«حين يقتله، تنتهي فترة حكم الطاغية، وتبدأ فترة حكم الشهيد!». – الفيلسوف الدنماركي الوجودي «كيركيجارد».

حين قُتل «شهدي عطية» من التعذيب، في مثل هذا اليوم، الأربعاء 15 يونيو (حزيران) 1960، كان قد مر شهر كامل على إصدار الرئيس المصري «جمال عبد الناصر» لقرارات تأميم الصحافة، حيث أصبحت الصحف ملكًا للدولة، تعين رؤساء تحريرها، ومجالس إدارتها، وتستبعدهم عندما تريد.

وفي ذروة تأميم الصحافة، التي لم تكن تتحدث حتى قبل التأميم، إلا بصوت الدولة وصوت عبد الناصر، سُمح لأسرة شهدي بأن تنشر نعيًا يوم 20 يونيو (حزيران) 1960، في صحف الأهرام والأخبار والجمهورية، باسم والده «عطية الشافعي»، كتبه القيادي في حركة «حدتو»، «محمود توفيق». وقد تضمن النعي أبياتًا من شعر «أبي تمام». وكان النعي ينضح بالغضب من نظام عبد الناصر، ويُظهر بوضوح لقارئ الصحف يومها، أن فقيد الأسرة، قد مات من التعذيب في سجون عبد الناصر.

وقد جاء النعي الذي نشر في الصحف القومية على النحو التالي:

«شهدي عطية الشافعي..

عطية الشافعي وأسرته ينعون بعد أن واروا عزيزهم فخر الشباب، الأستاذ شهدي عطية الشافعي إلى مقره الأخير، ويقولون لمن واساهم فيه: لن نشكركم؛ فالشكر لكم في هذا الموقف نكران لوفائكم، وشهدي وذكراه ملك لكم وأمانة في ضمائركم.

أما أنت ياعزيزنا الغائب فإننا نرثيك بهذا:

فتى مات بين الضرب والطعن.. ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصر

تردى ثياب الموت حمرًا.. فما دجى لها الليل إلا وهى سندس خضر

وقد كان فوت الموت سهلًا.. فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر

ونفس تعاف العار حتى كأنما .. هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر».

ما الذي يدفع عبد الناصر ـ إذن ـ للسماح بنشر نعي مثل هذا، على صحفه الرسمية، التي تشدو بإنجازاته؟ يعود السبب لكون تعذيب شهدي وقتله، قد تسبب في أكثر موقف محرج تعرض له عبد الناصر، طيلة فترة حكمه، وهو ما سنعرفه في هذا التقرير، حيث كانت قوة تأثير موت شهدي ـ ربما ـ أكبر من قوة تأثير حياته الحافلة بالنضال.

ثورة أم انقلاب؟

منذ الأيام الأولى لحركة الجيش في يوليو (تموز) 1952، ومنذ أن استولى الرئيس جمال عبد الناصر على السلطة بعد ذلك، كان الشيوعيون المصريون منقسمين؛ بين من رأوا في الأمر برمته ثورة وطنية تقدمية، وبين من رأوا أن الأمر أشبه ما يكون بانقلابات الجنرالات في أمريكا اللاتينية.

صورة للرئيس جمال عبد الناصر وهو يحيي الجماهير

لكن بعد العديد من الخطوات التي اتخذها عبد الناصر، في معاداة الصهيونية والاستعمار، وفي إقرار خطة علمية لتنمية الصناعة الوطنية، وإعادة توزيع الثروة، بدأ النظر إلى عبد الناصر بين معظم صفوف الشيوعيين المصريين، باعتباره زعيمًا وطنيًا، يختلف معه بعضهم في نقطة أساسية وحيدة، هي قضية «الديمقراطية».

ولم تكن هذه العلاقة لتستمر؛ فمع قدوم عام 1959، ومع تطور الأوضاع في مسألة الوحدة بين مصر وسوريا، كان الشيوعيون المصريون على موعد مع التشريد من أعمالهم وبيوتهم، ومواجهة أقسى أصناف العذاب في معتقلات عبد الناصر؛ فمنذ فجر أول يناير (كانون الثاني) من هذا العام، كان الشيوعيون المصريون على موعد مع محنتهم الكبرى التي لم تنته تمامًا، سوى بحلول عام 1964، وإن كان تعذيبهم قد انتهى فعليًا، بعد حادثة مقتل عطية عام 1960.

في بدايات الوحدة بين مصر وسوريا، كان الحزب الشيوعي السوري متمسكًا بتجربة سوريا الديمقراطية، التي عرفتها منذ عام 1954، ورفض الحزب بالتالي حل نفسه، وكان يقترح أن تصبح الوحدة العربية وحدة «فيدرالية»، تُسير فيها كل دولة شؤونها بما يتلاءم مع تجربتها الخاصة، وليست وحدة «اندماجية» تحت قيادة عبد الناصر.

وقد ساندت الأحزاب الشيوعية العربية، بما فيها الحركة الشيوعية المصرية، موقف الحزب الشيوعي السوري، ومن هنا بدأ عبد الناصر في حربه الضروس ضد الحركة الشيوعية العربية.

علمًا بأن عبد الناصر بعد انفصال مصر عن سوريا، وتفكك الوحدة، اعترف بأن الثورة قد أخطأت حين قبلت بالوحدة الاندماجية، دون مراعاة ظروف كل إقليم، وأخطأت أيضًا حين قامت بحل الأحزاب التقدمية اليسارية، واستبدلت بها الاتحاد القومي.

وبعيدًا عن سوريا، وبالانتقال غربًا إلى العراق، كانت تجربة الثورة، في إقامة جبهة وطنية حاكمة تضم كل الأحزاب الثورية، قد أشعلت الحماس بين صفوف الشباب «الراديكاليين» في الحركة الشيوعية المصرية، دافعة إياهم إلى المطالبة بإبراز الخلاف الرئيس مع عبد الناصر، وهو الخلاف المتعلق بالديمقراطية والحريات الفردية.

وبالتالي، ونتيجة تأثيرات الأوضاع في سوريا والعراق، بدأ «الحزب الشيوعي المصري» في التفكك إلى جناحين، الأول «راديكالي»: يسعى إلى إبراز الخلافات مع عبد الناصر بحسم، والآخر تم تسميته بـ«المعتدل»، وهو الجناح الذي يرفض اعتبار عبد الناصر خصمًا؛ لأن ذلك لا يخدم، في نظر هذا الجناح، إلا الصهيونية وأعداء العدالة الاجتماعية.

وكان على رأس هذا الجناح المعتدل، الزعيم السياسي لحركة حدتو والمفكر اليساري الشاب شهدي عطية، الذي ذاع صيته في المحروسة، منذ أربعينات القرن العشرين؛ حين أصدر كتبًا كانت لها قيمة كبيرة في الساحة الثقافية المصرية، وقد اشتهر في الخمس سنوات التي سبقت الثورة، بمكافحة الأمية في السجن؛ إذ كان يقضي عقوبة الحبس سبع سنوات مع الأشغال الشاقة، كأول سجين شيوعي في مصر يحكم عليه بهذه المدة.

وفيما يخص مكانته الفكرية، فيمكننا الاستعانة فقط بنص من رواية «أمريكانلي» للأديب المصري «صنع الله إبراهيم»؛ إذ يحكي فيه بطل الرواية، وهو يعمل في تدريس التاريخ بالولايات المتحدة، عن تجربته مع قراءة شهدي عطية فيقول «ذهبت حينذاك إلى مكتبة جديدة بوسط البلد، وابتعت كتابًا حديث الصدور، عنوانه تطور الحركة الوطنية المصرية من 1882 إلى 1965. كان المرجع الرئيس المتوفر وقتها في التاريخ المصري الحديث هو 14 مجلدًا من كتاب تاريخ مصر القومي لـ«عبد الرحمن الرافعي»، وبالرغم من قيمته كسجل أمين ودقيق للوقائع، إلا أنه كان متخلفًا للغاية عن مقدمة «ابن خلدون»؛ إذ خلا من أية محاولة لتفسير الأحداث أو الربط بينها، ومن رؤية شاملة تمنح لها اتجاهًا ومغزىً، وهي المهمة التي تصدى لها شهدي عطية، فأراني التاريخ عبر كتابه لأول مرة من منظور جديد كاشف».

في مطلع عام 1959، لم تفرق الدولة بين شيوعي راديكالي أو معتدل، وكانت ترى أن شهدي وجناحه المعتدل أكثر خطورة، من الراديكاليين؛ لأنهم ـ في نظرها ـ يتظاهرون بتأييد النظام في صراعه مع الاستعمار والرأسماليين والإقطاعيين؛ ليستغلوا ذلك في حرية التحرك والعمل على إجهاض النظام وثورة يوليو بعد ذلك.

وبالفعل كان شهدي، صاحب الـ49 عامًا، على رأس من تم اقتيادهم من بيوتهم في مطلع 1959، إلى المحاكم العسكرية.

جولة واحدة من التعذيب تكفي

ببساطة، رفض أن يقول إنه إمرأة، وتمسك بكونه إنسانًا ورجلًا وشيوعيًا، ولم يصدر صرخات أو تأوهات أثناء الضرب، فتلقى قدرًا كبيرًا من التعذيب، حتى سقط قتيلًا.

صورة لشهدي عطية (مصدر الصورة: المصري اليوم)

حادثة دفعت «فخري لبيب حنا»، الذي أرخ لهذا العذاب فيما بعد، أن يقول «للحظات برقت الحقيقة، فالمطلوب ألا يكون في مصر رجل أو إنسان أو شيوعي».

«الوعد ع الكل لا شيوعي ولا إخوان/ واللي قتل شهدي جلادك يا سيد قطب/ الموت خانات والخانات من خبثهم ألوان/ جزارة.. وإحنا غنم متعلقين م الكعب»، أبيات للشاعر المصري الشيوعي «نجيب سرور»، والذي سمى أكبر أبنائه ـ بعد ذلك ـ شهدي؛ تأثرًا بشهدي عطية.

تمت محاكمة شهدي ورفاقه من قيادات وكوادر الحزب الشيوعي المصري، بمسقط رأسه في الإسكندرية عام 1960، وتحدث شهدي باسم زملائه في تلك المحكمة، حيث قاد هو المرافعة السياسية؛ باعتباره الزعيم السياسي لحركة حدتو.

وخلال مرافعته السياسية أثنى شهدي على صدور قرارات تأميم «بنك مصر» وشركاته، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوات ستساعد على الانتقال السلمي للاشتراكية وللعدالة الاجتماعية، وأكد أنه يريد من المحكمة الإفراج عنه وعن زملائه؛ حتى يستكملوا مشوار الحرب ضد الاستعمار مع عبد الناصر.

بعد انتهاء المحاكمة، وقبل صدور الأحكام، نقلت السلطات شهدي عطية مع زملائه في فجر 15 يونيو (حزيران) إلى سجن «أوردي ليمان أبو زعبل»، ليقوم «اللواء إسماعيل همت»، ضابط الجيش السابق، بتعذيبهم.

كان التعذيب يتمثل الضرب العنيف بالشوم، وتغطيس الرأس في الماء، حتى تقترب الضحية من فقدان الوعي، وسحل الضحايا، وهم عراة تمامًا.

تلقى شهدي أعنف أنواع التعذيب؛ لأنه كان الأكثر شموخًا أثناء تعذيبه، رفض أن يصدر صرخات أو تأوهات، والأهم أنه رفض رغبة معذبه، حين قال له «قل أنا مرا»؛ رفض شهدي قائلًا «أنا شهدي عطية، شيوعي، وانت عارف يا عبد الله يا رشدي».

كان رفض شهدي القول بأنه امرأة، بمثابة استفزاز كبير للمعذبين، الذين انهالوا عليه بالتعذيب الوحشي والتنكيل، وفجأة سُمع صوت سقوط جسم ثقيل في أوردي ليمان طرة؛ إذ سقط شهدي قتيلًا من التعذيب، وكان ذلك في مثل هذا اليوم، الأربعاء، 15 يونيو (حزيران) 1960.

أكثر موقف محرج لعبد الناصر

«في يوم 15 من شهر يونيه سنة 60 ميلادية/ كان فجر مش فجر/ كانت ليلة مقضية/ متقدرة بالسنين مش مخلية»، مطلع قصيدة رثاء لشهدي بعد لحظات من موته، كتبها «فؤاد حداد».

حين سقط شهدي قتيلًا، كان عبد الناصر في زيارة لـ«يوغسلافيا»، يجري مباحثات مع نظيره في حركة عدم الانحياز «تيتو»، رئيس يوغسلافيا.

شهدي عطية

مصدر الصورة: greatersurbiton.wordpress.com

لم تكن أخبار قتل شهدي، قد بلغت عبد الناصر، وقد سمع عبد الناصر الخبر لأول مرة، في أسوأ مكان، بالنسبة له حينها، يمكن أن يسمع فيه ذلك؛ فأثناء مؤتمر دعاه إليه تيتو، بدأت ردود أفعال غاضبة من اليوغسلافيين الحاضرين، على مقتل شهدي عطية، وبدأ الجالسون في التحدث عما اعتبروه جريمة قتل مفكر بارز، مثل شهدي.

اضطر عبد الناصر أن يقف في أكثر موقف محرج تعرض له خلال فترة حكمه؛ إذ وقف تيتو والحاضرون دقيقة؛ حدادًا على روح شهدي، واضطر عبد الناصر أن يقف معهم حدادًا على من قتله نظامه، وتطور الأمر إلى أن أحد الصحافيين في المؤتمر، سأله كيف حدثت تلك الجريمة في بلادك أيها الرئيس، وقد رد عبد الناصر محاولًا أن يخفي ارتباكه «لم نقتل أحدًا، ومن يخرج على النظام يقدم للقضاء العادل».

حين عاد عبد الناصر إلى مصر، وبالرغم من أن معذبي شهدي لم يتعرضوا لأي عقاب، لكن الأوامر صدرت من الرئيس بإيقاف التعذيب فورًا ونهائيًا في السجون، وفتح التحقيق في مقتل شهدي، وهو التحقيق الذي لم ينته إلى إدانة المعذبين على كل حال؛ لأنهم أنفسهم من تولوا التحقيق، إلا أنّ النيابة أثبتت الإصابات الخطيرة على أجساد معتقلين.

بسبب موت شهدي عطية، عاشت مصر فترة قَلّ فيها التعذيب في السجون، وهي الفترة ما بين عامي 1960 و1965، نفسها الفترة التي ارتفعت فيها الصادرات الصناعية المصرية، وارتفع فيها دخل المواطن المصري لأكثر من 3%.

عرض التعليقات
تحميل المزيد