في 18 أبريل (نيسان) 2017، تجاوز كوكب الأرض الرقم القياسي السابق الخاص بعملية التغيُّر المناخي التي يشهدها الكوكب. لأول مرة في تاريخ البشرية، تصل قيمة مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى تركيز 410 أجزاء في المليون. وسجَّل «منحنى كيلينغ»، التابع لمعهد مؤسسة علم المحيطات في جامعة كاليفورنيا سان دييغو الأمريكية، رقمًا قياسيًا جديدًا في مرصد «مونا لوا» في هاواي، الخاص بقياس ومتابعة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون، المتهم الرئيسي وراء عمليات الاحترار التي يشهدها الكوكب في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا.

ورغم أن هذه اللحظة كانت لحظة مؤلمة للعلماء، إلا أنها كانت أيضًا مثيرة للدهشة.

توقُّعات سابقة بالأسوأ

منذ العام الماضي، عندما وصلت مستويات كوكبنا من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجويّ رقمًا قياسيًا جديدًا، 400 جزء في المليون، حذر العلماء من أن المرحلة التالية ستكون رقمًا قياسيًا جديدًا بقيمة 410 أجزاء في المليون، وهو ما حدث بالفعل. وقال رالف كيلينغ، مدير برنامج ثاني أكسيد الكربون في مؤسسة سكريبس، في ذلك الوقت «نحن في حقبةٍ جديدة. إنها تسير بسرعة. سنصل إلى 410 قريبًا جدًا».

جدير بالذكر أنه لا يوجد شيء فريد من نوعه حول الأرقام 400 أو 410، ولكنها توفر نقاط مقارنة للعلماء. قال غافن فوستر، الباحث بجامعة ساوثامبتون، في مارس (آذار) 2017، إن هذه الأرقام القياسية هي أرقام فقط، لكنها تتيح لنا فرصة للتوقف والتقدير فهي تعمل كمعالم مفيدة لمقارنات السجل الجيولوجي.

تحذيرات مما هو قادم

الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، من الأهمية بمكان أن تعمل جميع البلدان معًا لتحقيق فكرة العالم الأكثر اخضرارًا، ومحاولة تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بشكلٍ جديّ.

ففي حين أن العوامل الطبيعية مثل ظاهرة «إل نينيو» دفعت المزيد من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي خلال العامين الماضيين، لكن هذه السجلات والأرقام الجديدة هي في معظمها مدفوعة من قبل البشر عبر حرق الوقود الأحفوري بكمياتٍ هائلة، وبالتالي، خلق كميات قياسية من ثاني أكسيد الكربون.

«إل نينيو» هي ظاهرة مناخية عالمية مرتبطة بالمحيطات، إذ يؤثر تغير درجة الحرارة في أحد المحيطات على درجات الحرارة في منطقةٍ بعيدة. وبشكلٍ عام فإن هذه الظاهرة تنشأ نتيجة زيادة درجة حرارة المحيط الهادئ نتيجة لسلسلة معقدة من العوامل تربط بين الغلاف الجوي والمحيطات.

يوجد نوعٌ آخر من أنواع الرياح الدائمة التي تسمَّى «الرياح التجارية». هذه الرياح تهب من المناطق دون المدارية (قبل مداري السرطان والجدي ببضع درجات) باتجاه المناطق الاستوائية، ويكون اتجاهها في نصف الكرة الشمالي ناحية الشمال الشرقي، وفي نصف الكرة الجنوبي ناحية الجنوب الشرقي.

في المواسم العادية تبدأ الرياح التجارية في الهدوء خلال فصل الربيع وتبدأ في العودة العكسية خلال فصل الصيف في صورة الرياح الموسمية. في العام الذي تظهر فيه ظاهرة إل نينيو لا يحدث هذا، بل تهب الرياح التجارية في الاتجاه المعاكس؛ مما يؤثر بشكل واضح على المحيط الهادئ، أكبر المحيطات على سطح الأرض.

قال بيتر تانس، عالم الغلاف الجوي في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، «سينخفض معدل الزيادة عندما تنخفض الانبعاثات». تبدو هنا القاعدة منطقية وبسيطة نظريًا. لكنه أضاف «لكن ثاني أكسيد الكربون سوف يستمر في الارتفاع، وإن كان أكثر بطئًا، وفقط عندما تنخفض الانبعاثات إلى النصف سيكون مستوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في البداية الجيدة».

ترامب.. أحد المشكلات

لكن يبدو أن فكرة خفض الانبعاثات البسيطة هذه ليست سهلة عمليًا، على الأقل في حالة عدم وجود إرادة للدول الكبرى على تطبيقها. فكرة الحد من الاحتباس الحراري التي كان يعتقدها العلماء دُحضت بشكلٍ شبه كامل بالأرقام الثلاثة القياسية التي حققتها درجات الحرارة في الأعوام الثلاثة الماضية بشكل متتالٍ، بالإضافة إلى الرقم القياسي الجديد الخاص بنسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ليس هذا فحسب، فقد حذر جافن شميدت، مدير معهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، من إمكانية تسارع معدل ارتفاع درجات الحرارة، موضحًا أنه من الخطأ الظن بأن كون درجات الحرارة كانت أقل من متوسط معدل الزيادة، يعتبر علامة مضيئة على الاتجاه نحو انخفاض حرارة الأرض.

يعود سبب ذلك إلى أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، سُجّلت أرقام ثلاثية لأكثر الأعوام حرارة بشكلٍ متعاقب. ورغم أن هذه الأرقام القياسية مدعومة جزئيًا من تأثير ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية، يظل السبب الرئيسي لتغير المناخ، ولظاهرة الاحتباس الحراري، ناتجًا عن أنشطة بشرية.

يبدو أن مجيء الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، للسلطة، سيساهم بصورة كبيرة في زيادة معدلات الاحتباس الحراري، ببساطة لعدم اقتناع ترامب بالخطر المحدق من وراء هذه الظاهرة وعدم اقتناعه بحدوث عمليات تغير مناخي واسعة على كوكب الأرض. ففي عام 2012، نشر ترامب تغريدة على تويتر، قال فيها إن «التغير المناخي مفهوم اخترعته الصين لجعل الشركات الأمريكية أقل قدرة على المنافسة»، وعليه فإن الاحتباس الحراري في نظر ترامب ليس أكثر من نظرية مؤامرة خارجية.

اعتقد البعض أن ترامب يمكن أن يغير موقفه عند تسلمه السلطة، كون المسؤولية التي هو بصددها ستفرض عليه تعاملًا مختلفًا، لكنه على العكس، حتى الآن، لا يزال مصرًا على طريقه، ومن ذلك أن أزالت إدارته أي شيء يخص تغيّر المناخ من الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض بعد ساعات فقط من تسلمه السلطة بشكلٍ رسميّ.

واستبدلت الإدارة الجديدة بهذه الأمور خطة طاقة جديدة، لا تعطي أي اهتمام أو ذكر لظاهرة الاحتباس الحراري، مُلتزمةً فقط بالمساعدة على تخفيض الأسعار التي يدفعها الأمريكيون مقابل استهلاكهم الطاقة. وقبل أن يُسلّم فريق باراك أوباما الموقع لإدارة ترامب، كانت هناك عدة صفحات على الموقع تُشير صراحة إلى عمل أوباما على قضيّة تغيّر المناخ، ومن أهم تلك الصفحات كانت تلك التي تحتفل بخطة العمل من أجل المناخ، وهو الاتفاق التاريخي الذي أعلنه أوباما في عام 2013، من أجل الرد على التحدي المتمثل في تغير المناخ.

واعترافًا بأهمية اتخاذ إجراءات لوقف تغير المناخ، شارك العلماء وأشخاص عاديون في جميع أنحاء الولايات المتحدة في مسيرة يوم الأرض، 22 أبريل (نيسان) 2017. وفي كلمته أمام الحشد في مدينة سان دييغو، أعلن كيلينج أن الجدال حول فكرة تغير المناخ قد انتهى منذ عقود، وأنها أصبحت حقيقة لا جدال فيها. وأرسل المشاركون رسائل إلى الرئيس الأمريكي لحثه على تغيير موقفه والاعتراف بهذه التغيرات وأخذ خطوات قوية قبل حدوث الكارثة.

خفض الانبعاثات ضرورة

وأظهرت البحوث الأخيرة أن إمدادات الطاقة العالمية يجب أن تعتمد على الوقود الأحفوري بنسبة لا تتعدى 25% بحلول عام 2100، وذلك من أجل تحقيق أهداف اتفاق المناخ في باريس. وتتخذ بلدان مختلفة إجراءات لتحقيق أهدافها الخاصة بما يتوافق مع هذه المبادئ التوجيهية العالمية. فقد أعلنت الصين، على سبيل المثال، عن سقف لاستخدام الفحم، مما يساعد على التقليل من انبعاثاته بعد عام 2030.

 

وستحظر ألمانيا محركات الاحتراق بحلول عام 2030 أيضًا. وفي الولايات المتحدة، شاركت مؤسسات كبرى صديقة للبيئة صندوقًا للطاقة النظيفة مدته 20 عامًا تصل قيمته إلى مليار دولار أمريكي. وسجلت بريطانيا مؤخرًا رقمًا قياسيًا كان العالم سعيدًا برؤيته: فقد كان أول يوم للطاقة الخالية من الفحم في 135 عامًا، يذكر أن بريطانيا هي أول من قدمت الفحم وقودًا واسع النطاق للعالم بعد استخدامه في الثورة الصناعية.

المخاطر بدأت

وقد بدأت بالفعل عدد من الظواهر المناخية الغريبة تضرب الأرض في إشارة على ما يمكن أن ينتظرنا إذا استمر وضع الاحتباس الحراري في النمو.

فقد هطلت الثلوج يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016 لأول مرة منذ عشرات السنوات على الصحراء الكبرى شمال القارة الإفريقية، في هذه اللحظة التاريخية كانت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) موجودة من خلال القمر الصناعي «لاندسات 7»؛ كي تسجل الأمر.

ويُعدّ سقوط الثلوج على الصحراء الإفريقية أحدثَ الظواهر التي لم يألفها البشر مؤخرًا، إذ تمكنت كاميرات أحد الأقمار الصناعية التابعة لناسا من تصوير تساقط الثلوج في الصحراء الإفريقية الكبرى لأول مرة منذ 37 عامًا. وأظهرت الصور أن المنطقة التي غطتها الثلوج تقع على الطرف الشمالي من الصحراء بالقرب من الحدود المغربية الجزائرية عند مدينة عين الصفراء.

كما أعلنت الأمم المتحدة عن موجة بحرية عملاقة كسرت الأرقام القياسية لأعلى موجة مسجلة. وأوضحت الأمم المتحدة أن بيانات إحدى العوامات المخصصة سجلت جدارًا شاهقًا من المياه، الذي وصل ارتفاعه إلى 19 مترًا كاملًا، وهو ما يعني موجة أطول من مبنى مكون من ستة طوابق.

 

أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2016، عن موجة ملحمية جرى تسجيلها من قبل العوامة الآلية في شمال المحيط الأطلسي بين أيسلندا والمملكة المتحدة في فبراير (شباط) 2013؛ ليتمكن العلماء لاحقًا من تأكيد حجمها.

وقد صنف العلماء من لجنة علم المناخ المتطرف في المنظمة هذه الموجة بأنها «أعلى ارتفاع لموجة تقيسها عوامة». ويقولون «إن هذه الظاهرة ترجع إلى جبهة باردة قوية جدًا، أنتجت رياحًا تصل سرعتها إلى 81.1 كيلومترًا في الساعة». وكان الرقم القياسي السابق مسجلًا لموجة في ذات المنطقة 18.275 مترًا.

ليس هذا فحسب، فقد أعلن العلماء عام 2016 أن كوكب الأرض دخل رسميًا في عصر جيولوجي جديد يسمى «الأنثروبوسين»، بحسب فريق من العلماء الذين قدموا تقريرهم خلال أحد المؤتمرات العلمية. وكان العلماء يسعون إلى الإعلان عن أن الأرض بدأت تدخل في مرحلة جيولوجية جديدة، ففكرة أننا نعيش الآن في عصر «أنثروبوسين»، بدأت تطفو إلى السطح في السنوات الأخيرة.

ونتيجة للعديد من العوامل التي تعرضت لها الأرض خلال العقود القليلة الماضية، مثل ارتفاع درجات الحرارة في العالم بمعدل درجة مئوية واحدة، خلال فترة تزيد قليلًا عن القرن، وحرق كميات هائلة من الوقود الأحفوري، وانقراض العديد من أنواع الحيوانات، والاستخدام واسع النطاق للأسمدة النيتروجينية، والطوفان العملاق من القمامة البلاستيكية التي تغزو الكوكب، بالإضافة إلى عدد من العوامل الأخرى، بدأ العلماء يفكرون بشكل جدي في أن هذه التغيرات التي تحدث ستظل واضحة وباقية في الصخور، لملايين السنوات التالية.

ونشر علماء في عدة مؤسسات في الولايات المتحدة وأستراليا مجموعة من الملاحظات غير المسبوقة التي تتعلق بالمحيط قرب أكبر الأنهار الجليدية التي تضم أكبر غطاء جليدي في العالم، والمسماة نهر توتن الجليدي، والذي يقع شرق القارة القطبية الجنوبية. وأشارت النتائج الخاصة بالملاحظات إلى أن هذا النهر يذوب بالفعل، وهو ما أكد قلق العلماء تجاه ما كانوا يخشونه بالفعل.

القياسات التي جرى حسابها عبر أخذ عينات لدرجات الحرارة الخاصة بالمحيط القطبي الجنوبي على عمق كيلومتر واحد بالقرب من حافة الكتلة الجليدية الخاصة بنهر توتن الجليدي، أكدت أن مياه المحيطات الدافئة تتدفق بالفعل نحو الجبل الجليدي بمعدل 220 ألف متر مكعب في الثانية.

وطبقًا لما تؤكده الدراسة، فإن هذه المياه تتسبب في نقصان الغطاء الجليدي بمعدل 63 – 80 مليار طن من كتلتها التي تذوب باتجاه المحيط سنويًا. كذلك يقل سمك هذه الطبقة الجليدية بمعدل 10 أمتار (32 قدمًا) سنويًا، طبقًا لما أظهرته صور الأقمار الصناعية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد