات التي نشرها جاري أثارت جدلًا كبيرًا وتعرضت لتشكيك كبير، لكن الأسباب التي ساقها منحت كلامه مصداقية كبيرة، فوفقا لغاري، فقد كانت عوائد أرباح تجارة الكوكايين تستخدم من قبل الإدارة الأمريكية لتمويل حركات “الكونترا” المسلحة المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراجوا، وهي نفس الأسباب التي ساقها رموز إدارة ريجان بعد الكشف عما يعرف بـ”فضيحة إيران جيت” حين قامت الولايات المتحدة بتصدير أكثر من 3000 صاروخًا مضادة للدورع وصواريخ أرض جو إلى إيران أثناء حربها مع العراق عام 1985 خلافًا للموقف الدولي وقتها وفي فترة تميزت بالتصعيد العدائي في لهجة الخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة.

فقد جاري ويب عمله في الصحيفة بعد فترة من المفاجاة التي فجرها، قبل أن يعثر عليه مقتولًا عام 2004 بأعيرة نارية في الرأس، يعتقد الكثيرون أنه قد قتل بينما تم إعلان الانتحار بسبب الاكتئاب سببًا رسميا للوفاة، مؤخرًا كشفت المخابرات الأمريكية عن وثاق أكدت صحة ما كتبه غاري ويب منذ قرابة عقدين من الزمان.

2- بوب وودوارد وفضيحة ووتر جيت

لعلها الفضيحة الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة، كشف عنها وكيل مكتب التحقيقات الفيدرالي مارك فيليت لبوب وودوارد محرر واشنطن بوست، تسببت الفضيحة في استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه في سابقة تاريخية، ظل اسم فيليت سريًا وكان يرمز إليه ب”Deep throat” ولم يكشف عنه سوى عام 2005 طبقًا لقانون الكشف عن المعلومات الأمريكي.

الفضيحة التي قدمتها صحيفة واشنطن بوست تتعلق بقيام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بالتجسس على مكاتب واجتماعات الحزب الديمقراطي في فندق ووتر جيت، انتهى الأمر بإدانة الرئيس نيكسون وعدد من مستشاريه الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته عام 1974 مستبقا قرارًا محتملا للكونجرس بعزله عن منصبه.

3- دانييل إلسبرج وأوراق البنتاجون

كان دانييل إلسبرج يعمل في أحد القطاعات البحثية في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” كما كان يعمل محللا لدى مؤسسة راند البحثية التي تعد الأبحاث الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، كان إلسبرج معارضًا للحرب على فيتنام، الأمر الذي دفعه لاتخاذ قراره بمنح بعض الأوراق والتسريبات السرية لصالح جريدة نيويورك تايمز.

 

نشرت التسريبات عام 1971 في عهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، الذي اتهم إلسبرج بالخيانة، وأصدرت المحمة العليا قرارًا بمنع نشر باقي الوثائق قبل أن يتم نقض الحكم والسماح بالنشر، تعلقت الوثائق بمخالفات ارتكبتهما إدارة الرئيس ليندون جونسون بشأن العمليات العسكرية في فيتنام وتضمنت الكذب على الكونجرس بشأن حجم العمليات وأهدافها حيث كشفت الوثائق أن التقارير الاستخباراتية أكدت أن التورط في فيتنام لا يمكن أن ينتهي بالنصر وأنه لامصلحة حقيقية للولايات المتحدة في خوض الحرب إلا على سبيل المناورة السياسية وأن الولايات المتحدة ربما تكون قد تورطت في قتل نيغو دييم رئيس فيتنام الجنوبية في انقلاب عسكري رغم كونه حليفا سابقا لها، كما اتهمت التسريبات إدارة جونسون بالكذب على الشعب حين وعده بتقليص العمليات في فيتنام في نفس الوقت الذي كان يستعد فيه لغزو فيتنام الشمالية، باختصار شديد كانت الوثائق توجه أصابع الاتهام ضمنيا لأربعة رؤساء أمريكيين هم أيزنهاور وكيندي وجونسون ونيكسون.

تم تقديم إلسبرج إلى المحاكمة حسب القانون الخاص بالتجسس، واعتقد أنه سيقضي باقي حياته في السجن، وفي محاكمته تبين أن البيت الأبيض أرسل متتبعين إلى عيادة المعالج النفسي لإلسبرج، بحثا عن مادة محرجة له، فألغيت المحاكمة، وخرج إلسبرج إلى الحرية وأصبح رمزًا للكفاح ضد السلطة والدفاع عن حق الناس في معرفة الحقيقة.

 

4- توماس دريك وفضيحة تريل بليزر

من شخصية مرموقة في وكالة الأمن القومي الأمريكية، إلى موظف في أحد متاجر أبل للحواسيب تتلخص قصة توماس دريك صاحب السبق في الكشف عن أول قضية تريل بليزر الشهيرة، حين قررت وكالة الأمن القومي استخدام برنامج “Trailblazer” بدلا من برنامج “Thinthread“، يتكلف تريل بليزر أكثر من مليار وربع دولار وهي تكلفة ضخمة جدًا مقارنة بمنافسه الذي لا يتكلف أكثر من 3 ملايين دولار، الأمر الذي اعتبره دريك إهدارًا للثروة دون أي كسب سوى انتهاك غير مبرر لخصوصية المواطنين.

حوكم دريك طبقا لقانون التجسس الأمريكي لعام 1917 وصدر قرار بتبرئته وإسقاط التهم ضده في عام 2011.

5- فضيحة تواطؤ المجموعة الهندسية للجيش الأمريكي مع شركة هاليبرتون


تم الكشف عنها بواسطة باني جرينهاوس مديرة قسم التعاقددات بالمجموعة الهندسية للجيش الأمريكي، كانت علاقة الحكومة الأمريكية مع هاليبرتون دومًا مثيرة للشك حتى جاءت هذه الفضيحة لتؤكد كل الشكوك، حيث تم منح هايبرتون عقودًا خاصة بشأن بناء مرافق حقول النقط في العراق بقيمة 7 مليارات دولار بالإسناد المباشر بدون مناقصات، حاولت جرينهاوس تعطيل التوقيع على العقود، انتهى الأمر إلى فقدانها لعملها.

قامت جرينهاوس بالكشف عن المعلومات التي تضمنت حصول هاليبرتون على عقود خاصة من مكتب وزيرالدفاع دونالد رامسفيلد بشكل مباشر، رفعت جرينهاوس دعوة قضائيا ضد المجموعة الهندسية للجيش للحصول على تعويض مادي مناسب عن تضررها جراء فقدان عملها وحكم لها القضاء بتعويض مادي في عام 2011.

6- كولين رولي: هل تعمد أحد إخفاء التحقيقات حول 11 سبتمبر؟

كانت كولين رولي محققة في مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية FBI، زعمت رولي أن مكتب التحقيقات في مينابوليس وصلته معلومة أن زكريا موسوي “أحد المتهمين في الحادث” قد تلقى دروس طيران في الولايات المتحدة على البوينج 747، حاولت رولي استصدار أمر للبحث في هذا الطريق إلا أنه تم رفضه من قبل رؤسائها.

كتبت رولي مذكرة من 13 صفحة بخط اليد إلى مدير مكتب التحقيقات الاتحادي روبرت مولر واثنين من أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، اتهمت خلالها مكتب التحقيقات بإحباط جهود قد تؤدي لكشف ملابسات جديدة حول أحداث11 سبتمبر، نشرت المذكرة في مجلة التايم في يونيو عام 2002 ووصفتها المجلة بـ”المذكرة القنبلة”، رشحت رولي بسبب مذكرتها إلى استفتاء شخصية العام الذي تجريه مجلة التايم سنويًا وذلك عام 2002.

7- برادلي مانينج وأكبر تسريب معلومات في تاريخ الجيش الأمريكي

يعتبر الضابط ومحلل الاستخبارات في الجيش الأمريكي برادلي مانينج مسؤولًا عما يصفه الخبراء بأكبر تسريب للمعلومات من قلب الجيش الأمريكي عبر تاريخه، كان مانينج يبدي رأيه علنًا عما وصفه بالممارسات الوحشية التي تمارسها الإدارات الأمريكية، ورغم نصيحة رؤسائه المباشرين في قيادة الجيش بعدم إرساله إلى العراق إلا أن إمكاناته النادرة كأحد أبرز المحللين الاستخباراتيين وضعته على رأس القائمة رغم المخاطرة.

 

يأتي على رأس ما سربه مانينج من معلومات مقطع الفيديو الشهير الذي يظهر أحد الطواقم الجوية الأمريكية يضحك بشكل هستيري بعد القيام بتنفيذ غارة جوية تسببت في قتل العشرات أغلبهم من المدنيين، كما قام مانينج بتسريب سجلات تفصيلية حول أعداد القتلى المدنيين في العراق رغم إنكار الإدارة الأمريكية وجود سجلات حول أعداد القتلى المدنيين والذين بلغ عددهم أكثر من 66 ألف قتيل خلال 6 سنوات وفقا لسجلات ماننينغ، كما كشف عن قيام الجنود الأمريكيين بارتكاب وقائع تعذيب مروعة في حق السجناء في العراق.

الفضيحة الأكبر التي كشفها مانينج كانت تقديم وثائق تورط بعض مقاولي الجيش الأمريكي في الاتجار بالبشر خصوصًا الأطفال في العراق، يقبع مانينج حاليا في السجن حيث تم توجيه 21 تهمة له على رأسها تقديم معلومات تفيد الأعداء، تم نشر المعلومات التي كشف عنها مانينج ضمن وثائق ويكيلكس.

8- راسل تايس يكشف أنشطة وكالة الأمن القومي

وفقًا لراسل تايس ضابط الاستخبارات السابق لدى وكالة الأمن القومي، فإن الوكالة تجسست على المكالمات الهاتفية والفاكسات والرسائل الإلكترونية للأمريكيين لفترات طويلة، ما كشفه تايس أبعد من ذلك حيث كشف عن قوائم للصحفين والقضاة وأعضاء الكونجرس والمسؤولين العسكريين والذين يخضعون لرقابة كاملة على جميع أنشطة اتصالهم لمدة 24 ساعة يوميًا، أما أخطر ماكشفه تايس فهو قيام وكالة الأمن القومي بالتجسس على سيناتور أمريكي في ولاية ألينوي في الأربعين من عمره في عام 2004 والذي صار فيما بعد رئيسًا للولايات المتحدة، في إشارة واضحة منه إلى الرئيس باراك أوباما.

9- وثائق إدوارد سنودن


توصف بأنها موجة التسريبات الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، كشف عنها إدوارد سنودن الضابط السابق في وكالة الأمن القومي – والملاحق حاليا من قبل السلطات الأمريكية – بداية من يونيو 2013، وتعلقت بأنشطة تجسس مارستها وكالة الأمن القومي على بيانات ورسائل وهواتف وحسابات إلكترونية داخل الولايات المتحدة وخارجها وتورطت فيها مجموعة من أكبر شركات الإنترنت، الجديد في الأمر هذا الشهر هو أن وكالة الأمن القومي لم تكتفِ باستخدام برامج التجسس في تعقب أنشطة غير الأمريكيين ومن يصفهم بـ«الإرهابيين المحتملين» بشكل غير قانوني، بل امتدت إلى المكالمات وأنشطة الإنترنت وأجهزة المحمول الذكية الخاصة بمواطنين أمريكيين وغير أمريكيين أو عاديين
.

لم تقتصر أنشطة التجسس على المواطنين فقط بل امتدت لتشمل مسؤولين وسياسيين وسفارات ومؤتمرات قمة، على رأسها قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل عام 2009 إضافة إلى الهاتف الشخصي للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والبريد الإلكتروني لرئيسة البرازيل ديلما روسيف.

اعرف المزيد عن أهم تسريبات إدوارد سنودن من هنا.

10- بيتر باكستون يكشف فضيحة معهد توسكيجي حول دراسة مرض الزهري


وقعت هذه الحادثة بين عامي 1932-1972، حين أراد مجموعة من الأطباء والباحثين بمعهد توسكيجي التابع لوزارة الصحة الأمريكية إجراء دراسة حول التأثير طويل المدى لمرض الزهري على الإنسان، حيث قاموا بجمع 600 أمريكي من أصول إفريقية، منهم 399 فردًا مصابًا بالزهري وأخبروهم أنهم مصابون بمرض في الدم دون تحديد نوعه، وطلبوا إليهم المتابعة بشكل دوري على مدار 40 عامًا دون تقديم أي علاج لهم، رغم اكتشاف البنسلين كعلاج مؤقت لمرض الزهري أثناء فترة إجراء الدراسة، إلا أن التجربة استمرت حتى قام باكستون بالكشف عنها، وقتها كان عشرات من هؤلاء الرجال قد ماتوا بتأثير المرض، في عام 1997 قدم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون اعتذارًا رسميًا عن هذه التجربة التي وصفها بالعنصرية واللاإنسانية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد